العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

اطلالة

هالة كمال الدين

halakamal99@hotmail.com

عندما تسقط الرجولة

يشير‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬البريطاني‭ ‬البارز‭ ‬‮«‬جيف‭ ‬هيرن‮»‬‭ ‬ونظيره‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬جيمس‭ ‬ميسرشميت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬وتنوع‭ ‬الأدوار‭ ‬الجندرية‭ ‬قد‭ ‬أضعفا‭ ‬أشكال‭ ‬الهيمنة‭ ‬الذكورية‭ ‬القديمة،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬أنماط‭ ‬الرجولة،‭ ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬‮«‬أزمة‭ ‬الهوية‭ ‬الذكورية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصناعة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬هنا‭ ‬سؤالا‭ ‬مهما‭:‬

هل‭ ‬يتطور‭ ‬المفهوم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للرجولة‭ ‬استجابة‭ ‬للتغيرات‭ ‬في‭ ‬المجتمع؟‭ ‬

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬تبادر‭ ‬إلى‭ ‬ذهني‭ ‬حين‭ ‬تابعت‭ ‬من‭ ‬كثب‭ ‬مؤخرا‭ ‬الواقعة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تداولها‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتي‭ ‬تتعلق‭ ‬بطلب‭ ‬تقدمت‭ ‬به‭ ‬إحدى‭ ‬الزوجات‭ ‬المصريات‭ ‬إلى‭ ‬محكمة‭ ‬الأسرة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الطلاق‭ ‬نظرا‭ ‬لتضررها‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬معاشرة‭ ‬زوجها،‭ ‬والذي‭ ‬يتفنن‭ ‬في‭ ‬سقيها‭ ‬من‭ ‬صنوف‭ ‬وألوان‭ ‬العذاب‭ ‬ببراعة‭ ‬الجلاد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬قلبه‭ ‬الرحمة‭ ‬بما‭ ‬يتنافى‭ ‬مع‭ ‬الكرامة‭ ‬والحقوق‭ ‬البشرية‭.‬

ولعل‭ ‬المؤسف‭ ‬والمذهل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬سلوكه‭ ‬هذا،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬صدمته‭ ‬عند‭ ‬إنجاب‭ ‬طفلهما‭ ‬الأول‭ ‬حين‭ ‬عرف‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬رزقه‭ ‬ببنت،‭ ‬وذلك‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬ذكرته‭ ‬الزوجة‭ ‬في‭ ‬دعواها،‭ ‬وكأنها‭ ‬هي‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬جنس‭ ‬المولود‭ ‬وليس‭ ‬هو،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬عقابها‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬وبمنتهى‭ ‬القسوة‭ ‬عبر‭ ‬معاملته‭ ‬اليومية،‭ ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬حرمانها‭ ‬هي‭ ‬وابنتها‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حدد‭ ‬لها‭ ‬مصروفا‭ ‬يوميا‭ ‬كفيل‭ ‬بتجويعهما‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬مقتدر‭ ‬ماليا‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬المسكينة‭ ‬والتي‭ ‬أزعم‭ ‬أن‭ ‬مثيلاتها‭ ‬كثيرات‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬حين‭ ‬تعرفت‭ ‬عليه‭ ‬كان‭ ‬شخصا‭ ‬طيبا‭ ‬ومحترما‭ ‬وذا‭ ‬خلق‭ ‬ويملك‭ ‬إمكانات‭ ‬تضمن‭ ‬لها‭ ‬العيش‭ ‬الكريم،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬إنجاب‭ ‬طفلته‭ ‬قد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬تعرفه‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬معدوم‭ ‬الضمير‭ ‬والأخلاق،‭ ‬يفتقد‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬باختصار‭ ‬كائن‭ ‬لا‭ ‬يمت‭ ‬بصلة‭ ‬للمخلوق‭ ‬الذي‭ ‬ارتضت‭ ‬به‭ ‬زوجا‭ ‬وشريكا‭ ‬لحياتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬الطلاق‭.‬

البعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الرجولة‭ ‬لم‭ ‬تذهب‭ ‬بعيدا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حية‭ ‬وباقية‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين،‭ ‬ولكنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أشباه‭ ‬الرجال‭ ‬كالفيروس‭ ‬الكامن‭ ‬داخل‭ ‬الجسد،‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬ينشط‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إذا‭ ‬توفرت‭ ‬الأسباب‭ ‬والظروف،‭ ‬والبعض‭ ‬الآخر‭ ‬يؤكد‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬زمنا‭ ‬قل‭ ‬فيه‭ ‬الرجال‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الرجولة‭ ‬هي‭ ‬الموقف‭ ‬والشهامة‭ ‬والمروءة‭ ‬والعطاء‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬والصدق‭ ‬والأمانة‭ ‬والشجاعة‭ ‬والإيفاء‭ ‬بالعهد‭. ‬

فرسالة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬رجل‭ ‬تزوج‭ ‬بالفعل‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬مقدما‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬اعلم‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬استقرار‭ ‬واستمرار‭ ‬أي‭ ‬علاقة‭ ‬زوجية‭ ‬مرهون‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬رجولة‭ ‬حقيقية‭ ‬ليس‭ ‬قولا‭ ‬بل‭ ‬فعلا،‭ ‬فإذا‭ ‬سقطت‭ ‬رجولتك‭ ‬سقط‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بقدر‭ ‬هذه‭ ‬الأمانة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬فوحدتك‭ ‬هي‭ ‬ثمن‭ ‬عدم‭ ‬نخوتك‭.‬

إقرأ أيضا لـ"هالة كمال الدين"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا