العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٢ - الثلاثاء ٠٢ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

خبز بالبروتين

كان‭ ‬لأحد‭ ‬أقاربي‭ ‬مخبز‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري‭ (‬بالمناسبة‭ ‬بحري‭ ‬هنا‭ ‬تعني‭ ‬‮«‬شمال‮»‬،‭ ‬وتقابلها‭ ‬‮«‬قبلي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬‮«‬جنوب‮»‬‭ ‬في‭ ‬العاميتين‭ ‬السودانية‭ ‬والمصرية‭). ‬وسألته‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭: ‬لماذا‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القطط‭ ‬تجوس‭ ‬أرجاء‭ ‬المخبز؟‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬يستضيفها‭ ‬ويقدم‭ ‬لها‭ ‬الطعام‭ ‬كي‭ ‬تقضي‭ ‬على‭ ‬الفئران‭.‬

ثم‭ ‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬محكمة‭ ‬حلوان‭ ‬بمصر،‭ ‬بسجن‭ ‬صاحب‭ ‬مخبز‭ ‬سنة‭ ‬واحدة‭ ‬وتغريمه‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭. ‬ليه‭ ‬يا‭ ‬بيه؟‭ ‬نعم،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬لأحد‭ ‬ان‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬أحكام‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد،‭ ‬ولكنني‭ ‬‮«‬حِشري‮»‬‭ ‬بطبعي،‭ ‬وأتدخل‭ ‬كثيرا‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬يعنيني،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أصرخ‭ ‬بأعلى‭ ‬صوتي‭ ‬بأنني‭ ‬اعتبر‭ ‬العقوبة‭ ‬قاسية‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬المحكوم‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬انه‭ ‬باع‭ ‬خبزا‭ ‬غير‭ ‬نظيف‭. ‬طيب،‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬تبيع‭ ‬لنا‭ ‬ماء‭ ‬غير‭ ‬نظيف‭! ‬شوفوا‭ ‬طريقة‭ ‬اسجنوها‭ ‬وأريحونا‭ ‬منها‭. ‬تخيل‭ ‬الحكومة‭ ‬غائبة‭ ‬لأنها‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬ونكون‭ ‬أحرارا‭ ‬نسوي‭ ‬اللي‭ ‬بدنا‭ ‬إياه‭. ‬نعيش‭ ‬بكيفنا‭ ‬وعلى‭ ‬كيفنا‭. ‬نستولي‭ ‬على‭ ‬أراضٍ‭ ‬في‭ ‬أحياء‭ ‬راقية‭. ‬نتوقف‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬عند‭ ‬الإشارات‭ ‬الخضراء‭ ‬ونعبرها‭ ‬عند‭ ‬الإشارات‭ ‬الحمراء‭. ‬تهجم‭ ‬على‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬وتسحب‭ ‬منه‭ ‬بضع‭ ‬سبائك‭ ‬ذهب،‭ ‬فطالما‭ ‬هو‭ ‬مركزي‭ ‬مملوك‭ ‬للبلد‭ ‬كلها،‭ ‬فلك‭ ‬فيه‭ ‬حق،‭ ‬المهم‭: ‬اشتكى‭ ‬مواطن‭ ‬مصري‭ ‬للشرطة‭ ‬لأنه‭ ‬اشترى‭ ‬رغيف‭ ‬خبز‭ ‬من‭ ‬‮«‬الفرن‮»‬‭ ‬ووجده‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الآدمي‭!! ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬مفتري‭. ‬عادي‭ ‬جدا‭ ‬ان‭ ‬تجد‭ ‬خيطا‭ ‬أو‭ ‬مسمارا‭ ‬أو‭ ‬شعرا‭ ‬مستعارا‭ ‬في‭ ‬الخبز،‭ ‬فعلام‭ ‬الضجة‭ ‬والمحاكم‭ ‬و«آخرتها‮»‬‭ ‬يدخل‭ ‬صاحب‭ ‬الفرن‭ ‬السجن؟‭ ‬قال‭ ‬الشاكي‭ ‬إنه‭ ‬وجد‭ ‬فأرا‭ ‬في‭ ‬الرغيف‭!! ‬وفيها‭ ‬إيه؟‭ ‬أنا‭ ‬شخصيا‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬ان‭ ‬وجدت‭ ‬رباط‭ ‬حذاء‭ ‬في‭ ‬الخبز،‭ ‬والمعروف‭ ‬ان‭ ‬الفئران‭ ‬كائنات‭ ‬طفيلية‭ ‬وتسكن‭ ‬حيث‭ ‬يتوافر‭ ‬الطعام‭ ‬بلا‭ ‬استئذان،‭ ‬والمخابز‭ ‬مكان‭ ‬مفضل‭ ‬للفئران‭ ‬بسبب‭ ‬توافر‭ ‬أكياس‭ ‬وجوالات‭ ‬الدقيق،‭ ‬والفأر‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬يا‭ ‬صاحبي‭ ‬راح‭ ‬فيها،‭ ‬لأنه‭ ‬دخل‭ ‬العجانة‭ ‬ثم‭ ‬الفرن‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إليك‭!‬

يقول‭ ‬الشاكي‭: ‬الوضع‭ ‬ما‭ ‬كانش‭ ‬كده‭. ‬فاكر‭ ‬يا‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬النكتة‭ ‬البايخة‭ ‬اللي‭ ‬كتبتها‭ ‬كام‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬مقالاتك‭ ‬عن‭ ‬الراجل‭ ‬اللي‭ ‬كان‭ ‬قاعد‭ ‬جنب‭ ‬واحدة‭ ‬ست‭ ‬في‭ ‬الباص‭ ‬وسألها‭: ‬إيه‭ ‬البتاعة‭ ‬السودا‭ ‬اللي‭ ‬على‭ ‬خدك‭ ‬يا‭ ‬هانم؟‭ ‬فقالت‭: ‬دي‭ ‬شامة‭ (‬خال‭)!! ‬فرد‭ ‬عليها‭: ‬لا‭. ‬دي‭ ‬بتمشي‭!!! ‬أهه‭ ‬الفار‭ ‬اللي‭ ‬لقيتو‭ ‬في‭ ‬الرغيف‭ ‬ما‭ ‬كانش‭ ‬ميت‭. ‬كان‭ ‬بيمشي‭. ‬قطعت‭ ‬الرغيفة‭ ‬جاني‭ ‬مادد‭ ‬راسو‭ ‬وحاول‭ ‬يهرب‭ ‬بس‭ ‬ما‭ ‬قدرش‭!! ‬بصراحة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬عندي‭ ‬حجة‭ ‬لإقناع‭ ‬الشاكي‭ ‬بأن‭ ‬المسألة‭ ‬عادية‭ ‬وأنه‭ ‬قام‭ ‬بتهويلها‭. ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭: ‬كانت‭ ‬فارة‭ ‬مش‭ ‬فار؟‭ ‬إزاي‭ ‬يا‭ ‬بيه؟‭ ‬كيف‭ ‬يعرف‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬الفأر‭ ‬مذكر‭ ‬أو‭ ‬مؤنث؟‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬الفأر‭ ‬كان‭ ‬حاملا‭ ‬ووضع‭ ‬ثلاثة‭ ‬توائم‭ ‬أمام‭ ‬الشرطة‭ ‬وأنا‭ ‬أقوم‭ ‬بفتح‭ ‬البلاغ‭. ‬يا‭ ‬ألف‭ ‬نهار‭ ‬أبيض‭. ‬مبروك‭ ‬ويتربوا‭ ‬في‭ ‬عزك‭ ‬ولا‭ ‬أراك‭ ‬الله‭ ‬فأرا‭ ‬في‭ ‬رغيف‭ ‬لديك‭.‬

تخيل‭: ‬فأر‭ ‬حامل‭ ‬‮«‬في‭ ‬شهره‭ ‬التاسع‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬رغيف‭. ‬وذنبك‭ ‬على‭ ‬جنبك‭ ‬إذا‭ ‬قرأت‭ ‬الجملة‭ ‬التالية‭: ‬تكون‭ ‬عندك‭ ‬رغيفة‭ ‬كهذه‭ ‬وتجيب‭ ‬شوية‭ ‬خس‭ ‬وتأكلها‭ ‬وتضمن‭ ‬لنفسك‭ ‬نشويات‭ ‬وبروتينا‭ ‬حيوانيا‭ ‬وفيتامينات‭ ‬وأليافا‭. ‬وجبة‭ ‬كاملة‭.. ‬بس‭ ‬أكل‭ ‬فأر‭ ‬وهو‭ ‬حي‭ ‬أمر‭ ‬صعب‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬خصوصا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بجوفه‭ ‬ثلاثة‭ ‬بيبيات‭ (‬جمع‭ ‬بيبي‭). ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬المصري‭ ‬محظوظ‭ ‬لأن‭ ‬الفأر‭ ‬كان‭ ‬حيا‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬ضبطه‭. ‬يا‭ ‬ما‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تأكل‭ ‬فئران‭ ‬وصراصير‭ ‬مشوية‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تدري‭! ‬هل‭ ‬سمعتم‭ ‬بمدير‭ ‬المدرسة‭ ‬الذي‭ ‬مات‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬عربية‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬شرب‭ ‬وبعض‭ ‬المعلمين‭ ‬شايا‭ ‬في‭ ‬مقهى‭. ‬تسمم‭ ‬بالشاي‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬زملاؤه‭ ‬يصارعون‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭.. ‬شاي‭ ‬مسموم؟‭ ‬هذا‭ ‬إبداع‭ ‬عربي‭. ‬تاجر‭ ‬دقيق‭ ‬سيئ‭ ‬الحظ‭ ‬دخل‭ ‬السجن‭ ‬مؤخرا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وجدوه‭ ‬يخلط‭ ‬الدقيق‭ ‬بالجير‭ ‬الأبيض‭ (‬مع‭ ‬أن‭ ‬الجير‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الكالسيوم‭). ‬المخيف‭ ‬عندنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬من‭ ‬باعة‭ ‬الطعام‭ ‬الفاسد‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬العدالة‭ ‬وهذا‭ ‬الواحد‭ ‬يكون‭ ‬فأرا‭. ‬لأن‭ ‬القطط‭ ‬السمان‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬المصيدة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا