زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
خبز بالبروتين
كان لأحد أقاربي مخبز في سوق الخرطوم بحري (بالمناسبة بحري هنا تعني «شمال»، وتقابلها «قبلي» التي تعني «جنوب» في العاميتين السودانية والمصرية). وسألته ذات مرة: لماذا هناك عدد من القطط تجوس أرجاء المخبز؟ فقال لي إنه يستضيفها ويقدم لها الطعام كي تقضي على الفئران.
ثم اطلعت على ما صدر عن محكمة حلوان بمصر، بسجن صاحب مخبز سنة واحدة وتغريمه 100 ألف جنيه. ليه يا بيه؟ نعم، لا يجوز لأحد ان يتدخل في أحكام القضاء في أي بلد، ولكنني «حِشري» بطبعي، وأتدخل كثيرا فيما لا يعنيني، ومن ثم أصرخ بأعلى صوتي بأنني اعتبر العقوبة قاسية لأن كل ما فعله المحكوم عليه هو انه باع خبزا غير نظيف. طيب، بعض الحكومات تبيع لنا ماء غير نظيف! شوفوا طريقة اسجنوها وأريحونا منها. تخيل الحكومة غائبة لأنها في السجن ونكون أحرارا نسوي اللي بدنا إياه. نعيش بكيفنا وعلى كيفنا. نستولي على أراضٍ في أحياء راقية. نتوقف في الشوارع عند الإشارات الخضراء ونعبرها عند الإشارات الحمراء. تهجم على البنك المركزي وتسحب منه بضع سبائك ذهب، فطالما هو مركزي مملوك للبلد كلها، فلك فيه حق، المهم: اشتكى مواطن مصري للشرطة لأنه اشترى رغيف خبز من «الفرن» ووجده غير صالح للاستهلاك الآدمي!! هذا المواطن مفتري. عادي جدا ان تجد خيطا أو مسمارا أو شعرا مستعارا في الخبز، فعلام الضجة والمحاكم و«آخرتها» يدخل صاحب الفرن السجن؟ قال الشاكي إنه وجد فأرا في الرغيف!! وفيها إيه؟ أنا شخصيا سبق لي ان وجدت رباط حذاء في الخبز، والمعروف ان الفئران كائنات طفيلية وتسكن حيث يتوافر الطعام بلا استئذان، والمخابز مكان مفضل للفئران بسبب توافر أكياس وجوالات الدقيق، والفأر الذي وجدته يا صاحبي راح فيها، لأنه دخل العجانة ثم الفرن حتى وصل إليك!
يقول الشاكي: الوضع ما كانش كده. فاكر يا أبو الجعافر النكتة البايخة اللي كتبتها كام مرة في مقالاتك عن الراجل اللي كان قاعد جنب واحدة ست في الباص وسألها: إيه البتاعة السودا اللي على خدك يا هانم؟ فقالت: دي شامة (خال)!! فرد عليها: لا. دي بتمشي!!! أهه الفار اللي لقيتو في الرغيف ما كانش ميت. كان بيمشي. قطعت الرغيفة جاني مادد راسو وحاول يهرب بس ما قدرش!! بصراحة لم تكن عندي حجة لإقناع الشاكي بأن المسألة عادية وأنه قام بتهويلها. ثم كانت المفاجأة: كانت فارة مش فار؟ إزاي يا بيه؟ كيف يعرف الإنسان أن الفأر مذكر أو مؤنث؟ قال إن الفأر كان حاملا ووضع ثلاثة توائم أمام الشرطة وأنا أقوم بفتح البلاغ. يا ألف نهار أبيض. مبروك ويتربوا في عزك ولا أراك الله فأرا في رغيف لديك.
تخيل: فأر حامل «في شهره التاسع» داخل رغيف. وذنبك على جنبك إذا قرأت الجملة التالية: تكون عندك رغيفة كهذه وتجيب شوية خس وتأكلها وتضمن لنفسك نشويات وبروتينا حيوانيا وفيتامينات وأليافا. وجبة كاملة.. بس أكل فأر وهو حي أمر صعب بعض الشيء خصوصا إذا كان بجوفه ثلاثة بيبيات (جمع بيبي). هذا المواطن المصري محظوظ لأن الفأر كان حيا وتمكن من ضبطه. يا ما الناس في العالم العربي تأكل فئران وصراصير مشوية وهي لا تدري! هل سمعتم بمدير المدرسة الذي مات قبل أيام في عاصمة عربية بعد ان شرب وبعض المعلمين شايا في مقهى. تسمم بالشاي وما زال زملاؤه يصارعون الموت في المستشفيات.. شاي مسموم؟ هذا إبداع عربي. تاجر دقيق سيئ الحظ دخل السجن مؤخرا بعد أن وجدوه يخلط الدقيق بالجير الأبيض (مع أن الجير يحتوي على نسبة عالية من الكالسيوم). المخيف عندنا هو أن واحدا من كل 100 ألف من باعة الطعام الفاسد يقع في قبضة العدالة وهذا الواحد يكون فأرا. لأن القطط السمان لا تقع في المصيدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك