بعد انقضاء أيام العيد، وحين تهدأ المجالس شيئاً فشيئاً ويعود الناس إلى تفاصيل حياتهم المعتادة، يطل سؤال بسيط في ظاهره عميق في دلالته: ما الذي يمنح العيد معناه الحقيقي؟ ليست الإجازة، ولا الموائد، ولا الثياب الجديدة، ولا كثرة الزيارات. ما يبقى حقاً هو ذلك الدفء الذي يصنعه اجتماع الأهل، وتلك الوجوه التي تظل في الذاكرة أطول من كل مظاهر الاحتفال.
ومع مرور السنوات، نكتشف أن أجمل ما نحمله من الأعياد ليس ما اشتريناه أو أعددناه، وإنما اللحظات التي تقاسمناها مع من نحب. فالبيت، حين يجمع الأسرة، يتحول إلى مساحة للأمان والسكينة، وإلى مكان يشعر فيه الإنسان بأنه مفهوم ومقبول ومحاط بالمحبة.
وربما لهذا السبب بقيت في نفسي، بعد مشاركتي قبل أيام في الجلسة الحوارية التي نظمتها سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة بمناسبة «عام الأسرة»، أفكار كثيرة لم يسعف الوقت لطرحها. فجاء هذا المقال امتداداً لذلك اللقاء ومحاولة لمواصلة الحديث من حيث توقف. وأثناء تأملي فيما دار خلال الجلسة، وجدت نفسي أفكر في سؤال آخر: متى تبدأ علاقة الإنسان بوطنه؟ لا تبدأ في المدرسة، ولا في الكتب، ولا في الشعارات. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير؛ في البيت. تبدأ من لهجة الأم، ومن قصص الآباء والأجداد، ومن المجالس العائلية، ومن المناسبات التي تجمع الجميع حول مائدة واحدة. هناك تتكون أولى الروابط التي ترافق الإنسان طوال حياته. ولهذا يصعب الفصل بين الأسرة والهوية. فكثير مما نحمله من قيم وقناعات ومشاعر تشكل في البيت قبل أن نعرف العالم من حولنا.
ومن هنا بدت لي دلالة اختيار دولة الإمارات العربية المتحدة لعام 2026 ليكون «عام الأسرة» أعمق من مجرد عنوان لعام كامل. فهي رسالة تؤكد أن بناء المجتمعات يبدأ من الإنسان، وأن الإنسان يبدأ من أسرته.
كما تمنيت لو امتد الوقت في الجلسة للحديث أكثر عن أوجه الالتقاء بين «عام الأسرة» في دولة الإمارات و«عام عيسى الكبير» في مملكة البحرين. فعلى اختلاف المناسبة، يلتقي المعنيان عند فكرة واحدة: أن المجتمعات القوية تحفظ ذاكرتها، وتعتز بجذورها، وتدرك أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من الإنسان. والحمد لله على نعمة الإنسانية التي نراها في قادتنا وتوجهاتهم، حين يكون الإنسان والأسرة في صميم الاهتمام، وحين يشعر المواطن أن استقراره ومستقبل أبنائه وجودة حياته تحظى بالعناية والرعاية. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما يوليه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، من اهتمام متواصل بالأسرة البحرينية باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، وما تؤكده رؤى جلالته دائماً من أهمية التماسك الأسري وترسيخ القيم التي تحفظ الهوية الوطنية وتعزز الاستقرار والتكافل بين أفراد المجتمع. ومن أجمل ما حمله اللقاء حديث سعادة السفير فهد محمد سالم بن كردوس العامري عن الهوية والأصالة. لم يكن حديثاً عن مفاهيم مجردة، وإنما عن تفاصيل يعرفها الناس ويعيشونها؛ الكندورة، وبيت الشعر، والميزع، وغيرها من الرموز التي تختزن تاريخاً طويلاً وتجربة مجتمع كامل.
وأعجبني في هذا الطرح أنه أعاد التذكير بأن الأصالة ليست التمسك بالماضي لذاته، وإنما القدرة على حمل أجمل ما فيه معنا ونحن نتجه إلى المستقبل. وقد أعاد ذلك إلى ذاكرتي صوراً بحرينية نعرفها جميعاً؛ المجالس العائلية، والأحياء القديمة، والأهازيج الشعبية، والمهن التي ارتبطت بتاريخ البحرين. فهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحفظ ذاكرة الشعوب وتجعلها حاضرة في نفوس أبنائها مهما تغير الزمن.
وعندما نفكر في هذه المعاني، نكتشف أن الحديث عن الأصالة يقودنا دائماً إلى الحديث عن الأسرة، لأنها المكان الأول الذي تنتقل فيه الحكايات والعادات والقيم من جيل إلى آخر. ومن هنا يمكن فهم سبب بقاء بعض المبادرات في الذاكرة سنوات طويلة بعد إطلاقها. فهي لا تستمر بسبب اسمها أو توقيتها، وإنما لأنها تلامس الناس وتصبح جزءاً من حياتهم اليومية. ومن أكثر الأمثلة حضوراً في هذا السياق مبادرة «البيت متوحد» المرتبطة بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله ورعاه. فقد لخصت بكلمات قليلة معنى يدركه الجميع: أن قوة المجتمع تبدأ من البيت، وأن أثمن ما يمكن أن تورثه الأسرة لأبنائها ليس المال ولا المناصب، وإنما الجذور الراسخة والشعور بأن لهم مكاناً ينتمون إليه.
ولهذا وجدت هذه الفكرة صداها في البحرين كما وجدته في الإمارات، لأنها تعبر عن قيمة خليجية أصيلة مازالت حاضرة في بيوتنا وعلاقاتنا ومجالسنا.
وحين نتأمل العلاقات البحرينية الإماراتية نجد أن هذه المعاني لم تبق كلمات جميلة، وإنما تحولت إلى واقع نراه في الروابط المتينة التي جمعت البلدين عبر عقود طويلة. ومن أجمل صور ذلك ما جمع حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة وأخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظهما الله ورعاهما في مختلف المناسبات واللقاءات. كما يبقى إرث المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاضراً في الوجدان الخليجي بما حمله من قيم إنسانية ومبادئ مازالت تلهم الأجيال حتى اليوم. ومن هذا المنطلق، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى سعادة السفير على الدعوة الكريمة وعلى حضوره القريب والفاعل، كما أهنئ دولة الإمارات العربية المتحدة على دبلوماسيتها الرفيعة وحسن اختيار ممثليها القادرين على تحويل العلاقات الرسمية إلى جسور من القرب والتواصل الإنساني.
وفي الختام، أعود إلى السؤال الأول: ما الذي يمنح العيد معناه؟
بعد كل هذا التأمل، بدا الجواب أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالعيد ليس زينة مؤقتة، ولا موائد تطوى، ولا ثياباً تعود إلى الخزائن.
العيد هو بيت يفتح بابه، وقلوب تنتظر، ووجوه تضيء بحضور من تحب.
ولهذا تبقى الأسرة من أجمل نعم الله على الإنسان.
فالأيام تمضي، أما العائلة فتبقى المعنى الذي يمنح الحياة دفئها، والذكرى التي لا تغيب، والعيد الذي لا ينتهي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك