قراءة لأخطر تقرير عن حال العالم اليوم
«رجال الهدم» يدمرون النظام العالمي بمؤسساته وقيمه ومبادئه
هل يقود ترامب أمريكا إلـى الانتحار كقوة عظمى؟
هذه هي الوصايا الخمس لإنقاذ العالم من الضياع

كتبت هذا المقال قبل أن تندلع الحرب على إيران والعدوان الإرهابي الإيراني على دول مجلس التعاون. لم أنشر المقال في ذلك الوقت نظرا إلى الأوضاع التي فرضها العدوان الإيراني على المنطقة.
المقال يناقش أخطر تقرير عن وضع العالم هو تقرير ميونيخ للأمن. حين نقرأه سنكتشف أن ما يجري في منطقتنا العربية ليس بعيدا أبدا عن الصورة التي يرسمها التقرير. ما يجري في منطقتنا ليس بعيدا عما يرصده التقرير من عملية هدم وتدمير للنظام العالمي بمؤسساته وقيمه ومبادئه، ومما يحذر منه من فوضى يراد لها أن تحكم العالم.
◾ ◾ ◾
من الغريب أن هذا التقرير لم يحظ بالاهتمام في العالم العربي على الرغم من أنه أهم وأخطر تقرير عن حال العالم اليوم، ومن المفروض أن تتوقف عنده مليا كل دول العالم.
التقرير هو «تقرير ميونيخ للأمن» 2026 الذي صدر مؤخرا وتم تقديمه إلى مؤتمر ميونيخ للأمن.
التقرير أعده عدد كبير من الخبراء والباحثين ويحمل عنوانا صادما هو: «تحت التدمير» ويقدم صورة قاتمة عن عالم اليوم الذي يجري تدميره بمؤسساته وقواعده ومبادئه وقيمه الحاكمة.
التقرير يقدم قراءة موضوعية صريحة لحال العالم وما يجري، ويشرح، من هم الذين يقودون عملية هدم وتدمير العالم، والثمن الفادح الذي تدفعه وسيدفعه العالم كله من جراء هذا التدمير، ويقدم توصيات محددة لما يجب أن تفعله مختلف دول لعالم التي تريد مواجهة هذا التدمير.
بداهة يهمنا نحن في الوطن العربي، كما يهم كل دول العالم، أن نكون على علم بما يطرحه التقرير. وسأقدم ملخصا وافيا لما جاء به.
◾ ◾ ◾
رجال الهدم
النتيجة الرئيسية التي يطرحها تقرير ميونيخ للأمن هي أن «العالم دخل مرحلة سياسية جديدة لم يعد فيها إصلاح النظام القائم هدفا أساسيا، بل أصبح الهدم والتدمير خيارا سياسيا مقبولا، بل ومفضلا لدى بعض القوى. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن القواعد والمؤسسات التي حكمت النظام الدولي عقودا لم تعد قادرة على الاستجابة للتحديات، وأن كسرها بات الطريق الأسرع لتحقيق نتائج، حتى لو كان الثمن هو فقدان الاستقرار على المدى الطويل».
يقول التقرير: «العالم دخل مرحلة خطرة، وما كان ينبغي أن يكون جزءاً من نظام دولي مستقر يتم هدمه وتدميره اليوم، وهناك قوى سياسية اكتسبت نفوذاً في عديد من المجتمعات الغربية أصبحت تفضل سياسة التدمير على الإصلاح».
ويعتبر التقرير أن الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب هي التي تقود هذا النهج الجديد من الهدم والتدمير.
يقول التقرير إن الولايات المتحدة تقود عملية تفكيك النظام العالمي، ويقف ترامب في طليعة الجهات الفاعلة التي تستهدف النظام العالمي والمؤسسات القائمة بسياساته الهدَّامة.
يعتبر التقرير أن الولايات المتحدة الدولة التي قادت بناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية باتت اليوم العامل الأكثر تأثيرا في هدمه وتدميره. هذا التحول في منتهى الخطورة من حيث تأثيراته وتبعاته بالنظر إلى حجم القوة الأمريكية الأكبر في العالم، والدور المركزي الذي لعبته واشنطن تاريخيا في ترسيخ القواعد والمؤسسات الدولية.
للتوضيح أكثر يقول التقرير إن السياسة الأمريكية لم تعد ترى في التعددية والمؤسسات الدولية أدوات لتعزيز النفوذ، بل قيودا تحد من حرية الحركة. وهذا التغير في النظرة يمثل تحولا فكريا عميقا، لأنه يعيد تعريف معنى القوة من القدرة على التنظيم إلى القدرة على الفرض.
وفي إطار استعراض بعض مظاهر الهدم والتدمير التي تقودها أمريكا يشير التقرير مثلا إلى أن الانسحاب من منظمات دولية وتقليص التمويل لم يكن مجرد قرار إداري، بل رسالة سياسية تعكس رفضا لفكرة العمل الجماعي نفسها. وهذا السلوك ترك فراغات مؤسسية في مجالات حيوية مثل الصحة والمناخ والتنمية، دون وجود بدائل قادرة على تعويض هذا الانسحاب. كما يلاحظ التقرير أن السياسة الخارجية الأمريكية باتت أكثر شخصية، حيث تحل الصفقات المؤقتة محل الالتزامات طويلة الأمد. هذا النمط يقلل من القدرة على التنبؤ، ويضع الحلفاء في حالة قلق دائم بشأن استمرارية الدعم أو تغير المواقف.
ويتوقف التقرير خصوصا عند الدور المحوري الذي يلعبه الرئيس دونالد ترامب الذي يقف على رأس من يسميهم التقرير «رجال الهدم» الذي يقودون عملية التدمير الحالية.
يقول التقرير إن مواقف وسياسات ترامب التدميرية المتطرفة ليست طارئة أو مصلحية وقتية بل هي نهج راسخ دائم.
ويذكر التقرير أن الباحثين والخبراء يجمعون على أن إدارة ترامب تحطم ما يعرف بـ«مثلث كانط» بأركانه الثلاثة، في إشارة إلى نظرية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والتي مثلت جوهر الاستراتيجية الأمريكية منذ عام 1945.
الأركان الثلاثة التي يحطمها ترامب هي:
الركن الأول، الإيمان بأن المؤسسات الدولية والقواعد والقوانين والمواثيق الدولية تعزز القوة الأمريكية ولا تضعفها.
الركن الثاني: الإيمان بأن النظام العالمي المفتوح والاندماج الاقتصادي يعزز الازدهار والأمن في أمريكا.
الركن الثالث: افتراض أن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون والتنسيق مع الدول الديمقراطية رصيد استراتيجي ويجب أن توجه سياسة أمريكا الخارجية.
يقول التقرير إن أمريكا مع ترامب أصبحت تعتبر أن التعاون الدولي، والمؤسسات الدولية، وحكم القانون الدولي، أصبحت عبئا على أمريكا لا رصيدا لها.
هذه هي الأركان الأساسية لعملية التدمير التي تقوم بها إدارة ترامب.
ومع ذلك يشير القرير إلى أن ترامب ليس وحده، فهو يمثل ظاهرة عامة في السياسة العالمية المعاصرة. في العالم هناك عدد متزايد من القادة أعربوا عن استعدادهم لتدمير المؤسسات القائمة بدلا من العمل على إصلاحها، وتمزيق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
◾ ◾ ◾
أسباب أعمق
من أهم ما يثيره تقرير ميونيخ للأمن تأكيده أن صعود رجال الهدم هؤلاء وما يجري من تدمير لمؤسسات وقيم ومبادئ وأسس النظام الدولي لم يأت من فراغ، ولم يكن مجرد توجه أو رغبة شخصية من ترامب ورجال الهدم الآخرين.
بعبار أخرى يؤكد التقرير إن هذا ما كان ليحدث لولا عجز النظام القائم وفشل الحكومات الغربية بالذات، وحالة الغضب والرفض لهذه الحكومات.
يقول التقرير إن «الاستياء العام من الوضع الاقتصادي والشعور بالعجز عن الإصلاح، يؤججان الشكوك حول المؤسسات الديمقراطية، ويجب على الحكومات الوفاء بوعودها». ويضيف أن رجال الهدم هؤلاء يستغلون حال الإحباط السائدة من الوضع الحالي سواء على المستوى المحلي أو الدولي العام، ويتحركون بسرعة لتحطيم كل شيء.
ويتحدث التقرير عن نتائج استطلاعات للرأي تؤكد أنه في عديد من المجتمعات في العالم بما فيها الغربية فشلت الحكومات في تحقيق العدل الاجتماعي والارتقاء بمستويات المعيشة ومعالجة الفوارق الطبقية وعدم المساواة.
ويربط التقرير بين صعود سياسات الهدم والتدمير وهذه الحالة من الإحباط الاجتماعي العميقة داخل المجتمعات الغربية، حيث يشعر عدد متزايد من المواطنين بأن النظام السياسي لم يعد يوفر لهم أمنا اقتصاديا أو أفقا اجتماعيا. وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل المستقر، واتساع الفجوة بين الطبقات، كلها عوامل غذت الاعتقاد بأن الإصلاح التدريجي لم يعد مجديا.
كما يذكر التقرير أن بيانات الرأي العام، التي يعرضها، تؤكد أن الثقة بالمستقبل باتت ضعيفة، وأن غالبية المواطنين في دول كبرى لا يعتقدون أن السياسات الحالية ستجعل حياة الأجيال القادمة أفضل. هذا الشعور لا يعبر عن تشاؤم عابر، بل عن قطيعة نفسية بين المجتمع والنظام السياسي، ما يفتح المجال لخطابات جذرية ترفض الواقع القائم بالكامل.
ويذكر التقرير أن فقدان الثقة لا يقتصر على الحكومات وحدها، بل يشمل عدم الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تضبط التوازن السياسي مثل البرلمانات والمحاكم. ويقول إن هذه المؤسسات باتت في نظر قطاعات واسعة رمزا للتعقيد والبطء، لا أداة للحماية، ما جعل تجاوزها أو إضعافها يبدو للبعض خطوة ضرورية لا خطرا ديمقراطيا.
على خلفية من هذا كله من الفشل والعجز وفقدان الثقة برز هذا النمط الجديد من القيادات السياسية التي تعتمد على الصدمة والمواجهة، وتقدم نفسها بوصفها بديلا للنخب التقليدية. هؤلاء القادة لا يعدون بتحسين النظام، بل بتفكيكه وإعادة بنائه، مستخدمين لغة حادة وأساليب مباشرة تجد صدى لدى جمهور غاضب من الوضع القائم. وهذا ما يجري اليوم بالفعل.
◾ ◾ ◾
عالم الفوضى
كما هو متوقع يحذر تقرير ميونيخ للأمن من النتائج الخطيرة لما يشهده العالم من هدم وتدمير. ينتقد التقرير ما يسميه البعض «الهدم الخلاق»، ويقول إن الصدمة قد تحرك أنظمة جامدة، لكن الصدمة وحدها لا تبني نظاما بديلا.
ويحذر التقرير من أن الوضع الحالي وما يسميه «الغموض الاستراتيجي» قد يشجع كثيرين على المغامرة، لأن غياب خطوط واضحة قد يدفع بعض الأطراف لاختبار حدود القوة. وفي مثل هذه البيئات، تزداد احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
وفي المجال الاقتصادي، يوضح التقرير أن النظام التجاري العالمي يشهد تفككا متسارعا، مع تزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي. الرسوم والعقوبات باتت وسيلة ضغط مباشرة، لا أدوات تنظيمية محكومة بقواعد مشتركة.
وفي الخلاصة حذر التقرير من أن «العالم اليوم تحول إلى ساحة حيث الأقوياء والأغنياء هم أصحاب» الكلمة الفصل ويشير إلى أن عالم القواعد الضعيفة يخدم الأقوياء أولا، لأنهم الأقدر على التكيف، بينما تتحمل الدول والفئات الأضعف كلفة الفوضى. ما يتشكل ليس نظاما أكثر عدلا، بل توازنات أكثر قسوة.
على هذا النحو يرسم التقرير صورة كئيبة لمستقبل العالم إذا استمر هذا الهدم والتدمير.
◾ ◾ ◾
ما العمل؟
من الطبيعي أن يتطرق التقرير بعد هذا التوصيف لحال العالم اليوم وما يشهده من هدم وتدمير إلى السؤال: ما العمل؟ ماذا على العالم أن يفعل إذا أراد وقف هذه الهجمة ومواجهتها؟.
يقول التقرير إن ما يريده رجال الهدم من تدمير للعالم ليس بالضرورة قدرا حتميا. الأمر يتوقف على ما يفعله الآخرون في العالم.
ويطرح التقرير هنا توصيات محددة تتلخص فيما يلي:
1 – إدراك حجم الخطر
يقول التقرير إنه يجب إدراك حقيقة ما يفعله ترامب ورجال الهدم من تدمير.
يشير التقرير هنا إلى أن بعض المنتقدين لترامب وما يفعله أعربوا عن اعتقادهم بأن سياساته ومواقفه ليست دائمة وأصيلة، وإنه من الممكن التعامل معها عن طريق احتواء ترامب واسترضائه فقد يغير هذا من الوضع وما يمارسه من تدمير.
لكن بعد مضي ترامب قدما في سياساته وما فعله حتى الآن، أدرك كثيرون من حلفاء أمريكا أن سياسة الاحتواء بلغت حدودها القصوى ولم تعد مجدية.
2 – المقاومة
يذكر التقرير أن الحكومات في أوروبا ومختلف أنحاء العالم أصبحت تدرك بالتدريج أن الصمت عن سياسات ترامب وهدم العالم على أمل أن تتغير ليست استراتيجية سليمة أو مجدية.
حكومات العالم أصبحت تدرك إن استمر هذا الوضع دون تحرك يعني أن تجد نفسها تحت رحمة قوة عظمى وتجد النظام العالمي يتحول إلى أنقاض. بعبارة أخرى تدرك مختلف الحكومات أنه ليس هناك من بديل سوى المقاومة .. مقاومة سياسات الهدم والتدمير على كل المستويات.
3 – الشراكات الجماعية
أصبح من الواضح في رأي التقرير أنه من الأهمية بمكان في مواجهة سياسات أمريكا تشكيل شراكات جديدة في مجالات التجارة والاقتصاد والسياسة. تشكيل هذه الشراكات يمكن أن يسد بعض الفجوات الناجمة عما تفعله أمريكا وهدمها للنظام العالمي. ويعتبر أن العالم يجب أن يتحمل مسئولية أساسية أكبر لتعويض انسحاب الولايات المتحدة.
4 - القوة الذاتية
الذين يريدون الدفاع عن النظام القائم ومواجهة سياسات التدمير والهدم لا يكفي أن يتحركوا فرديا وجماعيا فقط. يرى التقرير أنه إذا كان لجهودهم أن تصنع الفارق فيجب أن يعززوا قدراتهم الذاتية. أحد أكبر الدروس من التطورات الحالية أن الدفاع عن المؤسسات الدولية والقواعد والقوانين يتطلب قدرات فعلية. وتتطلب في المقام الأول القدرات العسكرية الضرورية للدفاع عن النفس، وتعزيز القدرة الاستراتيجية على المنافسة.
5 – الشجاعة والإقدام
مواجهة رجال الهدم وتدميرهم للعالم يتطلب شجاعة سياسية أكبر وفكرا مبتكرا. يقول التقرير إن الذين يدافعون عن القواعد والمبادئ والمؤسسات الدولية يجب أن يكونوا على نفس القدر من الجرأة والشجاعة والإقدام مثل الذين يريدون تدميره. وكما قال أحد المراقبين: إن الاعتماد على التصريحات الصحفية المعلبة، والمؤتمرات العامة، والدبلوماسية الحذرة في مواجهة ما يفعله رجال الهدم والتدمير هي وصفة أكيدة للفشل.
يعتبر التقرير أنه على المدى الطويل قد تكتشف أمريكا أنها تدفع ثمنا باهظا لسياسات ترامب ولهدم النظام العالمي. حلفاء أمريكا في كل مكان فقدوا الثقة فيها بالفعل وبدأوا يتبنون سياسات مستقلة لحماية أنفسهم ومصالحهم في مواجهة أمريكا وسياساتها الأمر الذي سيكلف أمريكا كثيرا.
ويقول التقرير: قد تكتشف أمريكا لاحقا أنها بتدميرها للنظام الدولي فإنها في نفس الوقت تنهي هيمنتها وتمهد لعالم ما بعد أمريكا. بعبارة أخرى البعض يعتبر أن ما يفعله ترامب يقود إلى «انتحار قوة عظمى» وستكتشف أمريكا ذلك لاحقا.
◾ ◾ ◾
بالنسبة إلينا في الدول العربية، من المفروض بداية أن تتأمل الحكومات العربية مليا ما جاء في هذا التقرير وما يطرحه عن حال العالم اليوم ومستقبلا وأن تستخلص منه الدروس.
أما ماذا يجب أن تفعل الدول العربية في ظل هذا العالم، فالتوصيات التي يقدمها التقرير تمثل إطارا مناسبا للعمل العربي في الفترة القادمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك