زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
ممتحنون من الباطن
ممارسة الغش في الامتحانات المدرسية تنتشر وبائيا في جميع دول العالم وقبل نحو عشر سنوات أو أكثر كشفت وسائل الإعلام الأمريكية ان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، كلف طالبا مجتهدا بالجلوس بدلا عنه لاختبار تقصي القدرات الأكاديمية (إس إيه تي)، التي تحدد الجامعات بموجب النتائج التي يحرزها الطالب قبوله او رفض قبوله.
ومن ثم، لم أصب بالدهشة عندما سمعت خبر اعتقال الأمريكي إيمون دانييل هينغنز، بعد اكتشاف أنه كان يمارس الدراسة والجلوس للامتحانات نيابة عن طلاب من الشرق الأوسط، وبحسب ما جاء في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فقد كان إيمون يغشى عشر جامعات، لحضور محاضرات بدلا من عدد من الطلاب: يداوم في جامعة ما ليومين ثم ينتقل الى أخرى، مرة اسمه زهير وأخرى يوسف وثالثة مصطفى ورابعة مازن وهكذا، وهكذا، والغرض من حضور المحاضرات نيابة عن الزبائن هو ألا تكتشف الجامعة غياب الطالب (الأصلي)، وتشطب اسمه من قوائهما فيفقد حق الإقامة في الولايات المتحدة. وإيمون هذا «عبقري» جدير بالإعجاب، فقد جلس لامتحانات في علم الاجتماع والجغرافيا والرياضيات والتسويق والأدب الإنجليزي، ولأنه «مجتهد» وزبائنه الشرق أوسطيون «مُجْهدون» بسبب السهر والهلس، فقد كسب مئات الآلاف من الدولارات، ولما كثر زبائنه من عيالنا الذين يكلفون أهلهم وحكوماتهم الملايين، قام بتوظيف معاونين، إحداهن سيدة كانت تضطر أحيانا الى التنكر كرجل لحضور المحاضرات وخوض الامتحانات نيابة عن الطلاب.
لم أتعجب لحكاية إيمون وزبائنه، لأنني خالطت جميع شعوب الشرق الأوسط، وأعرف ان أنظمتهم التعليمية لا تهتم إلا بالكم: 60% من الطلاب حققوا نتيجة 95% فما فوق ذلك، بل تزور الأمهات والآباء المدارس لاستجداء المعلمين لمنح الولد/ البنت بضع درجات إضافية كي لا يرسب/ ترسب، أو كي يتبدل الترتيب من الثاني عشر الى السابع، وفي الكثير من العواصم العربية توجد مكاتب تجارية تقول لافتاتها إنها تقوم بالبحوث الجامعية، فيأتي زبون ويقول: إن لديه بحثا عن «التغيرات المناخية»، ويطلبون منه العودة بعد يومين و«نعطيك بحثا تأكل صوابعك وراه»، ويأتي الى نفس المكتب آخر طالبا بحثا عن نظرية نيوتن فيقولون له: والله انت ابن حلال. عندنا الحين بحث طالع من الفرن حول الموضوع بس أعطنا اسمك لنضعه في الترويسة!!
ولكن ان نبعث بعيالنا الى أمريكا وأوروبا ليختاروا الصرمحة والصياعة والسهر، ثم يعطون توكيلات لآخرين ليذهبوا الى الجامعات ويجلسوا للامتحانات نيابة عنهم فهذه كارثة. ليس بسبب هدر الأموال بل بسبب «هدر العمر». ومن يمضي في امريكا أربع او خمس سنوات بحجة الدراسة من دون ان يدرس أي شيء ولكنه يعود في خاتمة المطاف حاملا بكالوريوس او ماجستير او دكتوراه يعني ان عدد الثيران في مواقع العمل في بلداننا سيكون في ارتفاع طردي، وتحصد البلاد الهشيم.
عندما كنت مقيما في لندن عرفت أن هناك أشخاصا لا عمل لهم سوى إعداد البحوث الجامعية، وكنت رفقة أحدهم يتمتع بجماهيرية واسعة كـ«مترجم» وهو يحمل بكالوريوس جغرافيا، عندما طلب منه زبون إعداد بحث في الصيدلة، فقبل الطلب وحدد له موعدا لتسلم البحث، فسألته عن علاقته بالصيدلة، فقال لي إنه يقوم بتشغيل مختصين في مختلف فروع المعرفة من الباطن ويأخذ عمولة، وبما أنني خريج آداب وأحمل في نفس الوقت درجة الدكتوراه في المسالك البولية من جامعة هارفارد (اشتريتها فعلا من موقع للشهادات المزورة) فإنني أنصح طلابنا البلطجية في أمريكا بضغط المنصرفات: بحبحوا كذا سنة ثم قوموا بشراء شهادات عبر الانترنت! وسعر الدكتوراه التي اشتريتها 119 دولارا. يعني البكالوريوس في حدود 80 دولارا.. تقريبا ببلاش يا أوباش.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك