العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٨ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ممتحنون من الباطن

ممارسة‭ ‬الغش‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬المدرسية‭ ‬تنتشر‭ ‬وبائيا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وقبل‭ ‬نحو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬كشفت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬ان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬كلف‭ ‬طالبا‭ ‬مجتهدا‭ ‬بالجلوس‭ ‬بدلا‭ ‬عنه‭ ‬لاختبار‭ ‬تقصي‭ ‬القدرات‭ ‬الأكاديمية‭ (‬إس‭ ‬إيه‭ ‬تي‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬الجامعات‭ ‬بموجب‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬يحرزها‭ ‬الطالب‭ ‬قبوله‭ ‬او‭ ‬رفض‭ ‬قبوله‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬لم‭ ‬أصب‭ ‬بالدهشة‭ ‬عندما‭ ‬سمعت‭ ‬خبر‭ ‬اعتقال‭ ‬الأمريكي‭ ‬إيمون‭ ‬دانييل‭ ‬هينغنز،‭ ‬بعد‭ ‬اكتشاف‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يمارس‭ ‬الدراسة‭ ‬والجلوس‭ ‬للامتحانات‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬طلاب‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وبحسب‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬تايمز،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬إيمون‭ ‬يغشى‭ ‬عشر‭ ‬جامعات،‭ ‬لحضور‭ ‬محاضرات‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭: ‬يداوم‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ما‭ ‬ليومين‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬الى‭ ‬أخرى،‭ ‬مرة‭ ‬اسمه‭ ‬زهير‭ ‬وأخرى‭ ‬يوسف‭ ‬وثالثة‭ ‬مصطفى‭ ‬ورابعة‭ ‬مازن‭ ‬وهكذا،‭ ‬وهكذا،‭ ‬والغرض‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬المحاضرات‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الزبائن‭ ‬هو‭ ‬ألا‭ ‬تكتشف‭ ‬الجامعة‭ ‬غياب‭ ‬الطالب‭ (‬الأصلي‭)‬،‭ ‬وتشطب‭ ‬اسمه‭ ‬من‭ ‬قوائهما‭ ‬فيفقد‭ ‬حق‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وإيمون‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬عبقري‮»‬‭ ‬جدير‭ ‬بالإعجاب،‭ ‬فقد‭ ‬جلس‭ ‬لامتحانات‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والرياضيات‭ ‬والتسويق‭ ‬والأدب‭ ‬الإنجليزي،‭ ‬ولأنه‭ ‬‮«‬مجتهد‮»‬‭ ‬وزبائنه‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطيون‭ ‬‮«‬مُجْهدون‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬السهر‭ ‬والهلس،‭ ‬فقد‭ ‬كسب‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬ولما‭ ‬كثر‭ ‬زبائنه‭ ‬من‭ ‬عيالنا‭ ‬الذين‭ ‬يكلفون‭ ‬أهلهم‭ ‬وحكوماتهم‭ ‬الملايين،‭ ‬قام‭ ‬بتوظيف‭ ‬معاونين،‭ ‬إحداهن‭ ‬سيدة‭ ‬كانت‭ ‬تضطر‭ ‬أحيانا‭ ‬الى‭ ‬التنكر‭ ‬كرجل‭ ‬لحضور‭ ‬المحاضرات‭ ‬وخوض‭ ‬الامتحانات‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الطلاب‭.‬

لم‭ ‬أتعجب‭ ‬لحكاية‭ ‬إيمون‭ ‬وزبائنه،‭ ‬لأنني‭ ‬خالطت‭ ‬جميع‭ ‬شعوب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وأعرف‭ ‬ان‭ ‬أنظمتهم‭ ‬التعليمية‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬إلا‭ ‬بالكم‭: ‬60‭% ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬حققوا‭ ‬نتيجة‭ ‬95‭% ‬فما‭ ‬فوق‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬تزور‭ ‬الأمهات‭ ‬والآباء‭ ‬المدارس‭ ‬لاستجداء‭ ‬المعلمين‭ ‬لمنح‭ ‬الولد‭/ ‬البنت‭ ‬بضع‭ ‬درجات‭ ‬إضافية‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يرسب‭/ ‬ترسب،‭ ‬أو‭ ‬كي‭ ‬يتبدل‭ ‬الترتيب‭ ‬من‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬الى‭ ‬السابع،‭ ‬وفي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭ ‬توجد‭ ‬مكاتب‭ ‬تجارية‭ ‬تقول‭ ‬لافتاتها‭ ‬إنها‭ ‬تقوم‭ ‬بالبحوث‭ ‬الجامعية،‭ ‬فيأتي‭ ‬زبون‭ ‬ويقول‭: ‬إن‭ ‬لديه‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬التغيرات‭ ‬المناخية‮»‬،‭ ‬ويطلبون‭ ‬منه‭ ‬العودة‭ ‬بعد‭ ‬يومين‭ ‬و«نعطيك‭ ‬بحثا‭ ‬تأكل‭ ‬صوابعك‭ ‬وراه‮»‬،‭ ‬ويأتي‭ ‬الى‭ ‬نفس‭ ‬المكتب‭ ‬آخر‭ ‬طالبا‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬نظرية‭ ‬نيوتن‭ ‬فيقولون‭ ‬له‭: ‬والله‭ ‬انت‭ ‬ابن‭ ‬حلال‭. ‬عندنا‭ ‬الحين‭ ‬بحث‭ ‬طالع‭ ‬من‭ ‬الفرن‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬بس‭ ‬أعطنا‭ ‬اسمك‭ ‬لنضعه‭ ‬في‭ ‬الترويسة‭!!‬

ولكن‭ ‬ان‭ ‬نبعث‭ ‬بعيالنا‭ ‬الى‭ ‬أمريكا‭ ‬وأوروبا‭ ‬ليختاروا‭ ‬الصرمحة‭ ‬والصياعة‭ ‬والسهر،‭ ‬ثم‭ ‬يعطون‭ ‬توكيلات‭ ‬لآخرين‭ ‬ليذهبوا‭ ‬الى‭ ‬الجامعات‭ ‬ويجلسوا‭ ‬للامتحانات‭ ‬نيابة‭ ‬عنهم‭ ‬فهذه‭ ‬كارثة‭. ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬هدر‭ ‬الأموال‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬‮«‬هدر‭ ‬العمر‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬امريكا‭ ‬أربع‭ ‬او‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬بحجة‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يدرس‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬ولكنه‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬المطاف‭ ‬حاملا‭ ‬بكالوريوس‭ ‬او‭ ‬ماجستير‭ ‬او‭ ‬دكتوراه‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬عدد‭ ‬الثيران‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬طردي،‭ ‬وتحصد‭ ‬البلاد‭ ‬الهشيم‭.‬

عندما‭ ‬كنت‭ ‬مقيما‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عرفت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أشخاصا‭ ‬لا‭ ‬عمل‭ ‬لهم‭ ‬سوى‭ ‬إعداد‭ ‬البحوث‭ ‬الجامعية،‭ ‬وكنت‭ ‬رفقة‭ ‬أحدهم‭ ‬يتمتع‭ ‬بجماهيرية‭ ‬واسعة‭ ‬كـ«مترجم‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬بكالوريوس‭ ‬جغرافيا،‭ ‬عندما‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬زبون‭ ‬إعداد‭ ‬بحث‭ ‬في‭ ‬الصيدلة،‭ ‬فقبل‭ ‬الطلب‭ ‬وحدد‭ ‬له‭ ‬موعدا‭ ‬لتسلم‭ ‬البحث،‭ ‬فسألته‭ ‬عن‭ ‬علاقته‭ ‬بالصيدلة،‭ ‬فقال‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬يقوم‭ ‬بتشغيل‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬فروع‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬الباطن‭ ‬ويأخذ‭ ‬عمولة،‭ ‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬خريج‭ ‬آداب‭ ‬وأحمل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬درجة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬المسالك‭ ‬البولية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد‭ (‬اشتريتها‭ ‬فعلا‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬للشهادات‭ ‬المزورة‭) ‬فإنني‭ ‬أنصح‭ ‬طلابنا‭ ‬البلطجية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬بضغط‭ ‬المنصرفات‭: ‬بحبحوا‭ ‬كذا‭ ‬سنة‭ ‬ثم‭ ‬قوموا‭ ‬بشراء‭ ‬شهادات‭ ‬عبر‭ ‬الانترنت‭! ‬وسعر‭ ‬الدكتوراه‭ ‬التي‭ ‬اشتريتها‭ ‬119‭ ‬دولارا‭. ‬يعني‭ ‬البكالوريوس‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬80‭ ‬دولارا‭.. ‬تقريبا‭ ‬ببلاش‭ ‬يا‭ ‬أوباش‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا