زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
المدرس قد يضرِس
قلتها مرارا، وسأظل أقولها مرارا، طالما أصابعي قادرة على الكتابة: أهم استثمار في حياة كل أب وأم هو العيال، وتحديدا تعليم العيال، وهذه مهمة يقع العبء الأكبر فيها على عاتق المعلمين، وكشخص يفخر بأنه قضى أجمل سنوات حياته العملية معلما، ويكنُّ احتراما بلا حدود للمعلمين، فقد ظللت كطالب وكمعلم شديد النفور من كل مدرس فظ غليظ القلب، ومن ثم فعلاقتي بالمدرسين الميالين للعنف الذين يعملون من الناحية الرسمية في وزارة التربية، بينما علاقتهم بالتربية مثل علاقة جعفر عباس بهيفاء وهبي (بلاش غمز ولمز وسوء ظن!! أم هو حسن ظن أن تحسب أبا الجعافر فتاكا وفتانا وعلى «علاقة» من الصنف إياه مع بنت وهبي؟ المهم منعا للقيل والقال أعلن أن علاقتي بهيفاء مثل علاقتي بالراحل فاروق الفيشاوي- رحمه الله- بدأت بالنفور من أول نظرة. على وجه التحديد بدأت بنظرة ثم انفصام فخصام فلا موعد ف«إلغاء»).
نعرف جميعا ان كثيرين في بلداننا يدخلون مجال التدريس بسبب انعدام البدائل، وتظل هذه الفئة في حالة عكننة لأنها ارتبطت بمهنة لا توفر الوجاهة والمكانة الاجتماعية، ولا تسمح بالتسيب بنفس «الفرص» المتاحة لمن يعملون في إدارات ومكاتب حكومية. ونعرف أيضا أن حكوماتنا لا تكنُّ احتراما او تقديرا كافيا لمهنة التدريس مما يجعل «كادر» المهنة الوظيفي والعائد المالي منها هزيلا. وهذه فوق تلك تجعل بعض المدرسين ع الهبشة. يتميزون غيظا وغضبا على حالهم والظروف «بنت الذين» التي أرغمتهم على العمل في سلك التدريس، وبعض المحبطين منهم يجعل من الطالب الحائط القصير ويفش غلّه فيه، وبعض هذا البعض «إرهابي» تقشعر أبدان الطلاب لمجرد ذكر أسمائهم.
في مدرسة حكومية في بلد عربي – على ذمة صحيفة ******– توجه تلميذ في الـ11 من العمر إلى أحد المعلمين في مكتبه ليشرح له مسألة أكاديمية. لسوء حظ التلميذ كان ذلك المدرس قد دخل في مشادة وشجار لفظي مع مدير المدرسة قبل دخول التلميذ عليه، وما إن بدأ التلميذ في طرح السؤال حتى لكمه المدرس بعنف فطار عدة أمتار واصطدم وجهه بخزانة حديدية وأصيب في عينه. انفجرت عينه اليمني واختلطت الشبكية مع القزحية مع القرنية حتى صارت كمونية (وهي الأكلة السودانية المريبة، التي لن أخوض في تفاصيلها حتى لا يتهمني زول بتسريب أسرار قومية). فقد الصبي عينه اليمني تماما لأن مكوناتها انبعجت وامتزجت ببعضها البعض.
طرحت في صفحتي في فيسبوك موضوعا بعنوان «لماذا كرهت/ أحببت المدرسة»، ومن بين عشرات الذكريات عن ايام الدراسة لم تكن هناك سوى بضع نساء، جاء في تعقيباتهن أنهن كن سعيدات بالحياة المدرسية، بينما أجمع رواد الصفحة من الذكور أن هذه المجموعة النسائية تعاني من خلل في قواها العقلية. فقد كتب الغالبية من الرجال عن أيام الدراسة على أنها كانت كابوسا مرعبا دام سنوات طويلة. وكتب كثيرون عن هجرهم للدراسة بسبب تعرضهم للضرب والشتم مرارا.
في الفترة الانتقالية من كلية القانون الى كلية الآداب بجامعة الخرطوم، عملت معلما في مدرسة متوسطة في الخرطوم بحري، كان فيها مدرس سادي وهمجي. وكان أكثر ما يضايقني فيه إذلاله للطلاب الفقراء الذين كانوا يأتون الى المدرسة بملابس مهلهلة أو متسخة: لا يملك الواحد منهم سوى قميص واحد للبيت والحي والمدرسة. كان يجبرهم على خلع قمصانهم ويقدم لهم «الطشت» لغسلها في فناء المدرسة. اكتشفت ان هناك 3 مدرسين آخرين مستاؤون مثلي من سلوكه، وكان أحدهم من النوع الذي يجري في عروقه الدم مخلوطا بالبترول، ومن ثم كان سريع الاشتعال. قررنا مخاطبة المدرس السادي لوقف ممارساته تلك متحلين بروح الزمالة، ودخلنا عليه نحن الأربعة، وقد اتفقنا على ما سنقوله لزميلنا بدبلوماسية وهدوء، ولكن صاحبنا البترولي خرق الاتفاق وبدأ كلامه ب: شوف يا ابن الـ... والله لو أجبرت طالبا على خلع قميصه مرة أخرى. سأهجم عليك واقطع ملابسك ولحمك! أصابنا الخرس وتفرقنا في أنحاء المدرسة، ولكن «الإنذار» أعطى نتائج إيجابية: لم يتعرض بعدها طالب للإذلال وقررنا التبرع شهريا بمبالغ ثابتة نشتري بها ملابس مدرسية للطلاب الفقراء.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك