العدد : ١٧٥٩٧ - الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٧ - الخميس ٢٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

المدرس قد يضرِس

قلتها‭ ‬مرارا،‭ ‬وسأظل‭ ‬أقولها‭ ‬مرارا،‭ ‬طالما‭ ‬أصابعي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭: ‬أهم‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬أب‭ ‬وأم‭ ‬هو‭ ‬العيال،‭ ‬وتحديدا‭ ‬تعليم‭ ‬العيال،‭ ‬وهذه‭ ‬مهمة‭ ‬يقع‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المعلمين،‭ ‬وكشخص‭ ‬يفخر‭ ‬بأنه‭ ‬قضى‭ ‬أجمل‭ ‬سنوات‭ ‬حياته‭ ‬العملية‭ ‬معلما،‭ ‬ويكنُّ‭ ‬احتراما‭ ‬بلا‭ ‬حدود‭ ‬للمعلمين،‭ ‬فقد‭ ‬ظللت‭ ‬كطالب‭ ‬وكمعلم‭ ‬شديد‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مدرس‭ ‬فظ‭ ‬غليظ‭ ‬القلب،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فعلاقتي‭ ‬بالمدرسين‭ ‬الميالين‭ ‬للعنف‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬التربية،‭ ‬بينما‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالتربية‭ ‬مثل‭ ‬علاقة‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬بهيفاء‭ ‬وهبي‭ (‬بلاش‭ ‬غمز‭ ‬ولمز‭ ‬وسوء‭ ‬ظن‭!! ‬أم‭ ‬هو‭ ‬حسن‭ ‬ظن‭ ‬أن‭ ‬تحسب‭ ‬أبا‭ ‬الجعافر‭ ‬فتاكا‭ ‬وفتانا‭ ‬وعلى‭ ‬‮«‬علاقة‮»‬‭ ‬من‭ ‬الصنف‭ ‬إياه‭ ‬مع‭ ‬بنت‭ ‬وهبي؟‭ ‬المهم‭ ‬منعا‭ ‬للقيل‭ ‬والقال‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬علاقتي‭ ‬بهيفاء‭ ‬مثل‭ ‬علاقتي‭ ‬بالراحل‭ ‬فاروق‭ ‬الفيشاوي‭- ‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬بدأت‭ ‬بالنفور‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬نظرة‭. ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬بدأت‭ ‬بنظرة‭ ‬ثم‭ ‬انفصام‭ ‬فخصام‭ ‬فلا‭ ‬موعد‭ ‬ف‮«‬إلغاء‮»‬‭).‬

نعرف‭ ‬جميعا‭ ‬ان‭ ‬كثيرين‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬يدخلون‭ ‬مجال‭ ‬التدريس‭ ‬بسبب‭ ‬انعدام‭ ‬البدائل،‭ ‬وتظل‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬عكننة‭ ‬لأنها‭ ‬ارتبطت‭ ‬بمهنة‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬الوجاهة‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ولا‭ ‬تسمح‭ ‬بالتسيب‭ ‬بنفس‭ ‬‮«‬الفرص‮»‬‭ ‬المتاحة‭ ‬لمن‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬إدارات‭ ‬ومكاتب‭ ‬حكومية‭. ‬ونعرف‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬حكوماتنا‭ ‬لا‭ ‬تكنُّ‭ ‬احتراما‭ ‬او‭ ‬تقديرا‭ ‬كافيا‭ ‬لمهنة‭ ‬التدريس‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬كادر‮»‬‭ ‬المهنة‭ ‬الوظيفي‭ ‬والعائد‭ ‬المالي‭ ‬منها‭ ‬هزيلا‭. ‬وهذه‭ ‬فوق‭ ‬تلك‭ ‬تجعل‭ ‬بعض‭ ‬المدرسين‭ ‬ع‭ ‬الهبشة‭. ‬يتميزون‭ ‬غيظا‭ ‬وغضبا‭ ‬على‭ ‬حالهم‭ ‬والظروف‭ ‬‮«‬بنت‭ ‬الذين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أرغمتهم‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬سلك‭ ‬التدريس،‭ ‬وبعض‭ ‬المحبطين‭ ‬منهم‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الطالب‭ ‬الحائط‭ ‬القصير‭ ‬ويفش‭ ‬غلّه‭ ‬فيه،‭ ‬وبعض‭ ‬هذا‭ ‬البعض‭ ‬‮«‬إرهابي‮»‬‭ ‬تقشعر‭ ‬أبدان‭ ‬الطلاب‭ ‬لمجرد‭ ‬ذكر‭ ‬أسمائهم‭.‬

في‭ ‬مدرسة‭ ‬حكومية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬ذمة‭ ‬صحيفة‭ ******‬–‭ ‬توجه‭ ‬تلميذ‭ ‬في‭ ‬الـ11‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المعلمين‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬ليشرح‭ ‬له‭ ‬مسألة‭ ‬أكاديمية‭. ‬لسوء‭ ‬حظ‭ ‬التلميذ‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬المدرس‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬مشادة‭ ‬وشجار‭ ‬لفظي‭ ‬مع‭ ‬مدير‭ ‬المدرسة‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬التلميذ‭ ‬عليه،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬بدأ‭ ‬التلميذ‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭ ‬حتى‭ ‬لكمه‭ ‬المدرس‭ ‬بعنف‭ ‬فطار‭ ‬عدة‭ ‬أمتار‭ ‬واصطدم‭ ‬وجهه‭ ‬بخزانة‭ ‬حديدية‭ ‬وأصيب‭ ‬في‭ ‬عينه‭. ‬انفجرت‭ ‬عينه‭ ‬اليمني‭ ‬واختلطت‭ ‬الشبكية‭ ‬مع‭ ‬القزحية‭ ‬مع‭ ‬القرنية‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬كمونية‭ (‬وهي‭ ‬الأكلة‭ ‬السودانية‭ ‬المريبة،‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتهمني‭ ‬زول‭ ‬بتسريب‭ ‬أسرار‭ ‬قومية‭). ‬فقد‭ ‬الصبي‭ ‬عينه‭ ‬اليمني‭ ‬تماما‭ ‬لأن‭ ‬مكوناتها‭ ‬انبعجت‭ ‬وامتزجت‭ ‬ببعضها‭ ‬البعض‭.‬

طرحت‭ ‬في‭ ‬صفحتي‭ ‬في‭ ‬فيسبوك‭ ‬موضوعا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬كرهت‭/ ‬أحببت‭ ‬المدرسة‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬الذكريات‭ ‬عن‭ ‬ايام‭ ‬الدراسة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬سوى‭ ‬بضع‭ ‬نساء،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تعقيباتهن‭ ‬أنهن‭ ‬كن‭ ‬سعيدات‭ ‬بالحياة‭ ‬المدرسية،‭ ‬بينما‭ ‬أجمع‭ ‬رواد‭ ‬الصفحة‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬النسائية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬قواها‭ ‬العقلية‭. ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬الغالبية‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬عن‭ ‬أيام‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬كابوسا‭ ‬مرعبا‭ ‬دام‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭. ‬وكتب‭ ‬كثيرون‭ ‬عن‭ ‬هجرهم‭ ‬للدراسة‭ ‬بسبب‭ ‬تعرضهم‭ ‬للضرب‭ ‬والشتم‭ ‬مرارا‭.‬

في‭ ‬الفترة‭ ‬الانتقالية‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬القانون‭ ‬الى‭ ‬كلية‭ ‬الآداب‭ ‬بجامعة‭ ‬الخرطوم،‭ ‬عملت‭ ‬معلما‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬متوسطة‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري،‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬مدرس‭ ‬سادي‭ ‬وهمجي‭. ‬وكان‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يضايقني‭ ‬فيه‭ ‬إذلاله‭ ‬للطلاب‭ ‬الفقراء‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يأتون‭ ‬الى‭ ‬المدرسة‭ ‬بملابس‭ ‬مهلهلة‭ ‬أو‭ ‬متسخة‭: ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬سوى‭ ‬قميص‭ ‬واحد‭ ‬للبيت‭ ‬والحي‭ ‬والمدرسة‭. ‬كان‭ ‬يجبرهم‭ ‬على‭ ‬خلع‭ ‬قمصانهم‭ ‬ويقدم‭ ‬لهم‭ ‬‮«‬الطشت‮»‬‭ ‬لغسلها‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬المدرسة‭. ‬اكتشفت‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬3‭ ‬مدرسين‭ ‬آخرين‭ ‬مستاؤون‭ ‬مثلي‭ ‬من‭ ‬سلوكه،‭ ‬وكان‭ ‬أحدهم‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬عروقه‭ ‬الدم‭ ‬مخلوطا‭ ‬بالبترول،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬سريع‭ ‬الاشتعال‭. ‬قررنا‭ ‬مخاطبة‭ ‬المدرس‭ ‬السادي‭ ‬لوقف‭ ‬ممارساته‭ ‬تلك‭ ‬متحلين‭ ‬بروح‭ ‬الزمالة،‭ ‬ودخلنا‭ ‬عليه‭ ‬نحن‭ ‬الأربعة،‭ ‬وقد‭ ‬اتفقنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سنقوله‭ ‬لزميلنا‭ ‬بدبلوماسية‭ ‬وهدوء،‭ ‬ولكن‭ ‬صاحبنا‭ ‬البترولي‭ ‬خرق‭ ‬الاتفاق‭ ‬وبدأ‭ ‬كلامه‭ ‬ب‭: ‬شوف‭ ‬يا‭ ‬ابن‭ ‬الـ‭... ‬والله‭ ‬لو‭ ‬أجبرت‭ ‬طالبا‭ ‬على‭ ‬خلع‭ ‬قميصه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬سأهجم‭ ‬عليك‭ ‬واقطع‭ ‬ملابسك‭ ‬ولحمك‭! ‬أصابنا‭ ‬الخرس‭ ‬وتفرقنا‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬المدرسة،‭ ‬ولكن‭ ‬‮«‬الإنذار‮»‬‭ ‬أعطى‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابية‭: ‬لم‭ ‬يتعرض‭ ‬بعدها‭ ‬طالب‭ ‬للإذلال‭ ‬وقررنا‭ ‬التبرع‭ ‬شهريا‭ ‬بمبالغ‭ ‬ثابتة‭ ‬نشتري‭ ‬بها‭ ‬ملابس‭ ‬مدرسية‭ ‬للطلاب‭ ‬الفقراء‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا