زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
حبيبتي العسُّول
كان المواطن السعودي يتأهب قبل أيام قليلة للسفر إلى مصر في زيارة سياحية ترفيهية، (نقلا عن صحيفة سبق السعودية الإلكترونية). ومع اقتراب موعد السفر تأكد من أن زوجته أعدت حقيبته وجمعت له أشياءه الصغيرة مثل المشط وفرشاة الأسنان وشبشب الحمام، إلخ، ثم قام بتوديعها وأعطى بنته ذات السنوات التسع قبلة وربت على رأسها وفتح الباب و«نشوفكم على خير»، ثم خاطب بنته قائلا: أنت في إجازة. خلي بالك من أمك، وبلاش سهر مع التلفزيون، وبعد أقل من دقيقة من مغادرته البيت عاد منزعجا: وين راح جواز السفر؟ كنت حاطه في شنطة اليد الصغيرة مع التذكرة، وحصَّلت التذكرة ولكن الجواز مو موجود! قام هو وزوجته بتفتيش البيت ركنا ركنا. أفرغوا خزانات الملابس من محتوياتها، وفلفلوا كل قطعة قماش.. قلبوا كل سرير في البيت.. أزالوا مساند الكراسي فلربما انحشر جواز السفر بين طياتها. حتى سلال القمامة والثلاجة خضعت للتفتيش. كل ذلك والزوج يقول: أكيد ملك الجان سرق الجواز لأني متأكد أنه كان داخل الشنطة مع التذكرة حتى قبل ساعتين.
المهم: لم يعثر الرجل على جواز السفر، وبالتالي (يقول بعض المهتمين باللغة العربية إن استعمال بالتالي كما في الجملة السابقة خطأ، والصحيح ان تقول «ومن ثَمّ») وبالأحرى من ثم، لم يتمكن من اللحاق بالطائرة، ولم يفكر في تغيير موعد الحجز لرحلة أخرى لاستحالة السفر من دون الجواز. وعثر على الجواز في اليوم التالي. جاءته بنته التلميذة في الصف الثالث بالمدرسة الابتدائية ومدت يدها إليه بالجواز. قال أبوها: ما شاء الله عليك يا بنتي. لو اشتركت معنا في البحث عن الجواز أمس لكنت قد سافرت دون أن أقلب البيت فوق – تحت، ولكن البنت فاجأته بقولها إنها أخفت الجواز في حقيبتها المدرسية لمنعه من السفر، لأنها تريد له أن يكون معها في البيت. ظهر الغضب على وجه الأب: ليه؟ ليش؟ لماذا؟ واي؟ سكتت البنت وتفادت النظر إلى وجه أبيها، ولسان حالها يقول: شرحت لك قبل قليل لماذا أخفيت جواز سفرك! غضب الوالد لم يدم أكثر من دقيقتين. توجه نحو البنت وضمها إلى صدره، ثم قال: معك حق. مفروض إني أكون وياك في البيت لأنك في إجازة.. يللا.. روحي قولي لماما تحضر شنطتها وشنطتك لأننا راح نسافر سوا في إجازة.
يا حبيبتي.. الله يخليكِ لبابا وماما، ويخلي بابا وماما لك.. هذه طفلة يتمناها كل والد، وتصرفها بإخفاء جواز سفر والدها تنبيه لنا نحن الأمهات والآباء، بأن عيالنا قد يرتكبون أشياء نحسبها «غلط» لأنهم يحبوننا. عندما كنت أعمل بالصحافة المكتوبة كنت أعود إلى البيت قبل طلوع الشمس بقليل، وأنام نهارا، وكانت ابنتي مروة وقتها طفلة. كذا مرة قمت فزعا من النوم لأن هناك من يحاول فتح جفوني المغمضة. أصرخ منزعجا: ليه عملت كده؟ فتقول: «كنت عايزه أشوف أنت نائم أم صاحي؟» عيناي مغمضتان لأنني نائم ولكنك لا تستطيعين تحديد ما إذا كانت نائما أو يقظانا إلا بفتح جفوني عنوة؟ عرفت أن طبيعة عملي تحرمها وتحرمني من الحضور في حياتها اليومية فهجرت النوم نهارا، وبما أن الليل كان مخصصا للعمل فقد كدت أصاب بخلل عقلي بسبب عدم النوم فهجرت الصحافة المكتوبة نهائيا وكليّا.
والأطفال أذكياء، وقد تعود مرهقا من العمل لتنام فترة قصيرة ولكن إزعاج العيال يتصاعد رغم أنك طلبت منهم الهدوء. هم يفعلون ذلك لأنهم لا يريدون منك أن تنام، فلا تغضب. ابرم معهم معاهدة: أعود وأتونس/ أسولف معكم ساعتين ثم تتركوني أنام بهدوء ساعتين. سيصيحون: ساعتين كثيرة.. أوكي ساعة واحدة.. وهكذا، ينعمون بحبك وتنعم بحبهم وبالنوم الهادئ والأحلام المفرحة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك