في متحف التاريخ الطبيعي في لندن شدّني هيكل عظمي وأنا أمشي بين المعروضات. كان لإنسان عاش قبل مئات الآلاف من السنين، بجانبه أدواته البدائية التي صنعها بيديه. نظرتُ إليه طويلاً، وعلق بي سؤال: كم المسافة الحقيقية بيني وبينه؟
أدواته كانت حجارة صنعها بيديه لتساعده على الصيد والبقاء. تطورت الأداة بعده من حجر إلى شاشة، ومن يد إلى خوارزمية، ومن نار يشعلها في الكهف إلى قمر صناعي يحلق فوق الغيوم. لكن الإنسان الذي يحمل كل هذا لا يزال يبحث عن نفس الشيء؛ أن يُفهم، وأن يبقى.
نحن ندخل المتاحف ظناً منا أننا جئنا لندرس الماضي، لكن الماضي هو من يدرسنا، في كل قطعة خلف الزجاج، في كل أداة تركها إنسان رحل قبل أن يعرف أننا موجودون.
في زمن لم تكن فيه متاحف، كانت الأشياء الثمينة حكراً على الملوك والأثرياء. التاج والسيف والمخطوطة النادرة كانت تعيش في القصور. المتحف جاء ليقول: هذا التاريخ لكم جميعاً. وعندما تقف أمام قطعة عمرها آلاف السنين في متحف مفتوح لكل الناس فأنت تمارس حقاً من أعمق حقوق الإنسان.. حق معرفة من أين أتينا.
هذه القاعات تتسع للجميع. الطفل الذي يقف أمام أدوات الإنسان الأول ويرى كيف صنع من حجر بسيط ما يحتاج إليه للبقاء، يبدأ عقله بالتساؤل. كيف صمد بهذا القليل؟ وماذا يمكنني أنا أن أصنع بكل ما عندي؟ سؤالٌ من الماضي يفتح باب المستقبل.
حين تجول بين متاحف العالم، تكتشف حقيقة واحدة؛ الإنسان في كل مكان وزمان خاف من نفس الأشياء، وأحب نفس الأشياء. الأم في حضارة الفراعنة أيقظت طفلها صباحاً بنفس القلق الذي تعرفه كل أم اليوم. والفيلسوف الإغريقي جلس تحت السماء يسأل عن معنى وجوده كما نسأل نحن في لحظات وحدتنا. والجندي الروماني كتب اسمه على الحجر كي لا يُنسى. والعالم المسلم في بغداد سهر الليل يترجم علوم اليونان ويضيف إليها، لأنه آمن بأن المعرفة ملك البشرية جمعاء. المتاحف تُثبت أننا لم نكن يوماً غرباء عن بعضنا. نحن فقط لم نلتقِ بعد.
وهذا اللقاء الإنساني لا يحدث بين الحضارات وحدها. المتحف يجمع الأجيال تحت سقف واحد، الآباء والأبناء يمشون معاً بين المعروضات. الصغار يدوّنون في دفاترهم، والكبار يصغون للشروحات كأنهم في أول يوم دراسة. التاريخ يُعاش بين الأجيال، وينتقل من يد إلى يد في تلك الممرات الطويلة. وحين يسأل طفل أباه عن شيء رآه، يصبح الماضي حاضراً.
ثمة متاحف للطعام وللعطر وللموسيقى وللأزياء وللرياضة. كل تفصيلة من تفاصيل الحياة الإنسانية أصبح لها مكان يحفظها ويرويها. الإنسان أراد أن يحفظ رائحة عطر جدته ولحن أغنية نسيها الزمن، كأنه قرر أن كل شيء في حياته يستحق أن يُذكر.
وفي عالمنا العربي، علاقتنا بالمتاحف تستحق وقفة. التاريخ الذي نحمله أعمق مما ندرك، والإرث الذي تركه أجدادنا يملأ قاعات المتاحف في كل أنحاء العالم. السؤال ليس إن كان هذا التاريخ موجوداً، هو موجود. السؤال هل نذهب إليه.
ونحن نتأمل ما تركه من سبقونا، ندرك أننا أيضاً نصنع تاريخاً. هاتفنا الذكي ومنشوراتنا وصورنا الرقمية ستحكي يوماً عن إنسان القرن الواحد والعشرين.
الإنسان الأول ترك أثراً في الحجر فصمد، ونحن نترك آثاراً في الهواء. الزمن وحده سيحكم.
هنا يكمن السر. من ذلك الهيكل في لندن، إلى طفل يتأمل أداة حجرية، إلى جندي كتب اسمه كي لا يُنسى، كلهم يقولون الشيء ذاته، أن الإنسان مرّ من هنا، وأنه كان يستحق أن يُذكر.
وهذا الإرث الإنساني نراه حاضرا أيضا في مملكتنا. في متحف البحرين الوطني الذي يحمل ستة آلاف سنة من تاريخ هذه الجزيرة، وفي قلعة البحرين التي أدرجتها اليونسكو في قائمة التراث العالمي، وفي بيت القرآن الذي يحفظ ذاكرة الروح ومعاني الايمان، وفي متحف الغوص الذي يروي قصة الإنسان البحريني وهو يغوص في أعماق البحر باحثاً عن لؤلؤة، وغيرها كثير. التاريخ الذي نسافر لنراه في بلدان أخرى، يسكن هنا تحت أقدامنا.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك