العدد : ١٧٥٩٢ - السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٢ - السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

المتاحف.. حين يكلمنا من رحلوا

بقلم: نبيلة رجب

السبت ٢٣ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬متحف‭ ‬التاريخ‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬شدّني‭ ‬هيكل‭ ‬عظمي‭ ‬وأنا‭ ‬أمشي‭ ‬بين‭ ‬المعروضات‭. ‬كان‭ ‬لإنسان‭ ‬عاش‭ ‬قبل‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السنين،‭ ‬بجانبه‭ ‬أدواته‭ ‬البدائية‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭ ‬بيديه‭. ‬نظرتُ‭ ‬إليه‭ ‬طويلاً،‭ ‬وعلق‭ ‬بي‭ ‬سؤال‭: ‬كم‭ ‬المسافة‭ ‬الحقيقية‭ ‬بيني‭ ‬وبينه؟

أدواته‭ ‬كانت‭ ‬حجارة‭ ‬صنعها‭ ‬بيديه‭ ‬لتساعده‭ ‬على‭ ‬الصيد‭ ‬والبقاء‭. ‬تطورت‭ ‬الأداة‭ ‬بعده‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬إلى‭ ‬شاشة،‭ ‬ومن‭ ‬يد‭ ‬إلى‭ ‬خوارزمية،‭ ‬ومن‭ ‬نار‭ ‬يشعلها‭ ‬في‭ ‬الكهف‭ ‬إلى‭ ‬قمر‭ ‬صناعي‭ ‬يحلق‭ ‬فوق‭ ‬الغيوم‭. ‬لكن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬الشيء؛‭ ‬أن‭ ‬يُفهم،‭ ‬وأن‭ ‬يبقى‭.‬

نحن‭ ‬ندخل‭ ‬المتاحف‭ ‬ظناً‭ ‬منا‭ ‬أننا‭ ‬جئنا‭ ‬لندرس‭ ‬الماضي،‭ ‬لكن‭ ‬الماضي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يدرسنا،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬خلف‭ ‬الزجاج،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أداة‭ ‬تركها‭ ‬إنسان‭ ‬رحل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أننا‭ ‬موجودون‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فيه‭ ‬متاحف،‭ ‬كانت‭ ‬الأشياء‭ ‬الثمينة‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الملوك‭ ‬والأثرياء‭. ‬التاج‭ ‬والسيف‭ ‬والمخطوطة‭ ‬النادرة‭ ‬كانت‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬القصور‭. ‬المتحف‭ ‬جاء‭ ‬ليقول‭: ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬لكم‭ ‬جميعاً‭. ‬وعندما‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬قطعة‭ ‬عمرها‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬مفتوح‭ ‬لكل‭ ‬الناس‭ ‬فأنت‭ ‬تمارس‭ ‬حقاً‭ ‬من‭ ‬أعمق‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.. ‬حق‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتينا‭.‬

هذه‭ ‬القاعات‭ ‬تتسع‭ ‬للجميع‭. ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬أدوات‭ ‬الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬ويرى‭ ‬كيف‭ ‬صنع‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬بسيط‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬للبقاء،‭ ‬يبدأ‭ ‬عقله‭ ‬بالتساؤل‭. ‬كيف‭ ‬صمد‭ ‬بهذا‭ ‬القليل؟‭ ‬وماذا‭ ‬يمكنني‭ ‬أنا‭ ‬أن‭ ‬أصنع‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬عندي؟‭ ‬سؤالٌ‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬المستقبل‭.‬

حين‭ ‬تجول‭ ‬بين‭ ‬متاحف‭ ‬العالم،‭ ‬تكتشف‭ ‬حقيقة‭ ‬واحدة؛‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬وزمان‭ ‬خاف‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الأشياء،‭ ‬وأحب‭ ‬نفس‭ ‬الأشياء‭. ‬الأم‭ ‬في‭ ‬حضارة‭ ‬الفراعنة‭ ‬أيقظت‭ ‬طفلها‭ ‬صباحاً‭ ‬بنفس‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬كل‭ ‬أم‭ ‬اليوم‭. ‬والفيلسوف‭ ‬الإغريقي‭ ‬جلس‭ ‬تحت‭ ‬السماء‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬وجوده‭ ‬كما‭ ‬نسأل‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬وحدتنا‭. ‬والجندي‭ ‬الروماني‭ ‬كتب‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬الحجر‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يُنسى‭. ‬والعالم‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬سهر‭ ‬الليل‭ ‬يترجم‭ ‬علوم‭ ‬اليونان‭ ‬ويضيف‭ ‬إليها،‭ ‬لأنه‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬المعرفة‭ ‬ملك‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭. ‬المتاحف‭ ‬تُثبت‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬يوماً‭ ‬غرباء‭ ‬عن‭ ‬بعضنا‭. ‬نحن‭ ‬فقط‭ ‬لم‭ ‬نلتقِ‭ ‬بعد‭.‬

وهذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الإنساني‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭ ‬وحدها‭. ‬المتحف‭ ‬يجمع‭ ‬الأجيال‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬الآباء‭ ‬والأبناء‭ ‬يمشون‭ ‬معاً‭ ‬بين‭ ‬المعروضات‭. ‬الصغار‭ ‬يدوّنون‭ ‬في‭ ‬دفاترهم،‭ ‬والكبار‭ ‬يصغون‭ ‬للشروحات‭ ‬كأنهم‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬دراسة‭. ‬التاريخ‭ ‬يُعاش‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬وينتقل‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الممرات‭ ‬الطويلة‭. ‬وحين‭ ‬يسأل‭ ‬طفل‭ ‬أباه‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬رآه،‭ ‬يصبح‭ ‬الماضي‭ ‬حاضراً‭.‬

ثمة‭ ‬متاحف‭ ‬للطعام‭ ‬وللعطر‭ ‬وللموسيقى‭ ‬وللأزياء‭ ‬وللرياضة‭. ‬كل‭ ‬تفصيلة‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬أصبح‭ ‬لها‭ ‬مكان‭ ‬يحفظها‭ ‬ويرويها‭. ‬الإنسان‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يحفظ‭ ‬رائحة‭ ‬عطر‭ ‬جدته‭ ‬ولحن‭ ‬أغنية‭ ‬نسيها‭ ‬الزمن،‭ ‬كأنه‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُذكر‭.‬

وفي‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي،‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالمتاحف‭ ‬تستحق‭ ‬وقفة‭. ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬نحمله‭ ‬أعمق‭ ‬مما‭ ‬ندرك،‭ ‬والإرث‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬أجدادنا‭ ‬يملأ‭ ‬قاعات‭ ‬المتاحف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬السؤال‭ ‬ليس‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬موجوداً،‭ ‬هو‭ ‬موجود‭. ‬السؤال‭ ‬هل‭ ‬نذهب‭ ‬إليه‭.‬

ونحن‭ ‬نتأمل‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬سبقونا،‭ ‬ندرك‭ ‬أننا‭ ‬أيضاً‭ ‬نصنع‭ ‬تاريخاً‭. ‬هاتفنا‭ ‬الذكي‭ ‬ومنشوراتنا‭ ‬وصورنا‭ ‬الرقمية‭ ‬ستحكي‭ ‬يوماً‭ ‬عن‭ ‬إنسان‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭.‬

الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬ترك‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬الحجر‭ ‬فصمد،‭ ‬ونحن‭ ‬نترك‭ ‬آثاراً‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬الزمن‭ ‬وحده‭ ‬سيحكم‭.‬

هنا‭ ‬يكمن‭ ‬السر‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الهيكل‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬يتأمل‭ ‬أداة‭ ‬حجرية،‭ ‬إلى‭ ‬جندي‭ ‬كتب‭ ‬اسمه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يُنسى،‭ ‬كلهم‭ ‬يقولون‭ ‬الشيء‭ ‬ذاته،‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬مرّ‭ ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬وأنه‭ ‬كان‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُذكر‭.‬

وهذا‭ ‬الإرث‭ ‬الإنساني‭ ‬نراه‭ ‬حاضرا‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬مملكتنا‭. ‬في‭ ‬متحف‭ ‬البحرين‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وفي‭ ‬قلعة‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬أدرجتها‭ ‬اليونسكو‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي،‭ ‬وفي‭ ‬بيت‭ ‬القرآن‭ ‬الذي‭ ‬يحفظ‭ ‬ذاكرة‭ ‬الروح‭ ‬ومعاني‭ ‬الايمان،‭ ‬وفي‭ ‬متحف‭ ‬الغوص‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬قصة‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني‭ ‬وهو‭ ‬يغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬لؤلؤة،‭ ‬وغيرها‭ ‬كثير‭. ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬نسافر‭ ‬لنراه‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى،‭ ‬يسكن‭ ‬هنا‭ ‬تحت‭ ‬أقدامنا‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا