على مر التاريخ، كانت الأسواق هي الخيار الأمثل والأول لمن يبحث عن سلعة ما. وظهرت في المدن القديمة نماذج لأسواق مثلت نواة للمجمعات التجارية، مثل البازارات المسقوفة والأسواق الشعبية.
ومع التطورات، ظهرت المجمعات التجارية بأشكال بدائية خاصة في باريس خلال القرن الثامن عشر، حيث ظهرت ممرات تجارية المغطاة تسمى (arcades)وهي ممرات تجمع عدداً من المحال تحت سقف واحد.
ولم يظهر المجمع التجاري الحديث الا في القرن العشرين في الولايات المتحدة في القرن العشرين مع توسع الضواحي واعتماد الناس على السيارات. على الرغم من ان المجمعات في البداية كانت مفتوحة، قبل ان تحدث النقلة النوعية عام 1956 مع افتتاح Southdale Center، الذي يُعد أول مجمع تجاري مغلق ومكيف بالكامل في العالم.
ثم تطورت المجمعات منذ ثمانينيات القرن الماضي وظهرت نماذج مثل «ميغا مول» التي لا تقتصر على المحلات التجارية وانما تضم أيضا محالاً ومطاعم وسينما وأماكن ترفيه. بل أن بعض المجمعات صارت تضم شققاً سكنية وخدمات متنوعة. وبالتالي أصبح المجمع يلعب أدوارا أكبر من الاقتصاد على التسوق.
ولكن.. دوام الحال من المحال. فهذه الهيمنة التي كانت فيها المجمعات التجارية لعقود، باتت مهددة بالتراجع.. وبشكل كبير. فقد ظهر منافس ينمو بشكل غير مسبوق وهو «التجارة الإلكترونية» التي احدثت تحوّلًا عميقًا في قطاع العقارات التجارية. ومع تصاعد الشراء عبر الإنترنت بشكل متسارع، يبرز سؤال حول ما اذا بدأت المجمعات تفقد دورها التقليدي؟
تشير دراسة حديثة من McKinsey & Company إلى أن التجارة الإلكترونية لم تُلغِ المتاجر الفعلية، لكنها غيّرت وظيفتها. ووفقا للدراسة، فإن الزيارات للمجمعات أصبحت أقل من السابق، لكن الزائر الواحد يميل إلى الإنفاق أكثر، فيما تحوّل كثير من المراكز التجارية من مواقع بيع فقط إلى مساحات تجمع بين الترفيه والخدمات والتجربة الاجتماعية في محاولة للإبقاء على عامل الجذب الذي لا يمكن للتسوق الالكتروني ان يحققه.
فيما يرى اقتصاديون أن التحول الى التجارة الالكتروني لا يعني انهيارًا او تراجعا كبيرا لأدوار المجمعات، وانما هو فرز بين الرابحين والمتراجعين، بين من يستطيع المواكبة والتطوير وبين من يعجز ويخرج من الساحة.
فمثلا نجد ان المجمعات التقليدية المعتمدة على المتاجر فقط تواجه تهديدا متزايدًا خاصة تلك التي تعرض سلعا مثل الملابس والسلع الأساسية، فهذه باتت متوافرة وبخيارات أكبر عبر التسوق الالكتروني، بل إن هذه الفئات أصبحت من أكثر القطاعات نموًا عبر الإنترنت. بالمقابل، المجمعات التي استطاعت ان تطور من خدماتها مثل دمج المطاعم والمقاهي والأنشطة العائلية والفعاليات، تمكنت الى حد ما من الحفاظ على جاذبيتها كخيار عائلي.
بل إن بعض الأسواق العالمية باتت تتجه الى إعادة استخدام للمساحات التجارية. فمثلا بعض المجمعات الكبرى تحوّلت جزئيًا إلى مراكز لوجستية ومخازن تخدم التوصيل السريع، خصوصًا مع تزايد الطلب على الشحن في نفس اليوم. وهذا الاتجاه يُنظر إليه كأحد الحلول لتعويض تراجع الطلب على المساحات التقليدية.
ويختلف الأمر وفقا للمناطق، فمثلا في دول الخليج قد يبدو الأمر مختلفا. فعلى الرغم من انتشار التجارة الالكترونية وخدمات التوصيل، ما زالت المجمعات تمثل عامل جذب، ولا يقتصر دورها على التسوق بل يشمل الترفيه والتجمع العائلي. لذلك تؤكد التقارير أن الكثير من المجمعات الكبرى ما زالت تحقق نسب إشغال مرتفعة.
إجمالا، تتميز التجارة الإلكترونية بمميزات جاذبة لشريحة واسعة من المستهلكين، أبرزها سهولة المقارنة بين الأسعار، وتنوع الخيارات، والعروض المستمرة، إلى جانب توفير الوقت والجهد. وهذا ما دفع كثيراً من المتاجر التقليدية إلى إعادة النظر في أساليب البيع، خاصة مع تغير سلوك المستهلك الذي أصبح يميل إلى الراحة والسرعة.
لكن في المقابل، ما تزال المجمعات التجارية تحافظ على جاذبيتها من خلال تقديم تجربة يصعب استبدالها رقمياً، مثل مشاهدة المنتجات مباشرة، والتجربة قبل الشراء، إضافة إلى كونها وجهة ترفيهية واجتماعية تضم المطاعم ودور السينما والفعاليات. لهذا.
وبالتالي يؤكد مختصون أن العلاقة بين الطرفين لم تعد قائمة على الإقصاء، بل على التنافس والتكامل في آن واحد. فالعديد من العلامات التجارية باتت تجمع بين المتجر الفعلي والمنصة الإلكترونية، ضمن نموذج يتيح للمستهلك التسوق عبر القناتين حسب حاجته.
ولكن هذا لا يعني ان المجمعات التجارية لا تواجه تحديا كبيرا يتمثل في مواكبة التغيرات وتبني حلول تقنية وخدمات جديدة.
ما يذهب اليه الاقتصاديون، هو أنه أن المجمعات التجارية ليست في طريقها للاختفاء، لكنها تواجه مرحلة إعادة تعريف. والنجاح لم يعد مرتبطًا فقط بعدد المحلات والماركات العالمية، بل بقدرة المجمع على تقديم تجربة لا يوفرها التسوق الالكتروني. من هنا يتوقع العقاريون اننا سنشهد في الفترات القادمة تراجعا في المجمعات التقليدية، ونموا في المجمعات «متعددة الاستخدام» التي تجمع التسوق والطعام والفعاليات والخدمات.
وبالتالي يمكن تلخيص اهم تأثيرات التجارة الالكترونية على المجمعات التجارية في النقاط التالية:
- تراجع جاذبية المجمعات التقليدية التي لم تدمج التكنولوجيا أو الترفيه، فهذه مهددة بمعدلات فراغ مرتفعة.
- التحول نحو المستودعات ومراكز التوزيع.
- الانتقال من دور التسوق الى صناعة التجربة والأنشطة الترفيهية.
- المطابخ السحابية أصبحت جزءًا من العقار التجاري لدعم نمو خدمات التوصيل الغذائي.
- أعادة تصميم الكثير من المجمعات لتتناسب وأدوارها الجديدة، مثل توفير مساحات ترفيهية والعاب ومطاعم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك