يعد بناء منزل العمر تجربة فريدة وربما وحيدة يمر بها الفرد. وبقدر ما تحمل التجربة من حماس وترقب، بقدر ما يصاحبها قلق وضغط ومشاكل تكاد تكون متشابهة ومكررة.
مؤسس مكتب المئة مبدع للاستشارات الهندسية المهندس محمد عرب، ومن واقع إشرافه ومتابعته لمئات المشاريع، يلخص أبرز ستة أخطاء يقع فيها الأفراد عند بناء مشروع عقاري، لافتا إلى الخطأ الأول الذي يقع فيه كثيرون هو غياب التخطيط المالي الدقيق للمشروع، أو ضعف الميزانية. مضيفا: «في كثير من المشاريع التي يتم بناؤها، نلاحظ منازل متوقفة أو غير مكتملة، وصلت إلى مرحلة الهيكل وبقيت على هذا الحال سنوات. غالباً ما يكون السبب الأرجح هو أن صاحب المشروع وصل إلى مرحلة معينة من البناء ثم توقف، لأنه لم يكن قد حسب الالتزامات المالية بشكل صحيح.
في البداية، يقوم صاحب المنزل بأخذ المخططات، ومقابلة المقاول، ورؤية المشروع بحماس كبير، ثم يبدأ البناء بطاقة عالية، لكنه يصل لاحقاً إلى مرحلة لا يستطيع فيها إكمال المشروع. فيصبح بلا منزل مكتمل، ولا أموال كافية، ولا قدرة على الاستمرار في البناء. وهذه من أكثر الأخطاء الشائعة التي تسبب ضغطاً نفسياً ومالياً وجهداً كبيرا. لذلك من الضروري أن يكون هناك تخطيط مالي دقيق، مع حساب جميع الالتزامات منذ البداية بما في ذلك المصاريف الخفية».
والخطأ الثاني الذي يقع به عدد ليس بالقليل، هو عدم استخدام وسائل التهوية والتوجيه الحراري بالشكل الكافي والصحيح، لذلك عندما تدخل إلى بعض المنازل تجدها شديدة الحرارة أو تفتقر إلى التهوية المناسبة، والسبب أن التصميم لم يأخذ بعين الاعتبار التوجيه الحراري ولا حركة الرياح، ولا موقع الأرض داخل المدينة، ولا بعدها عن البحر أو وجود الرطوبة في المنطقة.
وكثير من الناس يكتفون باعتبارات بسيطة، مثل أن يكون مدخل المنزل على الشارع الرئيسي، ثم يضعون النوافذ في الواجهة دون دراسة. لكن قد تكون هذه الجهة معرضة لشمس قوية جداً، مما يجعل المنزل غير مريح حرارياً.
لذلك، خاصة في المشاريع السكنية مثل الفلل، يجب أن يكون هناك مرونة في التصميم تسمح بالتحكم في فتحات النوافذ وشكل الواجهات. ومن الضروري أن يُصمم المنزل وفقاً لمبادئ التصميم المعماري الصحيحة، بحيث يتم دراسة التوجيه الحراري بشكل دقيق، ليكون المنزل بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء، دون الحاجة إلى استهلاك كبير للطاقة في التبريد أو التدفئة. كما يجب أن يوفر المنزل جلسات مريحة، ومناظر مظللة، وتهوية جيدة.
أما الخطأ الثالث، فهو عدم وجود مخططات مسبقة وتأجيل جميع الأمور إلى وقت التنفيذ. فكثير من الناس يؤجلون كل شيء إلى آخر لحظة، مثل شراء السيراميك عند طلب المقاول، أو اختيار المطبخ عند الانتهاء من البناء، أو اختيار الإضاءة في مرحلة متأخرة.
هذا الأسلوب يؤدي إلى خسارة كثير من الفرص مثل العروض الموجودة في السوق، كما يجبرك على قبول الخيارات المتاحة فقط في وقت ضيق، لأنك تكون تحت ضغط الوقت. وهذا بدوره يؤثر أيضاً على القرارات المالية ويجعلك أقل قدرة على الاختيار الصحيح.
لذلك يجب أن يكون كل شيء مجهزاً ومخططاً له منذ البداية، حتى في مرحلة الهيكل. يجب أن تكون لديك مخططات واضحة، وعروض أسعار جاهزة، واتفاقات مع الشركات، وجدول زمني محدد.
ومثال ذلك، يجب أن يكون لديك اتفاق مع شركة المطابخ مبكراً، مع تحديد التصميم والتكلفة والدفع المسبق إن لزم الأمر، بحيث تكون الأمور المالية واضحة منذ البداية، وتضمن أفضل الأسعار وأفضل الخيارات. ولا تترك الأمور حتى اللحظة الأخيرة، بل قم بتنظيمها من البداية، فهذا سيوفر عليك المال والوقت، ويمنحك نتائج أفضل من الناحية الجمالية والتنظيمية.
ومن الأخطاء المنتشرة أيضا اتباع ما يمكن اعتباره «ترندات» وبشكل غير مدروس، سواء في التصميم أو المواد أو الأفكار الجديدة.
وهنا فإن نصيحتي من واقع التجربة: لا تجعل منزلك مكاناً للتجارب. فلكل ذوقه وتفضيلاته وتجربته. يمكنك التجربة في أمور بسيطة مثل الملابس أو الهاتف أو حتى السيارة، حيث يمكنك تغييرها لاحقاً إذا لم تعجبك. لكن المنزل يُبنى مرة واحدة غالباً، ويُستخدم من قبل العائلة سنوات طويلة، لذلك أي خطأ فيه قد يرافقك فترة طويلة.
لهذا السبب لا أنصح باتباع الأفكار غير المجربة أو الصيحات المؤقتة، لأن بعضها قد يبدو جيداً في وقت معين، لكنه قد يصبح مزعجاً أو غير مناسب مع مرور الوقت. لذلك من الأفضل اختيار الأشياء المضمونة والمجربة، والمستدامة، وليس بالضرورة أن تكون باهظة الثمن، ولكنها عملية وثابتة.
وهنا نصل الى الخطأ الخامس وهو تحويل عملية بناء المنزل إلى محور الحياة بالكامل عدة سنوات. فغالبية الناس وخلال بناء منازلهم يضطرون إلى تغيير نمط حياتهم بالكامل، فيتوقفون عن الأنشطة الاجتماعية، ويقل خروجهم، ويصبح كل تركيزهم على المشروع. وترى الشخص يذهب مباشرة من العمل إلى المنزل، وكأن حياته أصبحت محصورة في مشروع البناء فقط، وكأنه المقاول والمشرف والمالك في الوقت نفسه. هذه السنوات هي في الحقيقة سنوات مهمة في حياة الإنسان، يجب أن يعيش فيها بشكل طبيعي، ويتعلم ويستمتع ويطور مهاراته، ولا يجعل البناء يستهلك كل وقته وطاقة حياته.
والحل هو أن تستعين بمختصين أو استشاريين، أو شركات إدارة مشاريع موثوقة، حتى لو دفعت مبلغاً إضافياً، لأن ذلك يوفر عليك الوقت والجهد ويخفف الضغط. لا تجعل المشروع يسيطر عليك بشكل كامل، بل أعطه حجمه الطبيعي وإدارته المناسبة.
الخطأ السادس والأخير هو إهمال الجودة والدقة في أعمال البنية التحتية الأساسية خاصة الكهرباء والسباكة والعزل. فكثير من الناس يركزون على التشطيبات والديكور والشكل الخارجي، ويهملون الأعمال الأساسية مثل تمديدات المياه، والصرف الصحي، والعزل، والتوصيلات الكهربائية.
نعم قد لا يتأثر البناء الأساسي مع الأيام، ولكن الخطأ في أعمال المياه أو الصرف أو العزل يمكن أن يؤثر بشكل كبير في حياتك اليومية، مثل ظهور الرطوبة، أو مشاكل في الأرضيات، أو تسربات المياه، أو مشاكل كهربائية.
لذلك يجب الحرص على جودة المواد المستخدمة حتى لو كانت مكلفة، وأن يتم فحص جميع هذه الأعمال بشكل دقيق قبل إغلاق الجدران أو تركيب السيراميك. ويجب إجراء اختبارات متعددة مثل اختبار الضغط للمياه، واختبارات العزل، واختبارات الكهرباء، والتأكد من جودة التنفيذ قبل الانتقال إلى المراحل النهائية. فهذه الأمور في غاية الأهمية، وإهمالها قد يسبب مشاكل كبيرة لاحقاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك