لا تعد الأزمات السياسية او الجيوسياسية مجرد عامل أمني يمر من دون آثار، بل أصبحت مؤثرا اقتصاديًا مباشرًا على قرارات المستثمرين العقاريين، خاصة في الأسواق التي ترتبط بحركة رؤوس الأموال الخارجية. وبالتالي، وعلى الرغم من أن القطاع العقاري أحد أهم الملاذات الاستثمارية الآمنة، فإن الاضطرابات الإقليمية قد لا توقف الاستثمارات العقارية لكنها تسهم في تغيير أنماطها.، حيث يرى الخبراء أن الأزمات لا تؤدي عادة إلى انسحاب رؤوس الأموال من السوق بالكامل، بل إلى إعادة التموضع. فبدل الخروج من المنطقة، ينتقل المستثمر من المشاريع عالية المخاطر إلى العقارات السكنية المستقرة أو المواقع التي تعد أكثر أمانًا سياسيًا. كما أن السيولة قد تتراجع عند التصعيد، بينما تتأخر الأسعار في التفاعل، ما يجعل حجم التداول أول مؤشر على القلق.
هناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا الجانب، فمثلا تؤكد بيانات صندوق النقد الدولي أن الأزمات الجيوسياسية تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم عنصر السيولة قبل الربحية، إذ تتراجع الصفقات الكبيرة أولًا، بينما يتجه المستثمرون إلى الأصول الجاهزة والمدرة للدخل بدل المشاريع المستقبلية أو المضاربة. كما أن العقار خلال الأزمات يصبح أكثر ارتباطًا بالظروف المالية وأسعار الفائدة والتمويل.
فيما خلصت دراسة نشرتها Journal of Multinational Financial Management حول أسواق العقار الخليجية بين عامي 2013 و2023، إلى أن الصدمات السياسية تؤدي إلى ارتفاع مؤقت في الترابط بين الأسواق العقارية الخليجية، مع انتقال سريع لحالة الحذر بين المستثمرين، لكن التأثير غالبًا يكون قصير الأجل ويختلف من دولة لأخرى بحسب قوة الاقتصاد المحلي ومستوى الثقة التنظيمية.
وأكد تقرير Savills Research (الشركة العالمية المتخصصة في مجال الخدمات والأبحاث العقارية)، فيؤكد أن المخاطر الجيوسياسية رفعت ما يسمى «علاوة المخاطر» على الاستثمار العقاري؛ أي أن المستثمر يطلب عائدًا أعلى مقابل الاستثمار في المناطق القريبة من التوتر. وهذا ينعكس مباشرة على تباطؤ البيع على الخارطة، وارتفاع الطلب على العقارات المكتملة في المواقع المركزية.
تأثيرات على القطاع
وقد تمتد التأثيرات إلى التمويل العقاري أيضًا، إذ يؤدي التوتر السياسي إلى ارتفاع أسعار النفط، ومن ثم التضخم، ما قد يرفع الفائدة ويزيد كلفة الاقتراض. وهذا ما أكده تقرير للـمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأن المخاطر الجيوسياسية أصبحت أكبر مصدر قلق للاستقرار المالي العالمي، مع انعكاسات مباشرة على تقييم الأصول العقارية وأسعارها.
ولا يختلف الأمر كثيرا في الأزمات السياسية بالشرق الأوسط، حيث تُحدث ارتباكًا مباشرًا في قرارات المستثمرين العقاريين، فهي كما يؤكد الاقتصاديون تزيد من المخاطر، وترفع تكاليف البناء والتمويل، وتدفع المستثمرين نحو العقارات الجاهزة أو الأسواق الأكثر استقرارًا. ومع ذلك، يبقى العقار ملاذًا آمنًا نسبيًا مقارنة بالأسهم والعملات، خاصة في المدن الكبرى ذات الطلب المستمر.
وبالتالي يمكن القول بأن انعدام الاستقرار السياسي قد يؤدي إلى عدة نتائج منها:
- تراجع الثقة في السوق العقارية، حيث يفضل المستثمرون الانتظار حتى وضوح المشهد السياسي قبل ضخ رؤوس أموال جديدة. الانتخابات أو النزاعات غالبًا ما تسبب تباطؤًا في عمليات البيع والشراء.
- التضخم العقاري، فالأزمات الجيوسياسية الكبرى مثل إغلاق مضيق هرمز رفعت تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، ما ينعكس مباشرة على أسعار مواد البناء ويزيد من كلفة المشروعات العقارية ويؤدي إلى زيادة أسعار البيع وتأخير التسليمات.
- تراجع القوة الشرائية بسبب الضغوط اقتصادية.
- تذبذب التمويل، حيث قد تتشدد البنوك في منح القروض العقارية خلال فترات عدم اليقين السياسي.
سلوك المستثمرين
وهنا قد تتغير أنماط سلوك المستثمرين أثناء الأزمات، ومن ذلك:
- التحول نحو العقارات الجاهزة، ففي أوقات التوتر، يفضل المستثمرون الوحدات المكتملة لتجنب مخاطر تأخر الإنشاء وارتفاع التكاليف.
- تنويع المحفظة العقارية، حيث يتجه المستثمرون إلى الجمع بين العقارات السكنية والتجارية والمستودعات لتقليل المخاطر الكلية.
- الاعتماد بشكل أكبر على السوق المحلي بسبب تراجع الاستثمار الأجنبي أثناء الأزمات، وبالتالي يعيد المطورون تركيزهم على المشترين المحليين.
في الخليج
كل ذلك يجعل العقار يقف عند مفترق طرق بين مخاطر الأزمات السياسية وفرص الإصلاحات. وهذا ما يقودنا الى سؤال حول كيف تتعامل دول منطقة الخليج العربي بشكل خاص مع هذا التحدي؟
في الواقع، بينما تدفع التوترات المستثمرين إلى الحذر والبحث عن الأمان في العقارات الجاهزة، تسعى حكومات المنطقة الى خلق بيئة آمنة عبر التشريعات الحديثة وتعزيز الثقة وجذب رؤوس الأموال. وعلى الرغم من تعرض السوق العقارية الى التقلب بسبب الأوضاع، إلا أنها تظل أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بالأسواق المالية الأخرى، ما يجعلها خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد رغم العواصف السياسية.
ويمكن القول بأن القطاع العقاري الخليجي واجه الأزمات السياسية عبر استراتيجيات ذكية هدفها تحصين السوق ضد الصدمات، ومن ذلك تنويع مصادر التمويل، والدعم الحكومي المباشر للمشاريع الكبرى، والتركيز على الطلب المحلي المستمر، وتطوير مناطق اقتصادية خاصة لجذب المستثمرين رغم التوترات. كل ذلك جعل السوق أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالأسواق الأخرى.
فمثلا في المملكة العربية السعودية، ارتكزت السياسة على المشاريع طويلة الأجل المدعومة حكوميًا مثل نيوم ومشاريع الإسكان، ما ضمن استقرار السوق حتى في فترات التوتر. كما ان الدعم الحكومي المباشر جعل المستثمرين أكثر ثقة بأن هذه المشاريع لن تتوقف رغم الأزمات.
وفي الإمارات، اعتمدت على تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة، إلى جانب تنويع مصادر التمويل، ما جذب المستثمرين الأجانب ووفر لهم بيئة تشريعية وضريبية مستقرة نسبيًا، وهذا ما قلل من أثر التوترات الإقليمية على قراراتهم الاستثمارية.
في البحرين، كان التركيز على الطلب المحلي عبر مشاريع إسكانية مدعومة حكوميًا. وهذه السياسة عززت ثقة المستثمرين المحليين، وأبقت السوق مرنًا وقادرًا على الاستمرار حتى مع تراجع الاستثمارات الأجنبية، وجعلت السوق العقاري أقل تعرضًا للصدمات الحادة مقارنة ببعض الأسواق الأخرى.
فيما اتبعت عُمان نهجًا يعتمد على استقرار السوق المحلي وتطوير مشاريع سكنية وتجارية متوازنة. وهذا ما جعل السوق قادرًا على امتصاص الصدمات من دون الدخول في مغامرات استثمارية عالية المخاطر.
أضف الى ذلك، اعتماد دول الخليج على عدة استراتيجيات ناجحة منها:
- تنويع مصادر التمويل والاستثمار، مثل الاعتماد على الصناديق السيادية وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتقليل المخاطر على المستثمرين، والتوسع في الاستثمارات الخارجية لتخفيف أثر الأزمات المحلية على المحافظ العقارية.
- التركيز على الطلب المحلي المستمر خاصة الوحدات السكنية والخدمات الأساسية، ما يوفر قاعدة طلب مستقرة حتى في أوقات التوتر.
- المشاريع طويلة الأجل المدعومة حكوميًا مثل نيوم في السعودية واللؤلؤة في قطر، وهذا ما يقلل من احتمالات توقفها حتى في فترات الأزمات.
- تطوير مناطق اقتصادية خاصة ومدن ذكية، وهذا ما ركزت عليه البحرين والإمارات مثلا، كالمناطق الحرة والمشاريع الذكية لجذب المستثمرين الأجانب رغم التوترات الإقليمية. وهذه المناطق توفر حوافز ضريبية وتشريعية تقلل من أثر الأزمات السياسية على قرارات الاستثمار.
وكل ذلك يعكس تنوع الأدوات الخليجية في مواجهة الأزمات السياسية، لكنها جميعًا تؤكد أن العقار يظل ركيزة أساسية في خطط التنويع الاقتصادي بعيدًا عن النفط، وأنه قادر على الصمود أمام التوترات إذا ما دُعم بسياسات حكومية واضحة وتمويل مستقر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك