العدد : ١٧٥٧٧ - الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٧ - الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مخاطر التضليل المعلوماتي للذكاء الاصطناعي أثناء الحروب

بقلم: د. فاطمة عبدالفتاح

الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

مثلت‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الإيرانية‭ ‬منذ‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬نموذجاً‭ ‬حياً‭ ‬لتوظيف‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬المحتوى‭ ‬المزيف‭ ‬لأغراض‭ ‬الدعاية‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُمثل‭ ‬امتداداً‭ ‬للدور‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬حربي‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وغزة،‭ ‬وجزءاً‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬أوسع‭ ‬يتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التوظيف‭ ‬الممنهج‭ ‬للمحتوى‭ ‬المولد‭ ‬إبان‭ ‬الأزمات؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬سرديات‭ ‬تشتت‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬وتلوث‭ ‬مصادر‭ ‬المعلومات‭ ‬العامة،‭ ‬وتعوق‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬المواقف‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬مرتبكة‭ ‬بالأساس،‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬تجعل‭ ‬المتلقين‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الفرز‭ ‬والتحقق‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬وعدم‭ ‬التأكد‭.‬

وقد‭ ‬استدعى‭ ‬ذلك‭ ‬أفكار‭ ‬‮«‬الواقعية‭ ‬المفرطة‮»‬‭ (‬Hyperreality‭) ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬بودريار‭ ‬في‭ ‬تأملاته‭ ‬حول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والثقافة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬تآكل‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬وتمثيلاته‭ ‬بفعل‭ ‬التقنيات‭ ‬الرقمية؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يصعب‭ ‬فقط‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬ومحاكاته،‭ ‬ولكن‭ ‬تنفصل‭ ‬العلامات‭ ‬عن‭ ‬مرجعياتها‭ ‬الواقعية‭ ‬في‭ ‬محاكاة‭ ‬مرئية‭ ‬تختلق‭ ‬واقعاً‭ ‬بديلاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬بذاته‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬المشبعة‭ ‬بالعلامات‭ ‬والرموز‭ ‬المصطنعة‭ ‬المولدة،‭ ‬يصبح‭ ‬الوعي‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التشويش‭ ‬والخداع،‭ ‬تربك‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والاصطناع؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تزداد‭ ‬مخاطره‭ ‬مع‭ ‬توظيف‭ ‬تلك‭ ‬التمثيلات‭ ‬المزيفة‭ ‬لنشر‭ ‬المعلومات‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب‭.‬

تفكيك‭ ‬البناء‭ ‬الدعائي‭:‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬مساعدة‭ ‬لإنتاج‭ ‬المحتوى‭ ‬المضلل؛‭ ‬لكنه‭ ‬يُعيد‭ ‬تصميم‭ ‬الحدث‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جعله‭ ‬أكثر‭ ‬إقناعاً‭ ‬وتأثيراً؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬المُلح،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الهجمات‭ ‬تقع‭ ‬بالفعل؛‭ ‬لماذا‭ ‬تحتاج‭ ‬آلة‭ ‬الدعاية‭ ‬العسكرية‭ ‬لمحتوى‭ ‬اصطناعي‭ ‬يحاكي‭ ‬واقعاً‭ ‬يوجد‭ ‬بالفعل‭ ‬ما‭ ‬يوثقه؟‭ ‬لتتكشف‭ ‬الإجابة‭ ‬بأن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬هنا‭ ‬بكونه‭ ‬زيفاً؛‭ ‬لكنه‭ ‬مطلوب‭ ‬لتمثيل‭ ‬الواقع‭ ‬بطريقة‭ ‬أكثر‭ ‬درامية؛‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تأثيراً،‭ ‬ولإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬كيف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭. ‬فهو‭ ‬يعيد‭ ‬إخراج‭ ‬الواقع‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬جمالية‭ ‬تقدم‭ ‬تجربة‭ ‬أكثر‭ ‬بروزاً‭ ‬ووضوحاً‭ ‬واكتمالاً،‭ ‬وتنتج‭ ‬سردية‭ ‬للانتصار‭ ‬يتصدرها‭ ‬غالب‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬مهزوم‭ ‬مؤكد،‭ ‬ويتعزز‭ ‬انتشارها‭ ‬وسط‭ ‬حالة‭ ‬الارتباك‭ ‬المأزوم‭ ‬التي‭ ‬تعلو‭ ‬فيها‭ ‬قيم‭ ‬الحشد‭ ‬والشحن‭ ‬العاطفي‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬والتقييم‭ ‬العقلي‭. ‬

وبالتطبيق‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭ ‬الراهنة،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تفنيد‭ ‬المقاطع‭ ‬المزيفة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إنشاؤها‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬ورصدتها‭ ‬خدمات‭ ‬التدقيق‭ ‬المعلوماتي‭ ‬بمؤسسات‭ ‬إعلامية‭ ‬دولية‭ ‬مثل‭ ‬إذاعة‭ ‬ألمانيا‭ ‬ووكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬الفرنسية‭ ‬ووكالة‭ ‬أسوشيتد‭ ‬برس،‭ ‬ونيويورك‭ ‬تايمز؛‭ ‬يمكن‭ ‬تفنيد‭ ‬الاصطناع‭ ‬البصري‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬المقاطع‭ ‬الدعائية‭ ‬المولدة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والمستهدف‭ ‬منها،‭ ‬بالتركيز‭ ‬على‭ ‬المقاطع‭ ‬المحاكية‭ ‬للواقع‭ ‬وليست‭ ‬المولدة‭ ‬للتعبير‭ ‬الجرافيكي،‭ ‬وذلك‭ ‬كالتالي‭:‬

1-‭ ‬امتياز‭ ‬الرؤية‭ ‬الكاملة‭: ‬تتضمن‭ ‬المقاطع‭ ‬المصطنعة‭ ‬زوايا‭ ‬التقاط‭ ‬مثالية،‭ ‬لتظهر‭ ‬لحظة‭ ‬الاصطدام‭ ‬بوضوح‭ ‬كامل،‭ ‬بل‭ ‬وتتابع‭ ‬الانفجار‭ ‬الهائل‭ ‬وآثاره‭ ‬التدميرية‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬جلية‭ ‬وضخمة‭ ‬ومفعمة‭ ‬بالركام‭ ‬والدخان‭ ‬الكثيف‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تحققه‭ ‬اللقطات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬مسافات‭ ‬بعيدة،‭ ‬ملتقطة‭ ‬بواسطة‭ ‬أفراد‭ ‬عاديين‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬ملاجئ‭ ‬أو‭ ‬أماكن‭ ‬آمنة،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬الصواريخ‭ ‬كنقاط‭ ‬ضوء‭ ‬والانفجارات‭ ‬كوميض‭ ‬غير‭ ‬محدد‭. ‬ويتعزز‭ ‬ذلك‭ ‬بإضافة‭ ‬أجواء‭ ‬مقصودة‭ ‬لرفع‭ ‬مستوى‭ ‬الدراما‭ ‬والإثارة‭ ‬البصرية‭ ‬وتعظيم‭ ‬الإحساس‭ ‬بالخطر،‭ ‬ولتعزيز‭ ‬المصداقية‭ ‬أيضاً،‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬المقاطع‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬ليلية،‭ ‬حيث‭ ‬تتوهج‭ ‬السماء‭ ‬بألوان‭ ‬الانفجارات‭ ‬وسط‭ ‬الدخان‭ ‬الكثيف‭ ‬والخلفيات‭ ‬الداكنة،‭ ‬أو‭ ‬جعلها‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬ملتقطة‭ ‬من‭ ‬أقمار‭ ‬اصطناعية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬كاميرات‭ ‬ليلية‭ ‬أو‭ ‬حرارية‭.‬

2-‭ ‬انتقاء‭ ‬مواقع‭ ‬ذات‭ ‬دلالات‭ ‬رمزية‭ ‬قوية‭: ‬إن‭ ‬اختيار‭ ‬معالم‭ ‬معروفة‭ ‬ومناطق‭ ‬عسكرية‭ ‬ومطارات‭ ‬دولية‭ ‬وغيرها،‭ ‬وهي‭ ‬تتعرض‭ ‬للقصف‭ ‬والاشتعال،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬العبث،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬اختيار‭ ‬مقصود‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬دلالي‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬وذي‭ ‬حمولة‭ ‬رمزية‭ ‬عالية؛‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬التمثيل‭ ‬البصري‭ ‬لهذه‭ ‬المواقع‭ ‬وهي‭ ‬مدمرة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬وقوع‭ ‬ضربة؛‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يوحي‭ ‬بتراجع‭ ‬الهيبة‭ ‬وانتهاك‭ ‬السيادة‭.‬

3‭- ‬الحشد‭ ‬العاطفي‭: ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬البنية‭ ‬البصرية‭ ‬للمحتوى‭ ‬المولد‭ ‬على‭ ‬مشاهد‭ ‬القصف‭ ‬والانفجار،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬عاطفة‭ ‬جماعية‭ ‬مصممة‭ ‬تستدعي‭ ‬قيم‭ ‬التآزر‭ ‬والانحياز،‭ ‬مثل‭ ‬فبركة‭ ‬منشورات‭ ‬لمشاهير‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬حملات‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬لطرف‭ ‬ضد‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الراهنة‭. ‬ويتكامل‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬توليد‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬وصور‭ ‬لجنود‭ ‬باكين‭ ‬أو‭ ‬منهارين‭ ‬نفسياً،‭ ‬تستحضر‭ ‬البكاء‭ ‬كعلامة‭ ‬بصرية‭ ‬على‭ ‬اختلال‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬ورمز‭ ‬لهزيمة‭ ‬الخصم،‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬عاطفي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الاحتفاء‭ ‬كدليل‭ ‬رمزي‭ ‬على‭ ‬استحقاق‭ ‬الهزيمة،‭ ‬وهو‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الإدراك‭ ‬العاطفي‭ ‬للحرب،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬الحدث؛‭ ‬بل‭ ‬يوجه‭ ‬كيفية‭ ‬الشعور‭ ‬تجاهه‭.‬

تفتح‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬إمكانات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأحداث‭ ‬زمنياً‭ ‬داخل‭ ‬المحتوى‭ ‬البصري،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬عرض‭ ‬مشاهد‭ ‬مزيفة‭ ‬أو‭ ‬معدلة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬محددة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالأزمة‭ ‬أو‭ ‬الصراع،‭ ‬وهو‭ ‬التلاعب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬مشاهد‭ ‬غير‭ ‬حقيقية؛‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬الإحساس‭ ‬بتسلسل‭ ‬الأحداث؛‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الانطباع‭ ‬العام‭ ‬وتوجيه‭ ‬الانفعالات‭.‬

وتكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬دون‭ ‬آخر،‭ ‬فبينما‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تُتهم‭ ‬إيران‭ ‬بالوقوف‭ ‬خلف‭ ‬تلك‭ ‬المقاطع‭ ‬وتنظيم‭ ‬حملات‭ ‬منسقة‭ ‬لنشرها‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬قامت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باستخدام‭ ‬مواد‭ ‬دعائية‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬لقطات‭ ‬حقيقية‭ ‬ومشاهد‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬وألعاب‭ ‬فيديو‭ ‬لتمجيد‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية؛‭ ‬وهو‭ ‬الاستخدام‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬كتزييف؛‭ ‬بل‭ ‬كوسيلة‭ ‬فعالة‭ ‬لإظهار‭ ‬القوة،‭ ‬حسب‭ ‬وصف‭ ‬المتحدثة‭ ‬باسم‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭. ‬ويهدف‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إضفاء‭ ‬الشرعية‭ ‬على‭ ‬التوظيف‭ ‬الدعائي‭ ‬لتقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬ولا‭ ‬تجعله‭ ‬أداة‭ ‬تضليل‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬منبوذة‭ ‬إعلامياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬بل‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الرسمي‭.‬

وهذه‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬ببيئة‭ ‬الاتصال‭ ‬المعلوماتي‭ ‬والإعلام،‭ ‬لا‭ ‬تنفي‭ ‬المخاطر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للمحتوى‭ ‬المزيف‭ ‬المولد‭ ‬اصطناعياً‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرسمية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الأزمات‭ ‬والحروب،‭ ‬وإرباك‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬عبر‭ ‬الشائعات،‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وإضعاف‭ ‬قدرة‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬معلوماتية‭ ‬ملوثة‭.‬

تحولات‭ ‬استراتيجية‭:‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬كظواهر‭ ‬عابرة؛‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الاتصالية‭ ‬لا‭ ‬سيّما‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬ترسانة‭ ‬الصراع؛‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬دائرته‭ ‬الأساسية،‭ ‬منتقلاً‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬إلى‭ ‬الإدراك‭ ‬العام،‭ ‬وما‭ ‬يُكونه‭ ‬الجمهور‭ ‬من‭ ‬تصورات‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بالفعل‭. ‬ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حرب‭ ‬لإدارة‭ ‬المعنى،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬وفق‭ ‬آليات‭ ‬الانتفاء‭ ‬الإعلامي‭ ‬التقليدية،‭ ‬ولكن‭ ‬بتقنيات‭ ‬بناء‭ ‬واقع‭ ‬بديل‭ ‬لا‭ ‬أصل‭ ‬له؛‭ ‬تعيد‭ ‬الحقيقة‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬الرؤية‭ ‬دليلاً‭ ‬كافياً‭ ‬على‭ ‬التصديق،‭ ‬وفي‭ ‬عصر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬رؤية‭ ‬الشيء‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬حدوثه؛‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها‭ ‬أداة‭ ‬للتضليل‭.‬

وينعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬الدعاية‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬الجمهور‭ ‬برواية‭ ‬واحدة‭ ‬متماسكة؛‭ ‬تتجه‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬إلى‭ ‬إغراق‭ ‬المجال‭ ‬العام‭ ‬بروايات‭ ‬متعددة؛‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬متناقضة،‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬الإقناع،‭ ‬بل‭ ‬الإرباك‭ ‬والتشتيت،‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬قيمة‭ ‬التفنيد‭ ‬أمام‭ ‬المكاسب‭ ‬الفورية‭ ‬التي‭ ‬يحققها‭ ‬المحتوى‭ ‬المضلل‭ ‬بمجرد‭ ‬نشره،‭ ‬حيث‭ ‬تتلقفه‭ ‬المجتمعات‭ ‬الرقمية‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬تداوله‭ ‬وانتشاره‭ ‬وتضخيم‭ ‬تأثيره‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تم‭ ‬نفيه‭ ‬وتكذيبه؛‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬الجهات‭ ‬المنتجة‭ ‬إلى‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬توظيفه‭.‬

وأمام‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬الخطرة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الإدراك‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الصراع،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬المعرفي‮»‬‭ ‬وتوطيد‭ ‬بنيته‭ ‬وركائزه،‭ ‬وهو‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬ناقشه‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬آلان‭ ‬تورينج‮»‬‭ (‬The‭ ‬Alan‭ ‬Turing‭ ‬Institute‭) ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬له‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬كمصطلح‭ ‬شامل‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المجتمعات‭ ‬المعلومات‭ ‬وتوزعها‭ ‬وتقيمها‭ ‬وتستوعبها،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬تقوض‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬صحة‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬موثوقية‭ ‬مصادرها؛‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مستنيرة‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬وعلى‭ ‬تنسيق‭ ‬الإجراءات‭ ‬استجابة‭ ‬للأزمات‭.  ‬

 

{‭ ‬أكاديمية‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الإعلامية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا