منذ عقود طويلة، تعمل إسرائيل على صرف الانتباه عن فلسطين عبر إقناع الغرب بأنها تمثل الحضارة الغربية، وأن سبب العداء لها في محيطها الإقليمي لا يتعلق بفلسطين وإنما قوة إقليمية تخترعها الواحدة بعد الأخرى وتتهمها بالمسؤولية عن نشر العداء لإسرائيل.
فبعد أن كان العدو لإسرائيل والحركة الصهيونية هو القومية العربية، صار العدو دولًا بعينها كانت أولاها العراق. وقتها جاءت اللحظة المواتية بوصول المحافظين الجدد للسلطة بأمريكا فكان غزو العراق واحتلاله. ثم صارت إيران العدو، فأعيد تفصيل الخطاب الإسرائيلي على مقاس إيران ببرنامجها النووي. وفى هذا الخطاب، تمت عمليات تضليل لمحاولة إخفاء الجرائم التي يرتكبونها في فلسطين. وقد أتت اللحظة المناسبة بوجود ترامب في السلطة. والحرب في هذا التوقيت كانت فرصة أيضًا لصرف الانتباه ليس فقط عن إبادة غزة وإنما عن التهام ما تبقى من الضفة الغربية وطرد أهلها.
إن حلفاء نتنياهو وأتباعه يعدون العدة منذ فترة لاختراع العدو الذي سيأتي بعد انتهاء الحرب مع إيران. فهناك أصوات نافذة في المعارضة والحكومة والإعلام الإسرائيلي تتحدث علنًا عن «التهديد الوجودي» الجديد الذي تمثله تركيا! وفى الأعوام الثلاثة الأخيرة، لا تزال إسرائيل في ذلك المخطط نفسه، وكأن شيئًا لم يتغير رغم أن العكس هو الصحيح.
فرغم الإبادة والدمار الشامل الذي لحق بغزة، فإن ما يتعرض له الفلسطينيون على مدار أعوام ثلاثة أدى حتى إلى تغيير مفردات الخطاب السياسي في الغرب. فبعد أن كانت نسيًا منسيًا، عادت «الصهيونية» للقاموس السياسي بعد أن بذلت إسرائيل وأنصارها جهودًا جبارة لمحوها من ذاكرة المفردات. ذلك لأن الحديث عن الأيديولوجية الصهيونية حين يختفي يسهل اعتبار أي معارض لسياسات إسرائيل معاديًا لليهود وللسامية.
والتحول لا يقتصر على المفردات، فأكثر من 60% من الأمريكيين باتت نظرتهم إلى إسرائيل اليوم سلبية، ويعارضون تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل أو حتى بيع الأسلحة الأمريكية لها. وهو ما يعارضه 75% من الناخبين الديمقراطيين، وثلثا الناخبين الذين لا ينتمون للحزبين. ورغم أنه لم يعد سرًا أن الناخبين الديمقراطيين تحديدًا صارت أغلبيتهم الساحقة ترفض إسرائيل، فإن الجديد أن 57% من شباب الجمهوريين في الفئة العمرية من 18 إلى 40 عامًا باتت نظرتهم سلبية لها.
وقد بدأت تلك النسب المئوية تأخذ أولى خطواتها المحسوسة نحو مؤسسات صنع القرار. فمجلس الشيوخ رفض مؤخرًا الموافقة على مشروع قرار كان يقضى بإبرام صفقة مقدارها 295 مليون دولار تبيع بمقتضاها شركة كيتر بيللر لإسرائيل البلدوزرات التي تهدم بيوت الفلسطينيين. لكن الأهم من رفض المشروع هو عدد من أيدوا حظر الصفقة.
فقد أيد 40 عضوًا ديمقراطيًا من أصل 47 بالمجلس حظر البيع. وللرقم دلالة مهمة، فهو أغلبية ساحقة من الديمقراطيين، ثم إن المشروع ليس المرة الأولى التي يتقدم فيها السيناتور ساندرز بمثله. لكنه حين تقدم بمشروع مشابه أول مرة، لم يتعدَّ العدد الإجمالي للديمقراطيين الذين كانوا على استعداد لمعارضة إسرائيل علنًا 12 عضوًا فقط، ثم راح الرقم يتزايد مع الوقت إلى 27 ثم 35 حتى وصل اليوم إلى 40.
ولم يعد سرًا أيضًا أن لوبي إسرائيل الذي كان الاقتراب منه مزية في الحملات الانتخابية للكونجرس بات اليوم كلمة مشبوهة.
وصار الناخبون يطلبون من المرشحين التعهد علنًا بعدم تلقي أموال منه لحملاتهم. بل صارت أعين الناخبين مفتوحة تتابع سجل السياسيين تجاه إسرائيل. فغزة كانت اللحظة الفارقة التي رأى فيها المواطن الأمريكي العادي بالصوت والصورة ما تفعله إسرائيل، فراح يفكك بنفسه عقودًا من الدعاية ويسميها باسمها. «الصهيونية».
{ باحثة مختصة في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك