العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تحولات مهمة ضد الحركة الصهيونية داخل أمريكا

بقلم: د. منار الشوربجي

الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬تعمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬صرف‭ ‬الانتباه‭ ‬عن‭ ‬فلسطين‭ ‬عبر‭ ‬إقناع‭ ‬الغرب‭ ‬بأنها‭ ‬تمثل‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية،‭ ‬وأن‭ ‬سبب‭ ‬العداء‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬الإقليمي‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بفلسطين‭ ‬وإنما‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬تخترعها‭ ‬الواحدة‭ ‬بعد‭ ‬الأخرى‭ ‬وتتهمها‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬عن‭ ‬نشر‭ ‬العداء‭ ‬لإسرائيل‭.‬

فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬العدو‭ ‬لإسرائيل‭ ‬والحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬هو‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬صار‭ ‬العدو‭ ‬دولًا‭ ‬بعينها‭ ‬كانت‭ ‬أولاها‭ ‬العراق‭. ‬وقتها‭ ‬جاءت‭ ‬اللحظة‭ ‬المواتية‭ ‬بوصول‭ ‬المحافظين‭ ‬الجدد‭ ‬للسلطة‭ ‬بأمريكا‭ ‬فكان‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬واحتلاله‭. ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬إيران‭ ‬العدو،‭ ‬فأعيد‭ ‬تفصيل‭ ‬الخطاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬إيران‭ ‬ببرنامجها‭ ‬النووي‭. ‬وفى‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬تمت‭ ‬عمليات‭ ‬تضليل‭ ‬لمحاولة‭ ‬إخفاء‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬يرتكبونها‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬وقد‭ ‬أتت‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭ ‬بوجود‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬السلطة‭. ‬والحرب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬كانت‭ ‬فرصة‭ ‬أيضًا‭ ‬لصرف‭ ‬الانتباه‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬إبادة‭ ‬غزة‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬التهام‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وطرد‭ ‬أهلها‭.‬

إن‭ ‬حلفاء‭ ‬نتنياهو‭ ‬وأتباعه‭ ‬يعدون‭ ‬العدة‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬لاختراع‭ ‬العدو‭ ‬الذي‭ ‬سيأتي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬فهناك‭ ‬أصوات‭ ‬نافذة‭ ‬في‭ ‬المعارضة‭ ‬والحكومة‭ ‬والإعلام‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تتحدث‭ ‬علنًا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬الوجودي‮»‬‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬تركيا‭! ‬وفى‭ ‬الأعوام‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المخطط‭ ‬نفسه،‭ ‬وكأن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح‭.‬

فرغم‭ ‬الإبادة‭ ‬والدمار‭ ‬الشامل‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بغزة،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أعوام‭ ‬ثلاثة‭ ‬أدى‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مفردات‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الغرب‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬نسيًا‭ ‬منسيًا،‭ ‬عادت‭ ‬‮«‬الصهيونية‮»‬‭ ‬للقاموس‭ ‬السياسي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بذلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬وأنصارها‭ ‬جهودًا‭ ‬جبارة‭ ‬لمحوها‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المفردات‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬الصهيونية‭ ‬حين‭ ‬يختفي‭ ‬يسهل‭ ‬اعتبار‭ ‬أي‭ ‬معارض‭ ‬لسياسات‭ ‬إسرائيل‭ ‬معاديًا‭ ‬لليهود‭ ‬وللسامية‭.‬

والتحول‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المفردات،‭ ‬فأكثر‭ ‬من‭ ‬60‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬باتت‭ ‬نظرتهم‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليوم‭ ‬سلبية،‭ ‬ويعارضون‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بيع‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لها‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعارضه‭ ‬75‭%‬‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬وثلثا‭ ‬الناخبين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينتمون‭ ‬للحزبين‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬سرًا‭ ‬أن‭ ‬الناخبين‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬تحديدًا‭ ‬صارت‭ ‬أغلبيتهم‭ ‬الساحقة‭ ‬ترفض‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فإن‭ ‬الجديد‭ ‬أن‭ ‬57‭%‬‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬الجمهوريين‭ ‬في‭ ‬الفئة‭ ‬العمرية‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬عامًا‭ ‬باتت‭ ‬نظرتهم‭ ‬سلبية‭ ‬لها‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬تلك‭ ‬النسب‭ ‬المئوية‭ ‬تأخذ‭ ‬أولى‭ ‬خطواتها‭ ‬المحسوسة‭ ‬نحو‭ ‬مؤسسات‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭. ‬فمجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬رفض‭ ‬مؤخرًا‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬كان‭ ‬يقضى‭ ‬بإبرام‭ ‬صفقة‭ ‬مقدارها‭ ‬295‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬تبيع‭ ‬بمقتضاها‭ ‬شركة‭ ‬كيتر‭ ‬بيللر‭ ‬لإسرائيل‭ ‬البلدوزرات‭ ‬التي‭ ‬تهدم‭ ‬بيوت‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬رفض‭ ‬المشروع‭ ‬هو‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أيدوا‭ ‬حظر‭ ‬الصفقة‭.‬

فقد‭ ‬أيد‭ ‬40‭ ‬عضوًا‭ ‬ديمقراطيًا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬47‭ ‬بالمجلس‭ ‬حظر‭ ‬البيع‭. ‬وللرقم‭ ‬دلالة‭ ‬مهمة،‭ ‬فهو‭ ‬أغلبية‭ ‬ساحقة‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬المشروع‭ ‬ليس‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يتقدم‭ ‬فيها‭ ‬السيناتور‭ ‬ساندرز‭ ‬بمثله‭. ‬لكنه‭ ‬حين‭ ‬تقدم‭ ‬بمشروع‭ ‬مشابه‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬لم‭ ‬يتعدَّ‭ ‬العدد‭ ‬الإجمالي‭ ‬للديمقراطيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لمعارضة‭ ‬إسرائيل‭ ‬علنًا‭ ‬12‭ ‬عضوًا‭ ‬فقط،‭ ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬الرقم‭ ‬يتزايد‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬27‭ ‬ثم‭ ‬35‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬40‭.‬

ولم‭ ‬يعد‭ ‬سرًا‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬لوبي‭ ‬إسرائيل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الاقتراب‭ ‬منه‭ ‬مزية‭ ‬في‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية‭ ‬للكونجرس‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬كلمة‭ ‬مشبوهة‭.‬

وصار‭ ‬الناخبون‭ ‬يطلبون‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬التعهد‭ ‬علنًا‭ ‬بعدم‭ ‬تلقي‭ ‬أموال‭ ‬منه‭ ‬لحملاتهم‭. ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬أعين‭ ‬الناخبين‭ ‬مفتوحة‭ ‬تتابع‭ ‬سجل‭ ‬السياسيين‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭. ‬فغزة‭ ‬كانت‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬رأى‭ ‬فيها‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬العادي‭ ‬بالصوت‭ ‬والصورة‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فراح‭ ‬يفكك‭ ‬بنفسه‭ ‬عقودًا‭ ‬من‭ ‬الدعاية‭ ‬ويسميها‭ ‬باسمها‭. ‬‮«‬الصهيونية‮»‬‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا