نجحت البحرين مع شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي في صد العدوان الإيراني، وأثبتت جدارتها في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي جعلت من دول الخليج هدفاً رئيسياً لها من دون مبرر سوى أوهام تعشش في أذهان من يدير مسرح العمليات العسكرية في طهران، وأحقاد دفينة تسكن في قلوبهم نابعة من أفكارهم الدينية والقومية.
النجاح العسكري الذي حققته البحرين ودول الخليج العربية كان مبهراً، ومحط إشادة من كل المراقبين والمتابعين للمشهد العسكري وهذا بفضل الله، ثم بيقظة رجالات قواتنا المسلحة البواسل الذين أثبتوا أنهم أهل لهذه المهمات الصعبة، وأنهم دائماً على أهبة الاستعداد في تنفيذ واجبهم الوطني بكل جدارة واحترافية، معتمدين على الله أولاً ثم على فهمهم واستيعابهم لمنظومات الدفاع المتطورة، فضلا عن إيمانهم العميق، وحسهم الوطني الرفيع في الدفاع عن تراب أوطانهم والذود عنها.
هذا النجاح الذي سطره رجالات قوة دفاع البحرين، يقابله نجاح آخر يسير معه في خط متواز هو نجاح المنظومات الحكومية من: تعليم وصحة ودفاع مدني وخدمات؛ حيث عملت هذه المنظومات وفق إيقاع هارموني متناسق وصل إلى درجة أن المواطن البحريني والمقيم لم يشعرا بأجواء الحرب إلا خلال فترات قصيرة جداً لا تتجاوز الدقائق في اليوم، هي تلك التي يسمع فيها صوت صافرات الإنذار بالخطر، وأزيز أصوات انفجار الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تسقطها المضادات الجوية، إذ سرعان ما يعود المواطن إلى حالته الطبيعية، وتغمره الفرحة بمجرد إعلان صافرات الإنذار بزوال الخطر.
هذا المشهد المتكرر طيلة أيام الحرب كانت الدولة حاضرة بقوة وبثبات وإصرار على بث روح الطمأنينة في نفوس المواطنين، من خلال توفير كل احتياجاتهم اليومية من غذاء وعلاج وتعليم وخدمات.
هذا الواقع الذي عاشته دول الخليج أيام الحرب، كان محل إشادة وتقدير من المتابعين والمراقبين والمحللين المنصفين للمشهد الخليجي؛ حيث وصف هؤلاء موقف دول الخليج بـقمة الحكمة وضبط النفس الاستراتيجي في إدارة الحرب، ومقدرة فائقة على حماية سيادتها وأمنها دون الانزلاق والتورط في حرب إقليمية كان سيتم دفع ثمنها من البنى التحتية والاقتصادات الوطنية.
لا شك، أن هذه الإشادات ستبقى محفورة في الذاكرة السياسية لدول الخليج، وأن التاريخ سيذكر بكل فخر واعتزاز قادة دول الخليج ومن خلفهم شعوبهم في إدارة الحرب؛ إذ إنهم أثبتوا للعالم أنهم يملكون مهارة وكفاءة عالية في إدارة الأزمات بكل تفريعاتها وتداعياتها العسكرية والمدنية، حيث استطاعت هذه الدول أن تدير دورة العمل اليومية في كل القطاعات بانسيابية وبكفاءة عالية من دون توقف أي قطاع.
في تقديري، إن هذه المنجزات التي تحققت لم تأت من فراغ، وإنما جاءت من خلال قيادات واعية استثمرت في الإنسان الخليجي، واعتبرته ثروتها الحقيقية من خلال منظومة تنموية شاملة ومتكاملة عملت تلك القيادات منذ استقلالها في سبعينيات القرن الماضي على بنائها، وقد حصدت دول الخليج نتائج هذه التنمية بصورة جلية خلال هذه الحرب؛ حيث أثبت الإنسان البحريني والخليجي جدارتهما في إدارة هذه الأزمة، وبرهنا على قدرتهما على مواجهة تداعياتها، وتميزهما في تحمل المسؤوليته المنوطة بهما؛ فكانا جديرين بالثقة التي أوكلت إليهم لذلك فهم يستحقون منا كل التقدير والامتنان، ونرفع لهما العقال على هذا التميز الذي طال كل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية.
وقد خرجت البحرين ودول الخليج العربية من هذه الحرب -التي نتمنى ألا تعود- بدروس عديدة أولها أن البغض والكره والحسد الذي يسكن ملالي إيران تجاه البحرين ودول الخليج العربية لا يزال متأصلاً في نفوسهم، وهو الذي دفعهم إلى توجيه بوصلة صواريخهم ومسيراتهم نحو دول المنطقة، وأنهم وجدوا في هذه الحرب التي شُنت عليهم من قبل أمريكا وإسرائيل فرصة ذهبية للانقضاض على دول الخليج العربية وأيضا محاولة تحريك طابورهم الخامس، وهم في هذا الاتجاه لم يميزوا بين دول الخليج، إذ كان ينظرون إليها ككتلة واحدة بدليل أن نيران صواريخهم لم تستثن أحدا من دول الخليج بما فيها تلك الدول التي ترتبط معها بعلاقات ودية مع طهران، وبناء على ذلك فإن على دول الخليج المعنية أن تدرك طبيعة النظام الإيراني، وتتعامل معه في حال بقائه بعد الحرب على هذا الأساس؛ لأنه لا يمكن إبداء أي ثقة في نوايا الإيرانيين، كما جاء في الحديث الشريف «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»
وثاني هذه الدروس، هو أن تعي دول الخليج أن هناك فئة من مواطنيها لا يزالون يحملون فكراً يقدم الهوية الأيديولوجية على الهوية الوطنية وهذا القول ليس اتهاماً، وإنما حقيقة جاءت على لسانهم عبر منصات السوشيال ميديا، وأن ملالي إيران هم من زرع هذا الفكر، وقاموا بتغذيته ورعايته وعملوا على نشره وسط اتباعهم بالمنطقة. كما أثبتت الحرب أن إيران كانت تراهن على تغيير المشهد السياسي في دول المنطقة من خلال هذه الزمرة وهي التي أعطتهم الضوء الأخضر بالتحرك السريع نحو إثارة البلبلة، ومحاولة تقويض الأمن والسلم الأهليين بمجرد اشتعال الحرب لكي يمهدوا الطريق لها للانقضاض على دول الخليج.
في اعتقادي ويشاركني كثيرون في هذا الاعتقاد أن الوقت قد حان لدول الخليج أن تعيد النظر في التعامل مع هذه الفئة، وأن تتعاطى هذه المرة معهم بأسلوب يختلف عن أساليب المرات السابقة التي غلب عليها المهادنة والصفح، وأن يتم التعامل معهم بأسلوب يتناسب مع الجرم الذي ارتكبوه بحق أوطانهم علماً أنهم لا يمثلون شريحة كبيرة في المجتمع الخليجي؛ إذ إن الشرفاء في هذه الأوطان أكثر بكثير من أولئك الذين استرخصوا تراب أوطانهم، وباعوه بثمن بخس مقابل أفكار غير واقعية، ولا تستقيم مع منطق العصر.
ثالث هذه الدروس، وهو الأهم في رأيي هو أن تدرك دول الخليج بأن عالم اليوم لا يعرف ولا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة القوة، وأن لغة الضعف ليس لها مكان في العالم الجديد الذي ستتشكل ملامحه بعد الحرب. وأن القوة المقصودة هنا ليس القوة العسكرية فحسب، وإنما القوة بمفهومها الشامل التي تتجسد في عدة عناصر: الاقتصاد، المال، التكنولوجيا، الإدارة، الصحة، التعليم، وغيرها.
ولهذا فإن المطلوب من دول الخليج في قادم الأيام، أن تسلك طريقاً جديداً في التفكير بحيث تعتمد على استراتيجيات تتلاءم مع متغيرات المرحلة القادمة التي أفرزتها الحرب الأخيرة، وهذا لن يتأتى لها إلا من خلال العمل الجاد في بناء قوتها الذاتية، لأنها الضمان الوحيد لحاضرها ومستقبلها، وهي التي ستمكنها من حجز مقعد لها في الصفوف الأمامية في نادي عالم الكبار.
في ظني -وليس كل الظن إثم- أن دول الخليج العربية قادرة على أن تكون ضمن نادي الكبار، ويكون لها بصمة في خريطة العالم الجديد لما تملكه من إمكانات تؤهلها لتكون عضواً في هذا النادي، وهذا لن يتأتى لها إلا عبر توحيد خطابها السياسي والاقتصادي والإعلامي أمام محيطها الإقليمي أولاً، ومن ثم العالمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك