أثناء الحرب العالمية الثانية لاحظ البريطانيون أن الطائرات التي كانت تخرج من المعسكرات للقتال على الجبهة الألمانية كان يسقط منها عدد كبير بقذائف العدو والقليل منها الذي يعود مصابة بآثار الرصاص في الجناحين ومنتصف الطائرة بشكل مكثف وبدرجة أقل في الجناح الخلفي في حين أن كابينة الطيار والذيل لم تُمس تقريباً، وبالتالي توصلوا إلى استنتاج أن الطائرات بحاجة إلى تدعيم الجناحين ومنتصف الطائرة لأنها الأماكن التي يسهُل إصابتها، وبالفعل تم عمل التدعيم للطائرات الجديدة وترقب المهندسون النتائج ثم كانت المفاجأة لم يحدث أي تغير حيث مازالت أغلب الطائرات تتحطم والقليل ينجو ، فقرر الجيش الاستعانة بعلماء من خارج التخصص ووقع اختيارهم على العالم: إبراهام والد وهو عالم رياضيات نمساوي فأخبرهم أنهم ببساطة استخدموا منطقاً معكوساً للنظر في تلك المسألة، فالطائرات التي تلقت الرصاص في الأجنحة والمنتصف هي ببساطة الطائرات التي عادت أي أنها تحملت هذه الإصابات ولم تسقط، بينما لم تعد طائرة واحدة مصابة في كابينة الطيار أو الذيل بما يدل أن هذه الأماكن هشة وتحتاج إلى التدعيم، وبالفعل ارتفعت نسبة الطائرات الناجية بمعدل فارق فتم تطبيق المبدأ على بقية أسلحة الجيش.
هذه القصة أصبحت بعد ذلك نموذجاً لما يسمى بتحيز الاختيار والذي يعنون به أن تحليل المعلومات قد يخضع لعملية انتقائية بناء على معطيات غير دقيقة وذلك يؤدي إلى نتائج غير صحيحة، وتُسلط نظرية تحيز الاختيار ضوءاً كاشفاً على كيفية تشكل فئة المعارضة والمتآمرين وكيفية إدراكهم للواقع فهم غالباً لا يمثلون نبض المجتمع بل يقعون ضحية لآليات إدراكية مضللة تجعلهم ينفصلون عن واقع أوطانهم.
يحيط المتآمرون أنفسهم عادةً بمجموعات تشاركهم نفس الأهداف أو الأجندات أو ما يُسمى بـ«غرف الصدى» هذا الاختيار الذاتي للمعلومات والأشخاص يؤدي إلى تضخيم الشعور بالقوة فيعتقدون أن الجميع يشاطرهم رأيهم لأن العينة التي يتعاملون معها متحيزة بالكامل بينما هم يعيشون في عمى عن الأغلبية الصامتة التي لا يخالطونها ولا ينتمون إليها فيفشلون في رؤية التماسك الوطني الحقيقي لأنهم اختاروا عينة مستاءة أو تشبههم في المصالح الضيقة لتمثيل الشعب في مخيلتهم، وحقيقتهم أنهم يعيشون داخل فقاعة إحصائية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من استقرار المجتمع وثوابته وقناعاته.
إن هؤلاء يركزون على نجاحات الانقلابات أو حدوث اضطرابات في دول أخرى وتجاهلوا مئات الحالات من الخراب والانقسام والانفلات الذي عاشته شعوب أخرى ومازالت تعاني من تبعاته الكارثية التي تخطت أجيال متعاقبة والنماذج كثيرة ومنها ما حدث في محيطنا الإقليمي، وبناءً على هذا التحيز يظنون أن تآمرهم سيؤدي إلى نتيجة إيجابية حتمية متجاهلين الحقائق المفقودة التي تشمل قصص انهيار الأمم وتشرد الشعوب نتيجة التآمر والفوضى التي يُحدثها هؤلاء في أوطانهم.
يستخدم المتآمرون التحيز التأكيدي لاختيار المعلومات التي تدعم أجنداتهم فقط على سبيل المثال إذا حدثت أزمة اقتصادية عالمية فإنهم يفسرونها على أنها فشل محلي حصري ليبرروا تآمرهم متجاهلين أي سياق موضوعي أو نجاحات أخرى لبلدانهم، غالباً ما يبرر هؤلاء أفعالهم بأنهم يتحركون باسم الشعب ويعتقدون أنهم على صواب بينما هم يغردون خارج السرب، واقعياً هم يتحدثون باسم عينة متحيزة جداً تتكون من المستفيدين من المعارضة أو مرتبطين بجهات خارجية عدائية.
إن سقوط هذه الفئة في فخ تحيز الاختيار يجعلهم يبنون وطناً متخيلاً في عقولهم لا وجود له على أرض الواقع، هذا الانفصال هو ما يدفعهم إلى الوقوع في فخ الخيانة لأنهم يظنون أن بيدهم إحداث التغيير بينما هم في الواقع يعيشون في أوهام غير واقعية ويكونون ضحايا لبيانات مضللة اختاروها بأنفسهم أو رُسمت لهم بُغيت تحقيق مصالح شخصية لذواتهم أولمن يقف خلفهم حتى وإن كان ذلك على حساب الوطن والمواطن.
{ باحث وكاتب صحفي
Abdulhadi.alkhalaqi@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك