العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٨ - الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أوهام المتآمرين على الأوطان

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لاحظ‭ ‬البريطانيون‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬المعسكرات‭ ‬للقتال‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الألمانية‭ ‬كان‭ ‬يسقط‭ ‬منها‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬بقذائف‭ ‬العدو‭ ‬والقليل‭ ‬منها‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬مصابة‭ ‬بآثار‭ ‬الرصاص‭ ‬في‭ ‬الجناحين‭ ‬ومنتصف‭ ‬الطائرة‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬في‭ ‬الجناح‭ ‬الخلفي‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬كابينة‭ ‬الطيار‭ ‬والذيل‭ ‬لم‭ ‬تُمس‭ ‬تقريباً،‭ ‬وبالتالي‭ ‬توصلوا‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬أن‭ ‬الطائرات‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تدعيم‭ ‬الجناحين‭ ‬ومنتصف‭ ‬الطائرة‭ ‬لأنها‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يسهُل‭ ‬إصابتها،‭ ‬وبالفعل‭ ‬تم‭ ‬عمل‭ ‬التدعيم‭ ‬للطائرات‭ ‬الجديدة‭ ‬وترقب‭ ‬المهندسون‭ ‬النتائج‭ ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أي‭ ‬تغير‭ ‬حيث‭ ‬مازالت‭ ‬أغلب‭ ‬الطائرات‭ ‬تتحطم‭ ‬والقليل‭ ‬ينجو‭ ‬،‭ ‬فقرر‭ ‬الجيش‭ ‬الاستعانة‭ ‬بعلماء‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬التخصص‭ ‬ووقع‭ ‬اختيارهم‭ ‬على‭ ‬العالم‭: ‬إبراهام‭ ‬والد‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬رياضيات‭ ‬نمساوي‭ ‬فأخبرهم‭ ‬أنهم‭ ‬ببساطة‭ ‬استخدموا‭ ‬منطقاً‭ ‬معكوساً‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المسألة،‭ ‬فالطائرات‭ ‬التي‭ ‬تلقت‭ ‬الرصاص‭ ‬في‭ ‬الأجنحة‭ ‬والمنتصف‭ ‬هي‭ ‬ببساطة‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬عادت‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تحملت‭ ‬هذه‭ ‬الإصابات‭ ‬ولم‭ ‬تسقط،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬طائرة‭ ‬واحدة‭ ‬مصابة‭ ‬في‭ ‬كابينة‭ ‬الطيار‭ ‬أو‭ ‬الذيل‭ ‬بما‭ ‬يدل‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأماكن‭ ‬هشة‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التدعيم،‭ ‬وبالفعل‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسبة‭ ‬الطائرات‭ ‬الناجية‭ ‬بمعدل‭ ‬فارق‭ ‬فتم‭ ‬تطبيق‭ ‬المبدأ‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬أسلحة‭ ‬الجيش‭.‬

هذه‭ ‬القصة‭ ‬أصبحت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬نموذجاً‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬بتحيز‭ ‬الاختيار‭ ‬والذي‭ ‬يعنون‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬تحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬قد‭ ‬يخضع‭ ‬لعملية‭ ‬انتقائية‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬معطيات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬وذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬صحيحة،‭ ‬وتُسلط‭ ‬نظرية‭ ‬تحيز‭ ‬الاختيار‭ ‬ضوءاً‭ ‬كاشفاً‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬تشكل‭ ‬فئة‭ ‬المعارضة‭ ‬والمتآمرين‭ ‬وكيفية‭ ‬إدراكهم‭ ‬للواقع‭ ‬فهم‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬يمثلون‭ ‬نبض‭ ‬المجتمع‭ ‬بل‭ ‬يقعون‭ ‬ضحية‭ ‬لآليات‭ ‬إدراكية‭ ‬مضللة‭ ‬تجعلهم‭ ‬ينفصلون‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬أوطانهم‭.‬

يحيط‭ ‬المتآمرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬عادةً‭ ‬بمجموعات‭ ‬تشاركهم‭ ‬نفس‭ ‬الأهداف‭ ‬أو‭ ‬الأجندات‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بـ‮«‬غرف‭ ‬الصدى‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬الذاتي‭ ‬للمعلومات‭ ‬والأشخاص‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى تضخيم‭ ‬الشعور‭ ‬بالقوة‭ ‬فيعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬يشاطرهم‭ ‬رأيهم‭ ‬لأن‭ ‬العينة‭ ‬التي‭ ‬يتعاملون‭ ‬معها‭ ‬متحيزة‭ ‬بالكامل‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬عمى‭ ‬عن‭ ‬الأغلبية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يخالطونها‭ ‬ولا‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭ ‬فيفشلون‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬التماسك‭ ‬الوطني‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأنهم‭ ‬اختاروا‭ ‬عينة‭ ‬مستاءة‭ ‬أو‭ ‬تشبههم‭ ‬في‮ ‬المصالح‭ ‬الضيقة‭ ‬لتمثيل‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬مخيلتهم،‭ ‬وحقيقتهم‭ ‬أنهم‭ ‬يعيشون‭ ‬داخل‭ ‬فقاعة‭ ‬إحصائية‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬إلا‭ ‬نسبة‭ ‬ضئيلة‭ ‬من‭ ‬استقرار‭ ‬المجتمع‭ ‬وثوابته‭ ‬وقناعاته‭.‬

إن‭ ‬هؤلاء‭ ‬يركزون‭ ‬على‭ ‬نجاحات‭ ‬الانقلابات‭ ‬أو‭ ‬حدوث‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬وتجاهلوا‭ ‬مئات‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬الخراب‭ ‬والانقسام‭ ‬والانفلات‭ ‬الذي‭ ‬عاشته‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭ ‬ومازالت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬تبعاته‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬تخطت‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭ ‬والنماذج‭ ‬كثيرة‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬محيطنا‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحيز‭ ‬يظنون‭ ‬أن‭ ‬تآمرهم‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬إيجابية‭ ‬حتمية‭ ‬متجاهلين‭ ‬الحقائق‭ ‬المفقودة‭ ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬قصص‭ ‬انهيار‭ ‬الأمم‭ ‬وتشرد‭ ‬الشعوب‭ ‬نتيجة‭ ‬التآمر‭ ‬والفوضى‭ ‬التي‭ ‬يُحدثها‭ ‬هؤلاء‭ ‬في‭ ‬أوطانهم‭.‬

يستخدم‭ ‬المتآمرون‭ ‬التحيز‭ ‬التأكيدي‭ ‬لاختيار‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬أجنداتهم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال إذا‭ ‬حدثت‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬فإنهم‭ ‬يفسرونها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬فشل‭ ‬محلي‭ ‬حصري‭ ‬ليبرروا‭ ‬تآمرهم‭ ‬متجاهلين‭ ‬أي‭ ‬سياق‭ ‬موضوعي‭ ‬أو‭ ‬نجاحات‭ ‬أخرى‭ ‬لبلدانهم،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يبرر‭ ‬هؤلاء‭ ‬أفعالهم‭ ‬بأنهم‭ ‬يتحركون‭ ‬باسم‭ ‬الشعب‭ ‬ويعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬صواب‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬يغردون‭ ‬خارج‭ ‬السرب،‭ ‬واقعياً‭ ‬هم‭ ‬يتحدثون‭ ‬باسم‭ ‬عينة‭ ‬متحيزة‭ ‬جداً‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬المعارضة‭ ‬أو‭ ‬مرتبطين‭ ‬بجهات‭ ‬خارجية‭ ‬عدائية‭.‬

إن‭ ‬سقوط‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬تحيز‭ ‬الاختيار‭ ‬يجعلهم‭ ‬يبنون‭ ‬وطناً‭ ‬متخيلاً‭ ‬في‭ ‬عقولهم‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬هذا‭ ‬الانفصال‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الخيانة‭ ‬لأنهم‭ ‬يظنون‭ ‬أن‭ ‬بيدهم‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬أوهام‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭ ‬ويكونون‭ ‬ضحايا‭ ‬لبيانات‭ ‬مضللة‭ ‬اختاروها‭ ‬بأنفسهم‭ ‬أو‭ ‬رُسمت‭ ‬لهم‭ ‬بُغيت‭ ‬تحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬شخصية‭ ‬لذواتهم‭ ‬أولمن‭ ‬يقف‭ ‬خلفهم‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطن‭.‬

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي

Abdulhadi‭.‬alkhalaqi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا