العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٠ - الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

التعافي من الركود الاقتصادي بعد الأزمات

د. أحمد أسعد.

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

يتحقّق‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬حين‭ ‬يستعيد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬بصورة‭ ‬متوازنة،‭ ‬وتعود‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق،‭ ‬وتستقرّ‭ ‬أوضاع‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسّسات،‭ ‬لا‭ ‬بمجرّد‭ ‬تحسّن‭ ‬بعض‭ ‬المؤشّرات‭ ‬الكلية‭ ‬أو‭ ‬توقف‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الانخفاض؛‭ ‬حيث‭ ‬تمتدّ‭ ‬آثار‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصاديّة‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتوظيف‭ ‬والإنتاجيّة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعيّ‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬التعافي‭ ‬الناجح‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬حلّ‭ ‬سريع،‭ ‬وإنّما‭ ‬يتطلّب‭ ‬منظومة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬والإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬الضعف‭ ‬وتبني‭ ‬أسسًا‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬للمستقبل‭.‬

ويمكن‭ ‬القول‭ ‬إنّ‭ ‬الخروج‭ ‬الناجح‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬بعد‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬مرتكزات‭ ‬رئيسة‭ ‬مترابطة‭. ‬أوّلها‭: ‬استعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الكلّيّ؛‭ ‬فالاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬يتعافى‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يسودها‭ ‬التضخّم‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬أو‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة‭ ‬أو‭ ‬الغموض‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامّة‭. ‬إنّ‭ ‬عودة‭ ‬الثقة‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يتيقّن‭ ‬المستثمر‭ ‬والمستهلك‭ ‬وصاحب‭ ‬العمل‭ ‬أنّ‭ ‬هناك‭ ‬إطارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه،‭ ‬وأنّ‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصاديّة‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬متضاربة‭. ‬فالاستقرار‭ ‬الكلّيّ‭ ‬ليس‭ ‬مجرّد‭ ‬هدف‭ ‬نظريّ،‭ ‬ولكنّه‭ ‬الأرضيّة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬خطوات‭ ‬التعافي‭ ‬ممكنة‭ ‬وفاعلة‭.‬

وأمّا‭ ‬المرتكز‭ ‬الثاني،‭ ‬فهو‭ ‬تنشيط‭ ‬الاستثمار‭ ‬المنتِج؛‭ ‬لأنّه‭ ‬المحرّك‭ ‬الحقيقيّ‭ ‬للنموّ‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬حيث‭ ‬تميل‭ ‬الشركات‭ ‬بعد‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬التردّد،‭ ‬وتتراجع‭ ‬شهيّة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬وتصبح‭ ‬المصارف‭ ‬أكثر‭ ‬تحفّظًا‭ ‬في‭ ‬التمويل،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬الضعف‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬مرحلة‭ ‬الانكماش‭ ‬رسميًّا‭. ‬ولذلك؛‭ ‬فإنّ‭ ‬تحفيز‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬المنتجة،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬النشاطات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة،‭ ‬يمثل‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسًا‭ ‬لتحويل‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬تحسن‭ ‬مؤقت‭ ‬إلى‭ ‬توسّع‭ ‬اقتصاديّ‭ ‬حقيقيّ‭ ‬مستدام؛‭ ‬فالاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬ينهض‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬وحده،‭ ‬وإنّما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬يخلق‭ ‬طاقات‭ ‬جديدة،‭ ‬ويرفع‭ ‬الإنتاجيّة،‭ ‬ويفتح‭ ‬مجالات‭ ‬أوسع‭ ‬للنموّ‭.‬

ولأنّ‭ ‬التعافي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليوميّة‭ ‬لا‭ ‬يعدو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تحسّنًا‭ ‬محدودًا؛‭ ‬فإنّ‭ ‬المرتكز‭ ‬الثالث‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الوظائف‭ ‬والإنفاق‭ ‬الاستهلاكيّ،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يتحسّن‭ ‬الناتج‭ ‬المحليّ‭ ‬بينما‭ ‬يعاني‭ ‬المجتمع‭ ‬نسبيًّا‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬أو‭ ‬تآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائيّة‭. ‬ومن‭ ‬ثَمّ،‭ ‬فإنّ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الوظائف‭ ‬ودعمَ‭ ‬الدّخل‭ ‬ومساندة‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا،‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬إجراءات‭ ‬اجتماعيّة‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكنّها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المنطق‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬نفسه،‭ ‬لأنّ‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكيّ‭ ‬عنصر‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصاديّ‭. ‬وكلّما‭ ‬شعر‭ ‬الناس‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأمان‭ ‬الاقتصاديّ،‭ ‬ازداد‭ ‬إقبالهم‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والإنفاق،‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬دورة‭ ‬التعافي‭.‬

ويتمثّل‭ ‬المرتكز‭ ‬الرابع‭ ‬فهو‭ ‬إصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬الماليّ‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬فيه‭. ‬فالقطاع‭ ‬الماليّ‭ ‬يمثل‭ ‬القناة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المدّخرات‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار،‭ ‬والتمويل‭ ‬إلى‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فإذا‭ ‬بقي‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬ضعيفًا‭ ‬أو‭ ‬فاقدًا‭ ‬للثقة‭ ‬أو‭ ‬مثقلًا‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬فإنّ‭ ‬سائر‭ ‬جهود‭ ‬التعافي‭ ‬ستظل‭ ‬محدودة‭ ‬الأثر‭. ‬ولذلك‭ ‬فإنّ‭ ‬إصلاح‭ ‬المصارف،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الرقابة،‭ ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬ورفع‭ ‬الشفافية،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬ضرورية‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭. ‬فكلّما‭ ‬كان‭ ‬القطاع‭ ‬الماليّ‭ ‬أكثر‭ ‬متانة‭ ‬وكفاءة،‭ ‬كان‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬المشروعات،‭ ‬ودعم‭ ‬المؤسّسات،‭ ‬والإسهام‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الاستقرار‭ ‬النظريّ‭ ‬إلى‭ ‬نموّ‭ ‬فعليّ‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقيّ‭.‬

وخامس‭ ‬تلك‭ ‬المرتكزات‭ ‬هو‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬هيكليّة‭ ‬ترفع‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسيّة‭ ‬والإنتاجيّة،‭ ‬وتقلّل‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬تكرار‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فلا‭ ‬بدّ‭ ‬للاقتصادات‭ ‬بعد‭ ‬الركود‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬أعمق‭ ‬لبنيتها‭ ‬الإنتاجيّة،‭ ‬وكفاءة‭ ‬مؤسّساتها،‭ ‬ومرونة‭ ‬أسواقها،‭ ‬وجودة‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬فيها،‭ ‬لإصلاح‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يشوبها‭ ‬من‭ ‬خلل‭ ‬أو‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬بغيةَ‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬التعافي‭ ‬الحقيقيّ‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬ثمارًا‭ ‬آنيّة،‭ ‬ولكنّها‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التعافي‭ ‬أكثر‭ ‬رسوخًا،‭ ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أقلّ‭ ‬عرضة‭ ‬للانتكاس‭ ‬عند‭ ‬أوّل‭ ‬صدمة‭ ‬جديدة‭. ‬إنّ‭ ‬هذه‭ ‬المرتكزات‭ ‬الخمسة‭ ‬يرتبط‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا؛‭ ‬فلا‭ ‬استثمار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ثقة،‭ ‬ولا‭ ‬ثقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استقرار،‭ ‬ولا‭ ‬استدامة‭ ‬للاستقرار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إصلاح،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬نموٍّ‭ ‬متوازن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حماية‭ ‬للناس‭ ‬والوظائف‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للقطاع‭ ‬الماليّ‭ ‬أن‭ ‬يؤدّي‭ ‬دوره‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصاديّة‭ ‬سليمة‭ ‬ومؤسّسات‭ ‬قويّة‭. ‬ومن‭ ‬هنا؛‭ ‬فإنّ‭ ‬أيّ‭ ‬سياسة‭ ‬تركّز‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬وتهمل‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى‭ ‬ستبقى‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬تعافٍ‭ ‬متكامل‭. ‬والخلاصة‭ ‬أنّ‭ ‬التعافي‭ ‬بعد‭ ‬الركود‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬تلقائيًا‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬ولا‭ ‬يُقاس‭ ‬بتحسّن‭ ‬بعض‭ ‬الأرقام‭ ‬المجرّدة‭. ‬وإنّما‭ ‬هو‭ ‬عمليّة‭ ‬بناء‭ ‬جديدة‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬والاستثمار‭ ‬والثقة‭ ‬والقدرة‭ ‬الإنتاجيّة‭ ‬وشعور‭ ‬الناس‭ ‬بالأمن‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليوميّة‭. ‬وعندما‭ ‬تنجح‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المرتكزات‭ ‬الخمسة‭ ‬ضمن‭ ‬رؤية‭ ‬متماسكة،‭ ‬يصبح‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمة‭ ‬أمرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لا‭ ‬شكليًا،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬الركود‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬انهيار‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬نحو‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬قوّة‭ ‬واستدامة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا