يتحقّق التعافي من الركود الاقتصاديّ حين يستعيد الاقتصاد قدرته على الحركة بصورة متوازنة، وتعود الثقة إلى الأسواق، وتستقرّ أوضاع الأفراد والمؤسّسات، لا بمجرّد تحسّن بعض المؤشّرات الكلية أو توقف الناتج عن الانخفاض؛ حيث تمتدّ آثار الأزمات الاقتصاديّة إلى الاستثمار والتوظيف والإنتاجيّة والاستقرار الاجتماعيّ. ولهذا فإن التعافي الناجح لا يقوم على إجراء واحد أو حلّ سريع، وإنّما يتطلّب منظومة مترابطة من السياسات والإصلاحات التي تعالج جذور الضعف وتبني أسسًا أكثر صلابة للمستقبل.
ويمكن القول إنّ الخروج الناجح من الأزمات بعد الركود الاقتصاديّ يقوم على خمسة مرتكزات رئيسة مترابطة. أوّلها: استعادة الاستقرار الكلّيّ؛ فالاقتصاد لا يتعافى في بيئة يسودها التضخّم غير المنضبط أو التقلبات الحادة أو الغموض في السياسات العامّة. إنّ عودة الثقة تبدأ عندما يتيقّن المستثمر والمستهلك وصاحب العمل أنّ هناك إطارًا واضحًا يمكن البناء عليه، وأنّ السياسات الاقتصاديّة لا تسير في اتجاهات متضاربة. فالاستقرار الكلّيّ ليس مجرّد هدف نظريّ، ولكنّه الأرضيّة التي تجعل خطوات التعافي ممكنة وفاعلة.
وأمّا المرتكز الثاني، فهو تنشيط الاستثمار المنتِج؛ لأنّه المحرّك الحقيقيّ للنموّ طويل الأجل، حيث تميل الشركات بعد الأزمات إلى التردّد، وتتراجع شهيّة المستثمرين، وتصبح المصارف أكثر تحفّظًا في التمويل، ما يؤدي إلى استمرار الضعف حتى بعد انتهاء مرحلة الانكماش رسميًّا. ولذلك؛ فإنّ تحفيز الاستثمار في القطاعات المنتجة، وتوجيه الموارد نحو النشاطات ذات القيمة المضافة، يمثل شرطًا أساسًا لتحويل التعافي من مجرّد تحسن مؤقت إلى توسّع اقتصاديّ حقيقيّ مستدام؛ فالاقتصاد لا ينهض بالاستهلاك وحده، وإنّما يحتاج إلى استثمار يخلق طاقات جديدة، ويرفع الإنتاجيّة، ويفتح مجالات أوسع للنموّ.
ولأنّ التعافي الذي لا ينعكس على حياة الناس اليوميّة لا يعدو أن يكون تحسّنًا محدودًا؛ فإنّ المرتكز الثالث يتمثل في حماية الوظائف والإنفاق الاستهلاكيّ، إذ قد يتحسّن الناتج المحليّ بينما يعاني المجتمع نسبيًّا من البطالة أو تآكل القدرة الشرائيّة. ومن ثَمّ، فإنّ الحفاظ على الوظائف ودعمَ الدّخل ومساندة الفئات الأكثر تأثرًا، ليست مجرّد إجراءات اجتماعيّة فحسب، ولكنّها جزء من المنطق الاقتصاديّ نفسه، لأنّ الإنفاق الاستهلاكيّ عنصر رئيس في تحريك النشاط الاقتصاديّ. وكلّما شعر الناس بقدر أكبر من الأمان الاقتصاديّ، ازداد إقبالهم على الاستهلاك والإنفاق، ما يسهم في دعم دورة التعافي.
ويتمثّل المرتكز الرابع فهو إصلاح القطاع الماليّ وتعزيز الثقة فيه. فالقطاع الماليّ يمثل القناة التي تمر من خلالها المدّخرات إلى الاستثمار، والتمويل إلى النشاط الاقتصادي. فإذا بقي هذا القطاع ضعيفًا أو فاقدًا للثقة أو مثقلًا بالمخاطر، فإنّ سائر جهود التعافي ستظل محدودة الأثر. ولذلك فإنّ إصلاح المصارف، وتعزيز الرقابة، وتحسين إدارة المخاطر، ورفع الشفافية، كلها عناصر ضرورية لإعادة بناء الثقة. فكلّما كان القطاع الماليّ أكثر متانة وكفاءة، كان أقدر على تمويل المشروعات، ودعم المؤسّسات، والإسهام في تحويل الاستقرار النظريّ إلى نموّ فعليّ في الاقتصاد الحقيقيّ.
وخامس تلك المرتكزات هو تنفيذ إصلاحات هيكليّة ترفع القدرة التنافسيّة والإنتاجيّة، وتقلّل من احتمالات تكرار الأزمات في المستقبل. فلا بدّ للاقتصادات بعد الركود من مراجعة أعمق لبنيتها الإنتاجيّة، وكفاءة مؤسّساتها، ومرونة أسواقها، وجودة بيئة الأعمال فيها، لإصلاح ما قد يشوبها من خلل أو نقاط ضعف بغيةَ الوصول إلى التعافي الحقيقيّ. غير أنّ الإصلاحات الهيكلية لا تعطي ثمارًا آنيّة، ولكنّها تضمن أن يكون التعافي أكثر رسوخًا، وأن يصبح الاقتصاد أقلّ عرضة للانتكاس عند أوّل صدمة جديدة. إنّ هذه المرتكزات الخمسة يرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا؛ فلا استثمار من دون ثقة، ولا ثقة من دون استقرار، ولا استدامة للاستقرار من دون إصلاح، وما من نموٍّ متوازن من دون حماية للناس والوظائف. ولا يمكن للقطاع الماليّ أن يؤدّي دوره من دون بيئة اقتصاديّة سليمة ومؤسّسات قويّة. ومن هنا؛ فإنّ أيّ سياسة تركّز على جانب واحد وتهمل الجوانب الأخرى ستبقى عاجزة عن تحقيق تعافٍ متكامل. والخلاصة أنّ التعافي بعد الركود الاقتصاديّ لا يتحقق تلقائيًا بمرور الوقت، ولا يُقاس بتحسّن بعض الأرقام المجرّدة. وإنّما هو عمليّة بناء جديدة لكلّ من الاستقرار والاستثمار والثقة والقدرة الإنتاجيّة وشعور الناس بالأمن الاقتصاديّ في حياتهم اليوميّة. وعندما تنجح الدولة في الجمع بين هذه المرتكزات الخمسة ضمن رؤية متماسكة، يصبح تجاوز الأزمة أمرًا حقيقيًا لا شكليًا، ويتحوّل الركود من مرحلة انهيار إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر قوّة واستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك