في لحظة إقليمية تتسم بقدر كبير من التحديات وعدم اليقين، تثبت مملكة البحرين مرة أخرى أن اقتصادها يمتلك من المرونة والقدرة على التكيف ما يجعله قادراً على تجاوز الصدمات، والاستمرار في تحقيق نمو متوازن ومستدام. الأرقام الرسمية الصادرة عن التقرير الاقتصادي لعام 2025 ليست مجرد مؤشرات رقمية، بل تعكس تحولات هيكلية عميقة في بنية الاقتصاد الوطني، تؤكد أن مسار التنويع الاقتصادي يسير بثبات ونجاح.
فقد سجل الاقتصاد البحريني نمواً حقيقياً بنسبة 3.5% خلال عام 2025، مدفوعاً بشكل رئيسي بنمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.1%، في مقابل تراجع طفيف في الأنشطة النفطية بنسبة 0.3%. والأهم من ذلك أن مساهمة الأنشطة غير النفطية بلغت 85.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعكس بوضوح نجاح السياسات الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط وتعزيز مصادر الدخل البديلة.
وتتجلى قوة هذا التحول في الأداء القطاعي المتوازن، حيث حققت قطاعات حيوية مثل الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، وخدمات الإقامة والطعام، نمواً لافتاً بنسبة 6.4%، فيما واصلت الأنشطة المالية والتأمين تسجيل أداء قوي بنسبة 5.6%، مدعومة بمكانة البحرين كمركز مالي إقليمي متقدم. كما سجلت قطاعات التشييد والنقل والتخزين نمواً جيداً، إلى جانب تحسن أداء الصناعة التحويلية والتجارة والتعليم، ما يعكس اتساع قاعدة النمو الاقتصادي وتنوع محركاته.
أما على مستوى الأداء الفصلي، فقد جاء نمو الناتج المحلي بنسبة 4.6% في الربع الرابع من عام 2025 مدفوعاً بنمو قوي للأنشطة غير النفطية بنسبة 7.4% ليؤكد أن الزخم الاقتصادي يتسارع، وأن الاقتصاد البحريني يدخل عام 2026 وهو في وضعية قوية نسبياً، رغم التحديات المحيطة.
ولا يمكن إغفال التطور في المؤشرات الدولية، حيث حققت البحرين مراكز متقدمة عالمياً، من بينها المركز الأول في تشريعات التجارة الإلكترونية، والتصنيف ضمن الفئة (A) في نضج الحكومة الرقمية، إلى جانب تقدمها في بيئة الابتكار. هذه الإنجازات ليست شكلية، بل تعكس تطور البيئة التشريعية والمؤسسية، وتعزز جاذبية الاقتصاد للاستثمار، وهو ما يظهر أيضاً في وصول رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 17.7 مليار دينار بحريني.
في المقابل، لا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن الواقع الإقليمي، حيث تشهد المنطقة ظروفاً استثنائية قد تنعكس على حركة التجارة والتصدير وتدفقات الاستثمار. ومن الطبيعي أن تتأثر معدلات النمو نسبياً خلال عام 2026 نتيجة هذه العوامل، سواء من خلال تباطؤ بعض الأنشطة أو ارتفاع تكاليف التشغيل.
إلا أن ما يميز الاقتصاد البحريني هو قدرته على امتصاص الصدمات، وهو ما يتعزز اليوم بفضل التوجيهات السامية لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي شملت إطلاق حزمة داعمة للاقتصاد، من أبرزها تكفل صندوق التعطل بدفع أجور العاملين في القطاع الخاص لشهر أبريل، إلى جانب توجيه البنوك لتأجيل أقساط الأفراد والشركات لمدة ثلاثة أشهر. هذه الإجراءات تمثل تدخلاً اقتصادياً حيويا يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ودعم السيولة في السوق، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادي وتقليل آثار التباطؤ.
وتاريخياً، أثبتت مثل هذه السياسات فعاليتها في تسريع التعافي الاقتصادي، كما حدث خلال فترات سابقة خاصة في فترة مرض كورونا، حيث ساهمت في حماية الشركات، والحفاظ على الوظائف، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني. ومن المتوقع أن تنعكس هذه الحزمة بشكل إيجابي على أداء القطاعات المختلفة خلال عام 2026، بما يدعم استمرار النمو عند مستويات جيدة رغم التحديات.
إن قراءة المشهد الاقتصادي البحريني اليوم تقود إلى خلاصة واضحة: نعم، هناك تحديات، لكن الأسس الاقتصادية أصبحت أكثر صلابة، ومحركات النمو أكثر تنوعاً، والسياسات الاقتصادية أكثر مرونة واستجابة. وعليه، فإن التوقعات تشير إلى أن الاقتصاد البحريني سيواصل تحقيق معدلات نمو إيجابية خلال عام 2026، مع احتمالية تسجيل تعافٍ سريع بمجرد تحسن الظروف الإقليمية والدولية. البحرين اليوم ليست فقط قادرة على الصمود، بل مهيأة للانطلاق مجدداً، مستندة إلى رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، واقتصاد مرن.. لذلك يمكن القول بكل ثقة إن البحرين بخير.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك