العدد : ١٧٥٥٩ - الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٩ - الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

الحمر غالي… والجواز البحريني مسؤولية

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬تخطوها‭ ‬قيادتنا‭ ‬الحكيمة‭ ‬نلمس‭ ‬وضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬وبعد‭ ‬النظر‭. ‬التوجيهات‭ ‬السامية‭ ‬بضرورة‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬يثبت‭ ‬تورطه‭ ‬في‭ ‬المساس‭ ‬بأمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬بحلمها‭ ‬وحرصها‭ ‬على‭ ‬أبنائها‭ ‬تدرك‭ ‬تماماً‭ ‬متى‭ ‬تضع‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬المساحة‭ ‬والمسؤولية‭.‬

البحرين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أهلها‭. ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬قريبة،‭ ‬حاضنة،‭ ‬تسمع‭ ‬وتحتوي‭ ‬وتعطي‭. ‬نهج‭ ‬أبوي‭ ‬صادق‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬وعلى‭ ‬إيمان‭ ‬عميق‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬يستحق‭ ‬الفرص‭ ‬والمساحة‭. ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يعكس‭ ‬قوة‭ ‬دولة‭ ‬تعرف‭ ‬نفسها‭ ‬وتثق‭ ‬بأبنائها‭ ‬وتراهن‭ ‬على‭ ‬وعيهم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭. ‬وعندما‭ ‬تُفهم‭ ‬المساحة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬فرصة‭ ‬للإضرار،‭ ‬وعندما‭ ‬تتحول‭ ‬بعض‭ ‬الممارسات‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تشكيك‭ ‬أو‭ ‬عبث،‭ ‬يصبح‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬الوطن‭ ‬وواجبا‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية‭ ‬تُقرأ‭ ‬كلمة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭. ‬جاءت‭ ‬واضحة‭ ‬وحاسمة‭ ‬وتعكس‭ ‬إدراكاً‭ ‬عميقاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬المرحلة،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬ماضية‭ ‬بكل‭ ‬حزم‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬يلزم‭ ‬سيُباشر‭ ‬تجاه‭ ‬من‭ ‬مسّ‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره،‭ ‬مع‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬استحقاق‭ ‬المواطنة‭ ‬البحرينية‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يقرره‭ ‬القانون‭. ‬هذه‭ ‬لغة‭ ‬دولة‭ ‬تعرف‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬حين‭ ‬يصبح‭ ‬أمن‭ ‬الناس‭ ‬ووحدة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬اختبار‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬ففي‭ ‬مارس‭ ‬الماضي‭ ‬أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬متتالية‭ ‬تضمنت‭ ‬وفق‭ ‬بياناتها‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬متهمين‭ ‬في‭ ‬وقائع‭ ‬تمس‭ ‬الأمن‭ ‬وتمرير‭ ‬معلومات‭ ‬حساسة‭ ‬وإرسال‭ ‬إحداثيات‭ ‬لمواقع‭ ‬حيوية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬مواد‭ ‬مضللة‭ ‬وتحريضية‭. ‬كما‭ ‬أحالت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬المتهمين‭ ‬إلى‭ ‬المحاكمة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬شملت‭ ‬التخابر‭ ‬وإذاعة‭ ‬معلومات‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬الدفاع‭ ‬وبث‭ ‬شائعات‭ ‬مغرضة‭. ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬يصبح‭ ‬الحزم‭ ‬إجراء‭ ‬طبيعيا‭ ‬لحماية‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

واللافت‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬وهي‭ ‬تمضي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الحازم‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬نهجها‭ ‬المتزن‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬إقليمي‭ ‬مضطرب‭. ‬فقد‭ ‬أكدت‭ ‬الحكومة‭ ‬تمسكها‭ ‬بالحلول‭ ‬السلمية‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬رفع‭ ‬الجاهزية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬مستجد‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬يعكس‭ ‬نضجا‭ ‬سياسيا‭ ‬واضحا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬الخارجي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬صلابة‭ ‬الداخل‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬ظهرت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬الإنساني‭ ‬المعروف‭. ‬الجاهزية‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني،‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬تأمين‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬واستمرارية‭ ‬الخدمات‭ ‬وتوفير‭ ‬مراكز‭ ‬الإيواء‭ ‬ومعالجة‭ ‬الأضرار‭ ‬ومتابعة‭ ‬الحالات‭ ‬الصحية‭. ‬هنا‭ ‬يتجلى‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للوطن‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬حاضراً‭ ‬مع‭ ‬أبنائه‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬اللحظات‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتضح‭ ‬حقيقة‭ ‬المواطنة‭. ‬ليست‭ ‬صفة‭ ‬شكلية‭ ‬ولا‭ ‬امتيازا‭ ‬يُستدعى‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحقوق‭ ‬والواجبات‭ ‬وبين‭ ‬الانتماء‭ ‬والالتزام‭. ‬وحين‭ ‬يُطرح‭ ‬موضوع‭ ‬استحقاق‭ ‬المواطنة‭ ‬فإن‭ ‬المقصود‭ ‬حماية‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬وصون‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬استغلال‭ ‬يهدد‭ ‬استقراره‭.‬

وأخطر‭ ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬فقط‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬من‭ ‬يضع‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مريب‭ ‬حين‭ ‬يفتح‭ ‬منفذاً‭ ‬لمعلومة‭ ‬أو‭ ‬يمرر‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تضليل‭ ‬أو‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الانتماء‭. ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بحجمها،‭ ‬إنما‭ ‬تُقاس‭ ‬بأثرها‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬وعلى‭ ‬الثقة‭ ‬وعلى‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬تنكشف‭ ‬المواقف‭ ‬بوضوح‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬الجواز‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬الوطن،‭ ‬والفارق‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الورق‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬والموقف‭. ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬أمانه‭ ‬وخيره‭ ‬ثم‭ ‬يجعل‭ ‬ولاءه‭ ‬خارجه‭ ‬ويبتعد‭ ‬بنفسه‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭.‬

ولا‭ ‬يستقيم‭ ‬أن‭ ‬يزاحم‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يحملها‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬معها‭ ‬حين‭ ‬تحتاج‭ ‬موقفاً‭ ‬واضحاً‭. ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬الجميع‭ ‬يستحق‭ ‬صفاً‭ ‬صريحاً‭ ‬ومواقف‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬التردد‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬يعكس‭ ‬عدم‭ ‬فهم‭ ‬لقيمة‭ ‬المواطنة‭. ‬الجواز‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الاستقرار‭ ‬وهو‭ ‬الرابط‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬ومن‭ ‬يفرط‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬يستخف‭ ‬به‭ ‬لم‭ ‬يدرك‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬يديه‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬فقط‭ ‬شعور‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬يتعزز‭ ‬شعور‭ ‬الثقة،‭ ‬ثقة‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬يعرف‭ ‬طريقه‭ ‬ويصحح‭ ‬مساره‭ ‬ويزداد‭ ‬قوة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬اختبار‭. ‬ما‭ ‬نمر‭ ‬به‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مرحلة‭ ‬عابرة،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬تأسيس‭ ‬لواقع‭ ‬أوضح‭ ‬وأكثر‭ ‬ثباتا‭ ‬وأكثر‭ ‬حماية‭.‬

المستقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬فقط‭ ‬أكثر‭ ‬أمنا،‭ ‬بل‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬تماسكا،‭ ‬لأننا‭ ‬تعلمنا‭ ‬ورأينا‭ ‬وحددنا‭ ‬موقعنا‭ ‬بوضوح‭.‬

وسنقوى‮…‬‭ ‬لا‭ ‬كأفراد‭ ‬متفرقين،‭ ‬بل‭ ‬كصف‭ ‬واحد‭.‬

سنقوى‭ ‬بيد‭ ‬بعض،‭ ‬ونحفظ‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬بقلوبنا‭ ‬قبل‭ ‬قوانيننا‮…‬‭ ‬قالها‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر،‭ ‬واحنا‭ ‬معاه‭... ‬‮«‬قلبك‭ ‬على‭ ‬بلادك‭.. ‬بلادك‭ ‬بتشيلك‭ ‬شيل‭ ‬قلبك‭ ‬مو‭ ‬على‭ ‬بلادك‭ ‬دور‭ ‬لك‭ ‬بلد‭.. ‬تشيل‭ ‬أشكالك‮»‬‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا