العدد : ١٧٥٥٧ - السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٧ - السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

قلبك على بلادك… فاصل الولاء والإخلاص وكاشف النفاق والانحراف

بقلم: عيسى بن عبد الرحمن الحمادي

السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

إنَّ‭ ‬للكلام‭ ‬منازلَ‭ ‬ومقامات،‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬ذُراها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أُوتي‭ ‬بيانًا‭ ‬تُطرب‭ ‬له‭ ‬الأسماع،‭ ‬وحكمةً‭ ‬تنقاد‭ ‬لها‭ ‬العقول،‭ ‬ونفاذًا‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬مقتلَه،‭ ‬فيُصيب‭ ‬ولا‭ ‬يُخطئ‭. ‬وقد‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬سموّ‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬جزالة‭ ‬اللفظ،‭ ‬وإحكام‭ ‬السبك،‭ ‬وصدق‭ ‬المقصد،‭ ‬ما‭ ‬يرتفع‭ ‬بالكلمة‭ ‬من‭ ‬مقام‭ ‬القول‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬الأثر؛‭ ‬فهو‭ ‬بيانٌ‭ ‬إذا‭ ‬صدر‭ ‬أغنى‭ ‬عن‭ ‬الشواهد،‭ ‬ورأيٌ‭ ‬إذا‭ ‬استبان‭ ‬لم‭ ‬تُزِغْه‭ ‬الشبهات،‭ ‬وعزمٌ‭ ‬إذا‭ ‬عُقِد‭ ‬لم‭ ‬تَحُلْ‭ ‬دونه‭ ‬العوائق‭. ‬جمع‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬بين‭ ‬حرارة‭ ‬الوجدان‭ ‬وصرامة‭ ‬الموقف،‭ ‬فجاء‭ ‬كلامه‭ ‬كالسيف‭ ‬المُجْلَى‭: ‬يبرق‭ ‬صفاؤه،‭ ‬ويصدق‭ ‬مضاؤه،‭ ‬ويقع‭ ‬موقع‭ ‬الفصل‭ ‬حيث‭ ‬يلتبس‭ ‬القول‭ ‬ويضطرب‭ ‬الميزان‭.‬

ولقد‭ ‬علم‭ ‬ذوو‭ ‬الألباب‭ ‬أنّ‭ ‬قولَه‭ ‬‮«‬قلبك‭ ‬على‭ ‬بلادك‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الإخبار،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الإلزام،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬الترغيب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬التقويم؛‭ ‬إذ‭ ‬نقل‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬حيّز‭ ‬الدعوى‭ ‬إلى‭ ‬مقام‭ ‬الحُجّة،‭ ‬وجعل‭ ‬القلب‭ ‬وهو‭ ‬موضع‭ ‬الخفاء‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬صاحبه،‭ ‬لا‭ ‬يُدفع،‭ ‬ولا‭ ‬يُوارى،‭ ‬ولا‭ ‬يُداهَن‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬لسانٍ‭ ‬قد‭ ‬أطال‭ ‬في‭ ‬الولاء،‭ ‬وهو‭ ‬عند‭ ‬الشدّة‭ ‬أقصر‭ ‬من‭ ‬ظلٍ‭ ‬زائل،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬صامتٍ‭ ‬لم‭ ‬يُسمع‭ ‬له‭ ‬قول،‭ ‬فإذا‭ ‬نزل‭ ‬البلاء‭ ‬كان‭ ‬أثبت‭ ‬من‭ ‬جبلٍ‭ ‬لا‭ ‬يُزحزَح‭.‬

فإن‭ ‬قلت‭ ‬لِمَ‭ ‬استقرّت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬استقرار‭ ‬الحكم‭ ‬النافذ،‭ ‬قيل‭ ‬لأنها‭ ‬وافقت‭ ‬زمانًا‭ ‬انكشفت‭ ‬فيه‭ ‬الوجوه،‭ ‬وافتُضحت‭ ‬فيه‭ ‬الأقنعة،‭ ‬وضاق‭ ‬فيه‭ ‬الوطن‭ ‬عن‭ ‬المتردّدين،‭ ‬واتّسع‭ ‬صدرُه‭ ‬للثابتين‭.‬

وأما‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬آخر‭ ‬تُزيّنه‭ ‬شاشاتٌ‭ ‬عائمة‭ ‬كجزيرةٍ‭ ‬في‭ ‬بحرٍ‭ ‬مضطرب،‭ ‬تُلوِّح‭ ‬بالبريق‭ ‬وتُخفي‭ ‬الغريق،‭ ‬فتجد‭ ‬من‭ ‬رُفع‭ ‬قدرُه‭ ‬بالعرض‭ ‬لا‭ ‬بالجوهر،‭ ‬وأُعطي‭ ‬من‭ ‬زخرف‭ ‬القول‭ ‬ما‭ ‬يُغري،‭ ‬حتى‭ ‬خُيِّل‭ ‬للغافل‭ ‬أنه‭ ‬صاحب‭ ‬بيان‭ ‬يُحتج‭ ‬به،‭ ‬وهو‭ ‬عند‭ ‬التحقيق‭ ‬صنيع‭ ‬صناعة‭ ‬لا‭ ‬ثمرة‭ ‬معرفة‭. ‬ذاك‭ ‬منظّر‭ ‬فرط‭ ‬صوتي،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬قوله‭ ‬يسبق‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬يسبق‭ ‬الفهم؛‭ ‬يُثقل‭ ‬العبارة‭ ‬حتى‭ ‬تُظن‭ ‬عمقًا،‭ ‬ويُكثر‭ ‬التراكيب‭ ‬حتى‭ ‬تُحسب‭ ‬حجة‭. ‬فإذا‭ ‬فُرك‭ ‬قوله‭ ‬فركًا،‭ ‬وكُشف‭ ‬عن‭ ‬طبقاته‭ ‬كشفًا،‭ ‬بان‭ ‬لك‭ ‬أنه‭ ‬زخرف‭ ‬مرصوص‭ ‬على‭ ‬فراغ‭.‬

ومن‭ ‬عجيب‭ ‬أمره‭ ‬أن‭ ‬اسمه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬معنى‭ ‬الحسن‭ ‬ومثنّى‭ ‬يُردِّد‭ ‬البيان‭ ‬ترديدًا،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬صدىً‭ ‬يتكرّر‭ ‬ولا‭ ‬معنىً‭ ‬يتقرّر؛‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬كلامه‭ ‬حسنٌ‭ ‬يُعتدّ‭ ‬به،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬عند‭ ‬الاختبار؛‭ ‬كأن‭ ‬الاسم‭ ‬شيء‭ ‬وصاحبه‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬أو‭ ‬كأن‭ ‬الحروف‭ ‬قد‭ ‬اجتمعت‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬ثم‭ ‬افترقت‭ ‬عنه‭ ‬عند‭ ‬الاستعمال‭. ‬يُجلّي‭ ‬اللفظ‭ ‬ليعمي‭ ‬بريقه،‭ ‬ويُعتم‭ ‬المعنى‭ ‬ليخفى‭ ‬عواره،‭ ‬فيخرج‭ ‬كلامه‭ ‬كالسحاب‭ ‬المجلجل،‭ ‬كثير‭ ‬الرعد‭ ‬قليل‭ ‬المطر‭.‬

وعند‭ ‬هذا‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬بيان‭ ‬يقيم‭ ‬الحجة‭ ‬وبيان‭ ‬يقيم‭ ‬الشبهة،‭ ‬بين‭ ‬قول‭ ‬يجلي‭ ‬الحق‭ ‬فيستغني‭ ‬عن‭ ‬زخرفه،‭ ‬وقول‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬إلا‭ ‬بزخرفته‭ ‬لأنه‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬جوهره‭. ‬فالأول‭ ‬يغنيك‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬النظر،‭ ‬والثاني‭ ‬يدعوك‭ ‬إليها‭ ‬كلما‭ ‬أمعنت،‭ ‬لأنك‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬فيه‭ ‬قرارًا‭ ‬ولا‭ ‬تستبين‭ ‬له‭ ‬وجهًا‭.‬

وقد‭ ‬جرت‭ ‬عادة‭ ‬أكثر‭ ‬الناس‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬عصم‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يجعلوا‭ ‬الولاء‭ ‬لفظًا‭ ‬يُستعار‭ ‬لا‭ ‬عهدًا‭ ‬يُصان،‭ ‬وأن‭ ‬يُظهروا‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يصدقه‭ ‬عند‭ ‬المحنة‭ ‬شاهد‭. ‬فإذا‭ ‬دعاه‭ ‬الوطن‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬يُجامل‭ ‬ولا‭ ‬يُوارب،‭ ‬رأيته‭ ‬بين‭ ‬متثاقل‭ ‬أو‭ ‬معتذر‭ ‬أو‭ ‬مؤول‭ ‬يُلبس‭ ‬الحق‭ ‬ثوب‭ ‬الباطل‭. ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬الكلمة‭ ‬فاصلة،‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬اشتباهًا،‭ ‬بين‭ ‬فريق‭ ‬جعل‭ ‬الوطن‭ ‬قبلة‭ ‬لا‭ ‬تُحوّل،‭ ‬وفريق‭ ‬جعل‭ ‬هواه‭ ‬إمامًا‭ ‬فهلك‭ ‬في‭ ‬ضلاله‭.‬

ولعمري‭ ‬إن‭ ‬القلوب‭ ‬إذا‭ ‬صدقت‭ ‬استغنت‭ ‬عن‭ ‬الشواهد،‭ ‬وإذا‭ ‬كذبت‭ ‬لم‭ ‬تُقم‭ ‬لها‭ ‬الشواهد‭ ‬وزنًا‭. ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬قلبه‭ ‬على‭ ‬بلاده‭ ‬سبق‭ ‬فعله‭ ‬قوله،‭ ‬وصدق‭ ‬عمله‭ ‬دعواه،‭ ‬واستقام‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬لا‭ ‬تعتريه‭ ‬ريب‭. ‬ومن‭ ‬خلا‭ ‬قلبه‭ ‬منها‭ ‬تكلف‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُغني،‭ ‬وتزين‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يُغطي،‭ ‬فكان‭ ‬كمن‭ ‬يستر‭ ‬العورة‭ ‬بالسراب‭.‬

وهذا‭ ‬باب‭ ‬إن‭ ‬فُتح‭ ‬علمت‭ ‬أن‭ ‬الأوطان‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬بألسنة‭ ‬فصيحة‭ ‬بل‭ ‬بقلوب‭ ‬صحيحة،‭ ‬ولا‭ ‬تُصان‭ ‬بحسن‭ ‬المقال‭ ‬بل‭ ‬بحسن‭ ‬الفعال‭. ‬فإذا‭ ‬اجتمع‭ ‬صدق‭ ‬النية‭ ‬مع‭ ‬ثبات‭ ‬العزيمة‭ ‬قام‭ ‬للوطن‭ ‬درع‭ ‬لا‭ ‬يُخترق‭ ‬وسور‭ ‬لا‭ ‬يُنال‭.‬

وآخر‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬يعلو‭ ‬بزخرفه‭ ‬بل‭ ‬بصفائه،‭ ‬ولا‭ ‬يثبت‭ ‬بكثرة‭ ‬قائليه‭ ‬بل‭ ‬بصدق‭ ‬أهله،‭ ‬ومن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬نصيب‭ ‬لم‭ ‬تغنه‭ ‬فصاحته‭ ‬ولم‭ ‬تستره‭ ‬بلاغته‭ ‬وكان‭ ‬قوله‭ ‬مهما‭ ‬حسن‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الصنعة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الصدق‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬قلبُك‭ ‬على‭ ‬بلادك‭ ‬استقام‭ ‬أمرُك،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن،‭ ‬فكلُّ‭ ‬ما‭ ‬سواه‭ ‬زخرفٌ‭ ‬يلمع‭ ‬فيكشفُك‭ ‬ويُسقِطُك‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا