خلال جائحة «كوفيد-19»، برزت أسماء وطنية كان لها دور محوري في طمأنة المجتمع، مثل الدكتور مناف القحطاني والدكتورة جميلة السلمان، حيث شكّل حضورهما الإعلامي المنتظم نموذجًا في الشفافية والاحتراف، وأسهم في بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ولم يكن ذلك مجرد جهد إعلامي عابر، بل جزءًا من منظومة متكاملة جعلت البحرين نموذجًا يُحتذى به، وحظيت بإشادة من منظمة الصحة العالمية التي وثّقت التجربة للاستفادة منها إقليميًا ودوليًا.
واليوم، وفي ظرف مختلف لا يقل خطورة، يتكرر المشهد بصورة أخرى. فقد برز النقيب عبدالله وحيد المناعي من وزارة الداخلية، عبر الإيجاز الإعلامي اليومي الذي يقدمه مركز الاتصال الوطني، كصوت رسمي يتسم بالاتزان والوضوح في شرح مستجدات العدوان الإيراني على مملكة البحرين. هذا الحضور لم يكن مجرد نقل للأحداث، بل إدارة واعية للمعلومة في لحظة حساسة، تتطلب الدقة والهدوء والقدرة على كبح الشائعات.
هذه النماذج تعكس إدراك الدولة العميق لأهمية المعلومة في أوقات الأزمات، فغياب المعلومة يفتح الباب واسعًا أمام الشائعة، ويُضعف الثقة، ويهدد الاستقرار الداخلي، وعلى العكس فإن تدفق المعلومات بشكل مهني ومنظم يُحصّن المجتمع، ويعزز مناعته الفكرية.
ولعل الأرقام التي كشفت عنها الإدارة العامة للإعلام والثقافة الأمنية تؤكد حجم هذا الجهد؛ إذ بلغ عدد المواد الإعلامية التي بُثت عبر القنوات الدولية 354 مادة، فيما وصل عدد الأخبار والمنشورات الصادرة إلى 1858 منشورًا، إلى جانب تحقيق أكثر من 128 مليون مشاهدة على منصات التواصل الاجتماعي. وهي أرقام لا تعكس فقط نشاطًا إعلاميًا مكثفًا، بل تعكس معركة وعي تُدار باحترافية عالية.
الحرب لم تعد تقتصر على الصواريخ والمسيرات، بل أصبحت حربًا متعددة الأبعاد، أحد أخطر ميادينها هو الإعلام.
ومنذ بدء العدوان الإيراني، حاولت أطراف معادية استهداف البحرين عبر حملات تضليل ممنهجة، استخدمت فيها عشرات الحسابات لبث الأكاذيب والتشكيك في جهود الدولة، في محاولة لزعزعة الثقة وإرباك المشهد الداخلي.
لكن التجربة أثبتت أن الوعي الجمعي، عندما يُدعم بمعلومة دقيقة وإعلام مسؤول، قادر على إفشال هذه المحاولات.
ومع اقتراب لحظة صمت السلاح، ينبغي التأكيد أن صوت الإعلام لا يجب أن يصمت. فمعركة السرديات لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية، بل قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد. الحفاظ على الوعي المجتمعي، ومواجهة التضليل، وحماية الهوية الوطنية، كلها معارك مستمرة لا تنتهي بانتهاء الأزمة.
كما أن تحصين الجبهة الداخلية يظل أولوية قصوى، من خلال مواجهة الشائعات التي تستهدف النيل من الثقة العامة وإضعاف الروح المعنوية، وهو ما يتطلب تكاتفًا مستمرًّا بين المؤسسات الإعلامية والثقافية.
وفي هذا السياق، استحضر مقولة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد للثقافة والبحوث بأن «الثقافة فعل مقاومة»، وهي عبارة تختزل جوهر المرحلة، فالثقافة، إلى جانب الإعلام، تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الأفكار الهدامة، وتسهم في ترسيخ الهوية وتعزيز التماسك الوطني.
إن دروس الأزمات تقاس بقدرة المجتمعات على التعلم منها. واليوم، تقف البحرين أمام فرصة لتعزيز مكتسباتها، من خلال الاستثمار في الإعلام الواعي، وتكريس ثقافة الصمود، وترسيخ وعي جمعي قادر على مواجهة التحديات بثقة وثبات، وذلك من خلال رسالة إعلامية وثقافية وتربوية تشترك فيها وزارات الدولة المختلفة، سواءٌ المعنية بالإعلام أو التربية أو الثقافة أو الشباب، ترسخ في أذهان أبناء وبنات البحرين الاعتزاز بهويتهم وحرص قيادات هذا الوطن على تأمين مواطني المملكة ومستقبلهم.
فقد يصمت السلاح.. لكن صوت الوعي يجب أن يبقى حاضرًا لا يسكت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك