دعونا في أكثر من مرة، وفي مقالات سابقة، إلى ضرورة تأسيس نظام مقاصة خليجي مستقل يخفف من اعتماد دول مجلس التعاون على النظام المالي العالمي، ويحد من المخاطر المتزايدة المرتبطة بإمكانية حجب نظام «سويفت» أو تقييد الوصول إلى قنوات الدفع الدولية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
وقد بدأت دول الخليج العربي بالفعل اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، من خلال إنشاء شركة المدفوعات الخليجية، التي أطلقت نظام AFAQ لتسوية المدفوعات بين دول المجلس بالعملات المحلية وبزمن شبه فوري. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها إذا علمنا أن هذه الدول ترتبط بشبكة تجارة واستثمار داخلي ضخمة، حيث تجاوزت الاستثمارات البينية الخليجية 130 مليار دولار، فيما تمثل التجارة البينية نسبة متنامية من إجمالي التجارة الخارجية بتجاوزها 150 مليار دولار، مع اتجاه واضح نحو مزيد من التكامل الاقتصادي.
غير أن بناء نظام نقدي متكامل لا يكتمل دون أدوات لإدارة السيولة، وهنا تبرز أهمية اتفاقيات مقايضة العملات، ومنها الاتفاقية الأخيرة بين البحرين والإمارات بقيمة تصل إلى 2 مليار دينار بحريني (نحو 5.3 مليارات دولار) مدة خمس سنوات.
هذه الاتفاقية توفر خط سيولة متبادل يسمح بالحصول على الدرهم الإماراتي مقابل الدينار البحريني عند الحاجة، دون المرور بالدولار أو الأسواق الدولية. وهنا تكمن أهميتها، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 70% إلى 80% من المدفوعات الدولية عالمياً تمر عبر الدولار، وهو ما يجعل أي اقتصاد معرضاً لمخاطر تقلباته أو القيود المرتبطة به.
في النموذج التقليدي، تمر معظم المعاملات الخليجية عبر الدولار كعملة وسيطة، ما يضيف تكاليف تحويل قد تتراوح بين 0.5% إلى 2% من قيمة العملية، إضافة إلى زمن التسوية الذي قد يمتد عدة أيام. أما مع وجود نظام مدفوعات إقليمي مدعوم بخطوط مقايضة، فيمكن خفض هذه التكاليف بشكل ملموس، وتسريع العمليات إلى مستوى قريب من الزمن الحقيقي.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل الوزن الاقتصادي لدول الخليج العربي، التي يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي مجتمعاً أكثر من 2 تريليون دولار، وتعد من أكبر مناطق تصدير الطاقة في العالم. ورغم ذلك، لا تزال معظم معاملاتها الخارجية، بما فيها تجارة النفط، مسعرة ومقومة بالدولار، مما يعكس فجوة بين الثقل الاقتصادي والقدرة النقدية الإقليمية.
من هنا، يمكن النظر إلى اتفاقيات المقايضة كجزء من بنية مالية قيد التشكل، تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:
أولها، أنظمة المدفوعات الإقليمية مثل AFAQ؛
وثانيها، خطوط السيولة بين البنوك المركزية؛
وثالثها، التوسع التدريجي في استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار.
ومع تكامل هذه العناصر، تبدأ ملامح نظام نقدي خليجي موازٍ للدولار بالظهور، ليس بهدف استبداله، بل لتقليص الاعتماد عليه في العمليات التشغيلية اليومية. فحتى خفض نسبة الاعتماد على الدولار في التجارة البينية من مستويات تقارب 90% حالياً إلى 60–70% خلال السنوات المقبلة، سيشكل تحولاً نوعياً في بنية النظام المالي الخليجي.
ومع ذلك، فإن هذا التحول سيبقى تدريجياً، نظراً لاستمرار ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار، وكونه يشكل العمود الفقري للنظام المالي العالمي. إلا أن ما يجري اليوم هو بناء طبقة نقدية إقليمية موازية تعزز المرونة، وتمنح دول الخليج العربي أدوات إضافية لإدارة السيولة والمخاطر.
في المحصلة، فإن اتفاقية المقايضة بين البحرين والإمارات، إلى جانب تطوير أنظمة المدفوعات الخليجية، تمثل خطوة متقدمة في مسار استراتيجي أوسع، هدفه بناء نظام مالي إقليمي أكثر استقلالاً وكفاءة، يتلاءم مع عالم يتجه تدريجياً نحو تعدد الأقطاب النقدية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك