العدد : ١٧٥٥٢ - الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٢ - الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

اتفاقية المقايضة.. نحو نظام نقدي خليجي موازٍ

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

دعونا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وفي‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة،‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تأسيس‭ ‬نظام‭ ‬مقاصة‭ ‬خليجي‭ ‬مستقل‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬المتزايدة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإمكانية‭ ‬حجب‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬سويفت‮»‬‭ ‬أو‭ ‬تقييد‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬قنوات‭ ‬الدفع‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بالفعل‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬شركة‭ ‬المدفوعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬نظام‭ ‬AFAQ‭ ‬لتسوية‭ ‬المدفوعات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬بالعملات‭ ‬المحلية‭ ‬وبزمن‭ ‬شبه‭ ‬فوري‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬أهميتها‭ ‬إذا‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ترتبط‭ ‬بشبكة‭ ‬تجارة‭ ‬واستثمار‭ ‬داخلي‭ ‬ضخمة،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬البينية‭ ‬الخليجية‭ ‬130‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬تمثل‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬نسبة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬بتجاوزها‭ ‬150‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬متكامل‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬دون‭ ‬أدوات‭ ‬لإدارة‭ ‬السيولة،‭ ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬اتفاقيات‭ ‬مقايضة‭ ‬العملات،‭ ‬ومنها‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬والإمارات‭ ‬بقيمة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬2‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭ (‬نحو‭ ‬5‭.‬3‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭) ‬مدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭.‬

هذه‭ ‬الاتفاقية‭ ‬توفر‭ ‬خط‭ ‬سيولة‭ ‬متبادل‭ ‬يسمح‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬الدرهم‭ ‬الإماراتي‭ ‬مقابل‭ ‬الدينار‭ ‬البحريني‭ ‬عند‭ ‬الحاجة،‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬بالدولار‭ ‬أو‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهميتها،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬70‭% ‬إلى‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬المدفوعات‭ ‬الدولية‭ ‬عالمياً‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬الدولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اقتصاد‭ ‬معرضاً‭ ‬لمخاطر‭ ‬تقلباته‭ ‬أو‭ ‬القيود‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬

في‭ ‬النموذج‭ ‬التقليدي،‭ ‬تمر‭ ‬معظم‭ ‬المعاملات‭ ‬الخليجية‭ ‬عبر‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬وسيطة،‭ ‬ما‭ ‬يضيف‭ ‬تكاليف‭ ‬تحويل‭ ‬قد‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬0‭.‬5‭% ‬إلى‭ ‬2‭% ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العملية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬التسوية‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭. ‬أما‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬مدفوعات‭ ‬إقليمي‭ ‬مدعوم‭ ‬بخطوط‭ ‬مقايضة،‭ ‬فيمكن‭ ‬خفض‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس،‭ ‬وتسريع‭ ‬العمليات‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬الحقيقي‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬مجتمعاً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬وتعد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مناطق‭ ‬تصدير‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬معظم‭ ‬معاملاتها‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬تجارة‭ ‬النفط،‭ ‬مسعرة‭ ‬ومقومة‭ ‬بالدولار،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والقدرة‭ ‬النقدية‭ ‬الإقليمية‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬اتفاقيات‭ ‬المقايضة‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬مالية‭ ‬قيد‭ ‬التشكل،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعمدة‭ ‬رئيسية‭:‬

أولها،‭ ‬أنظمة‭ ‬المدفوعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬مثل‭ ‬AFAQ؛

وثانيها،‭ ‬خطوط‭ ‬السيولة‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية؛

وثالثها،‭ ‬التوسع‭ ‬التدريجي‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬العملات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والاستثمار‭.‬

ومع‭ ‬تكامل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر،‭ ‬تبدأ‭ ‬ملامح‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬خليجي‭ ‬موازٍ‭ ‬للدولار‭ ‬بالظهور،‭ ‬ليس‭ ‬بهدف‭ ‬استبداله،‭ ‬بل‭ ‬لتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬التشغيلية‭ ‬اليومية‭. ‬فحتى‭ ‬خفض‭ ‬نسبة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬تقارب‭ ‬90%‭ ‬حالياً‭ ‬إلى‭ ‬60–70%‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬سيشكل‭ ‬تحولاً‭ ‬نوعياً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الخليجي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬سيبقى‭ ‬تدريجياً،‭ ‬نظراً‭ ‬لاستمرار‭ ‬ارتباط‭ ‬معظم‭ ‬العملات‭ ‬الخليجية‭ ‬بالدولار،‭ ‬وكونه‭ ‬يشكل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للنظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬طبقة‭ ‬نقدية‭ ‬إقليمية‭ ‬موازية‭ ‬تعزز‭ ‬المرونة،‭ ‬وتمنح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬أدوات‭ ‬إضافية‭ ‬لإدارة‭ ‬السيولة‭ ‬والمخاطر‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬فإن‭ ‬اتفاقية‭ ‬المقايضة‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬والإمارات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬المدفوعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬تمثل‭ ‬خطوة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬استراتيجي‭ ‬أوسع،‭ ‬هدفه‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬مالي‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالاً‭ ‬وكفاءة،‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬تعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬النقدية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا