العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٠ - السبت ١١ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
الفقر والثراء في السينما.. لماذا تؤثر فينا الأعمال الفنية ولماذا نرى أنفسنا فيها؟

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ١٠ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

الفن ليس ترفًا بصريًا أو حكايةً للمتعة فقط، بل تحوّل إلى أداة للفهم، ليس لأنه يقدّم إجاباتٍ جاهزة، بل لأنه يطرح الأسئلة التي نخشى مواجهتها. فبينما تنشغل الأرقام برصد التحولات الاقتصادية، وتوثّق الدراسات تبدّل البُنى الاجتماعية، يبقى الفن هو المساحة التي نرى فيها أثر كل ذلك على الإنسان… لا كما يُقال، بل كما يُعاش.

وهنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاح : كيف يعكس الفن هذه التحولات؟ وهل ما يقدّمه من صور للفقر والثراء هو انعكاسٌ صادق، أم مبالغة درامية تُعيد تشكيل الواقع وفق ما يثيرنا لا ما يمثّلنا؟

الفن، بطبيعته، لا يعمل كمرآةٍ صافية، بل كمرآةٍ منحازة للشعور. هو لا ينقل الواقع كما هو، بل كما يُحسّ به. لذلك، حين تتبدّل موازين الاقتصاد، لا نرى ذلك فقط في تقارير الدخل والبطالة، بل في تفاصيل الحياة اليومية: في القلق الذي يسكن الوجوه، في الأحلام التي تصغر، وفي العلاقات التي تتغيّر دون إعلان.

في “عمارة يعقوبيان”، لا تُروى الحكاية من خلال خطٍ واحد، بل عبر طبقاتٍ متجاورة، تعيش في المكان ذاته، لكنها لا تعيش الواقع نفسه. بناية واحدة تختصر مجتمعًا كاملًا، حيث يتجاور الثراء المتآكل مع الفقر المتصاعد، دون أن يلتقيا فعليًا، هنا، لا يكون الاقتصاد خلفية، بل قوة خفية تعيد ترتيب المصائر.

الثراء في هذا العالم ليس قوة مطلقة، بل حالة قديمة تحاول أن تصمد. والفقر ليس مجرد نقصٍ في المال، بل انسدادٌ في الفرص. وبين الاثنين، تتشكّل منطقة رمادية، تتحرك فيها الشخصيات، باحثةً عن مكانٍ لا يبدو متاحًا بسهولة.

لكن، هل هذه الصورة دقيقة؟ وهل يعكس الفيلم الواقع كما هو، أم يختار أكثر زواياه حدّة ليصدمنا؟
وهل ما نراه هو الحقيقة، أم تكثيفٌ لها؟

على الجانب الآخر، يأتي “حين ميسرة” ليأخذنا إلى أقصى حافة، هنا، لا مساحة للتجميل فالفقر ليس خلفية، بل هو البطل الحقيقي والفيلم عبارة عن مزيج من العشوائيات، والازدحام، والقسوة اليومية، وشخصيات تعيش على حافة البقاء. الفيلم لا يطلب تعاطفًا بقدر ما يفرض مواجهة.

لكن هذه المواجهة تفتح بابًا لأسئلة أكثر إرباكًا:
هل الفقر فعلًا بهذا السواد الدائم؟
أم أن الدراما تختار أكثر صوره قسوة لأنها الأكثر تأثيرًا؟
هل نحن أمام واقعٍ يُنقل، أم واقعٍ يُعاد تشكيله ليصبح أكثر درامية؟

الحقيقة أن الفقر، كما الثراء، ليس حالة واحدة في الواقع بل هو طيف واسع من التجارب، فيه القسوة كما فيه العادي، فيه الانكسار كما فيه القدرة على التكيّف. لكن الفن، حين يختار، يميل إلى الحواف، إلى اللحظات القصوى، لأنها الأقدر على البقاء في الذاكرة.

وهنا تكمن المفارقة: نحن لا نرى الواقع كما هو، بل كما يُقدَّم لنا في أكثر صوره كثافة.

أما الثراء، ففي كثير من الأعمال، لا يُقدَّم كتجربة إنسانية معقّدة، بل كصورة بصرية.. بيوت فاخرة، حياة مريحة، تفاصيل لامعة. لكنه في “عمارة يعقوبيان” يتصدّع، فيفقد يقينه، ويتحوّل إلى حالة من التمسك بماضٍ لم يعد موجودًا.

وهذا بدوره يطرح سؤالًا آخر:
هل الثراء في الدراما حقيقي، أم مجرد صورة لما نتصوّره عنه؟
وهل نراه كما هو، أم كما نرغب أن يكون؟

في هذا السياق، لا يعود الفن مجرد ناقلٍ للواقع، بل شريكًا في تشكيله فهو لا يعكس فقط ما يحدث، بل يختار كيف نراه، وأي زاوية نصدّقها، وأي صورة تبقى في وعينا.

الفن لا يكذب، لكنه لا يقول كل الحقيقة فهو يُبرز، ويُخفي، ويكثّف، ويعيد ترتيب العالم وفق منطقه الخاص.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يكمن في دقة الصورة، بل في أثرها: لماذا نصدّق هذه الصور؟
لماذا تؤثر فينا إلى هذا الحد؟
ولماذا نرى أنفسنا فيها، حتى حين نعلم أنها ليست كاملة؟

ربما لأننا، في النهاية، لا نبحث في الفن عن نسخةٍ مطابقة للواقع، بل عن معنى لهذا الواقع. عن طريقة نفهم بها ما يحدث حولنا، حتى لو كانت هذه الطريقة منحازة، أو ناقصة، أو حتى قاسية.

الفن لا يقدّم لنا العالم كما هو…
بل كما يمكن أن نراه، إذا تجرأنا على النظر.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا