العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٨ - الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية
نحن.. وأنتم

أحمد عبدالحميد

الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬اللحظات‭ ‬الفارقة،‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬الأزمات‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬التحديات،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬معادن‭ ‬الدول،‭ ‬وعن‭ ‬فلسفتها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭. ‬

ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬سارعت‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬تحذير‭ ‬مواطنيها‭ ‬بضرورة‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المواقع‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مستهدفة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬احترازية‭ ‬صارمة‭ ‬لحماية‭ ‬الأرواح،‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬دعوات‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬تطالب‭ ‬المواطنين‭ ‬بالوجود‭ ‬حول‭ ‬منشآت‭ ‬حيوية‭ ‬كالكهرباء،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬اختلافًا‭ ‬جذريًا‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭: ‬هل‭ ‬هو‭ ‬قيمة‭ ‬تُصان‭ ‬أم‭ ‬أداة‭ ‬تُستغل؟

هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحقائق‭ ‬حول‭ ‬نحن‭ ‬وأنتم‭!‬

في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬السياسات‭ ‬العامة،‭ ‬وهو‭ ‬الهدف‭ ‬الأول‭ ‬لكل‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي،‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬شعارات،‭ ‬بل‭ ‬واقع‭ ‬تُثبته‭ ‬القرارات‭ ‬والمواقف،‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬توجيهات‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬وتكليف‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بتعويض‭ ‬المواطنين‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬منازلهم‭ ‬أو‭ ‬مركباتهم،‭ ‬ودراسة‭ ‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للاعتداءات‭ ‬الإيرانية‭.‬

هذه‭ ‬التوجيهات‭ ‬تجسد‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الراعية‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬وصون‭ ‬كرامته‭ ‬أولوية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التأجيل،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭.‬

هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬إيمان‭ ‬راسخ‭ ‬بأن‭ ‬رسالة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬هي‭ ‬الإعمار،‭ ‬لا‭ ‬الهدم،‭ ‬وأن‭ ‬التنمية‭ ‬ليست‭ ‬أرقامًا‭ ‬اقتصادية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬ذاته‭: ‬تعليمه،‭ ‬صحته،‭ ‬استقراره،‭ ‬وكرامته‭.‬

وعندما‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الأرقام،‭ ‬تتضح‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر؛‭ ‬فوفقا‭ ‬لتقرير‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬2025،‭ ‬تحتل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مراتب‭ ‬متقدمة‭ ‬عالميًا‭ ‬ضمن‭ ‬فئة‭ ‬‮«‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬المرتفعة‭ ‬جدًا‮»‬‭. ‬فالبحرين‭ ‬والإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬وقطر‭ ‬والسعودية‭ ‬والكويت‭ ‬وعُمان‭ ‬تصنف‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة،‭ ‬بمؤشرات‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬ومتوسط‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع،‭ ‬ومستوى‭ ‬الدخل‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬ترتيب،‭ ‬بل‭ ‬انعكاسا‭ ‬لسياسات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬وضعت‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬التنمية‭. ‬فمتوسط‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬يرتفع‭ ‬بفضل‭ ‬جودة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬ونسب‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬تحسن‭ ‬مستمر،‭ ‬مع‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬حديثة‭ ‬توفر‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬عالية‭ ‬للمواطن‭ ‬والمقيم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تقف‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬مختلف،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬يتجاوز ‭ ‬90 ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬أي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬سكان‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مجتمعة،‭ ‬فإن‭ ‬ترتيبها‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬التنمية‭ ‬البشرية‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬فئة‭ ‬أدنى،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الإمكانات‭ ‬والنتائج‭. ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬ليست‭ ‬قدرًا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬أو‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لاختيارات‭ ‬سياسية‭ ‬وجهت‭ ‬موارد‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬الصراعات‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬التنمية‭.‬

إن‭ ‬المقارنة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬بهدف‭ ‬التفاخر،‭ ‬بل‭ ‬لتوضيح‭ ‬الفارق‭ ‬في‭ ‬النهج،‭ ‬فدول‭ ‬الخليج،‭ ‬رغم‭ ‬تحدياتها،‭ ‬اختارت‭ ‬طريق‭ ‬الاستقرار‭ ‬والبناء،‭ ‬وركزت‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الإنسان‭ ‬باعتباره‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بينما‭ ‬اختار‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬أولوية،‭ ‬وأن‭ ‬يسخر‭ ‬مقدرات‭ ‬شعبه‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬عليه‭ ‬بالأمن‭ ‬ولا‭ ‬الرفاه‭.‬

لذلك‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يوجه‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬3000‭ ‬صاروخ‭ ‬وطائرة‭ ‬مسيرة‭ ‬نحو‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬والحيوية‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬حربه،‭ ‬مستهدفا‭ ‬مظاهر‭ ‬التنمية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬وتعري‭ ‬اختياراته‭.‬

نحن‭ ‬نستثمر‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والمستشفيات‭.. ‬وأنتم‭ ‬تستثمرون‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الدمار‭.‬

نحن‭ ‬نرفع‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭.. ‬وأنتم‭ ‬ترفعون‭ ‬منسوب‭ ‬التوتر‭ ‬والتصعيد‭.‬

نحن‭ ‬نؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬تُقاس‭ ‬بمدى‭ ‬سعادتها‭ ‬لمواطنيها‭.. ‬وأنتم‭ ‬تقيسونها‭ ‬بمدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الصراعات‭.‬

والنتيجة‭ ‬واضحة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬بموضوعية‭: ‬مدن‭ ‬خليجية‭ ‬حديثة،‭ ‬اقتصادات‭ ‬متنامية،‭ ‬مجتمعات‭ ‬مستقرة،‭ ‬مقابل‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومعيشية‭ ‬داخل‭ ‬إيران،‭ ‬حيث‭ ‬يعاني‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬التضخم‭ ‬وتراجع‭ ‬العملة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تُهدر‭ ‬فيه‭ ‬الموارد‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭.‬

إن‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬بيننا‭ ‬وبينهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الأرقام،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الفلسفة،‭ ‬فلسفة‭ ‬ترى‭ ‬الإنسان‭ ‬غاية‭ ‬التنمية،‭ ‬وأخرى‭ ‬تراه‭ ‬وسيلة‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬أكبر‭ ‬منه‭.‬

نحن‭ ‬نبني‭ ‬الإنسان‭.. ‬وأنتم‭ ‬تستهلكونه،‭ ‬نحن‭ ‬نُعمر‭ ‬الأرض‭.. ‬وأنتم‭ ‬تستنزفونها‭.‬

وهكذا،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أزمة،‭ ‬يتجدد‭ ‬السؤال،‭ ‬وتأتي‭ ‬الإجابة‭ ‬واضحة‭: ‬أي‭ ‬طريق‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؟‭ ‬طريق‭ ‬الإنسان‭.. ‬أم‭ ‬طريق‭ ‬الصراع؟‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا