العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٦ - الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

سوء توظيف إيران للتكنولوجيا العسكرية: جرائم ضد الإنسانية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٦ - 20:14

كثيرة هي القضايا التي أثير حولها النقاش نتيجة الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي، سواءً السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، إلا أن هذا المقال يستهدف تسليط الضوء على بُعدٍ آخر لهذه القضية، وهو سوء توظيف إيران للتكنولوجيا العسكرية لتهديد أمن دول الجوار، وكيفية محاسبة إيران أمام الجهات الدولية حول هذه الجرائم. فمع وضوح مضامين ميثاق الأمم المتحدة، وخاصةً المواد المتعلقة بانتهاك الأمن والسلم الدوليين، والإجراءات التي يجب أن تتخذها دول مجلس التعاون، سواءً فرادى أو جماعة، لمواجهة هذه الاعتداءات، فإن الأمر ليس بالوضوح ذاته بشأن الجرائم التي يتم إساءة توظيف التكنولوجيا فيها لتهديد أمن الدول، ولذلك أسباب عديدة، وهي: تحول التكنولوجيا العسكرية إلى جوهر قوة الدول، وإعادتها لترتيب تصنيف قوة الدول على المستوى العالمي. لذا ترفض تلك الدول فرض قيود على امتلاكها لتلك التكنولوجيا، بيد أن المعضلة لا تكمن في الدول الكبرى، بل في سلوك القوى الإقليمية، ومنها إيران، وكذلك المليشيات المسلحة، في السعي إلى امتلاك تلك التكنولوجيا بهدف تهديد المنشآت الحيوية للدول أثناء الصراعات الإقليمية. والأمثلة على ذلك عديدة، إذ لم تكن الحرب الحالية منشئةً لذلك الخطر بل كاشفةً لأبعاده. ففي عام 2019م، تعرضت منشأتا بقيق وخريص النفطيتين في المملكة العربية السعودية لهجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ، وهو هجوم غير مسبوق على البنية التحتية للنفط. وفي فبراير 2024م، شن الحوثيون هجوماً بغواصة مسيّرة للمرة الأولى ضد السفن في البحر الأحمر، ولكن القيادة المركزية الأمريكية أحبطت ذلك الهجوم. 

وإزاء ذلك الخطر، ورغم تضارب مصالح الدول الكبرى على نحوٍ خاص في هذا الشأن، لم يقف المجتمع الدولي مكتوف الأيدي، جرت محاولتان من جانب الأمم المتحدة لتسليط الضوء على تلك الجرائم وسبل مواجهتها، الأولى: في عام 2023م، بتخصيص مجلس الأمن للمرة الأولى لجلسة بعنوان "الذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر للسلام والأمن الدوليين"، وفي هذا الإطار قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "إن التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية والتكنولوجيا البيولوجية والتكنولوجيا العصبية وتكنولوجيا الروبوتات هو أمر مقلق للغاية". والثانية: في عام 2024م، في جلسة لمجلس الأمن بعنوان "صون السلام والأمن الدوليين: التصدي للتهديدات المتطورة في الفضاء السيبراني"، وقال غوتيريش خلالها: "إن إساءة استخدام التكنولوجيا الرقمية أصبح أكثر تطوراً وخفية". رغم ذلك، لم تستطع دول العالم حتى الآن التوصل إلى اتفاقية دولية تجرّم مثل تلك الأفعال. ولا يعني ذلك غياب الأسس القانونية لمحاسبة إيران في هذا الشأن، فهي تندرج تحت الجرائم ضد الإنسانية، وتم تعريفها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومن بينها القتل من خلال هجوم واسع النطاق ضد المدنيين، سواءً في زمن السِّلم أو الحرب. وبمقدور مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الارتكاز على أدلة قانونية حيال الاعتداءات الإيرانية، وهي قرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر بتاريخ 11 مارس 2026م، وتضمّن إدانة هجمات إيران على أراضي هذه الدول واعتبارها خرقاً للقانون الدولي، وتهديداً خطيراً للسلام والأمن الدوليين، وحظي بتأييد 136 دولة من أعضاء المنظمة الأممية. هناك أيضاً قرار مجلس حقوق الإنسان حول تداعيات الهجمات الإيرانية غير المبررة التي استهدفت دول مجلس التعاون والأردن، وذلك خلال أعمال الدورة الحادية والستين، بالإضافة إلى الخبرة التراكمية لمملكة البحرين، التي تم اختيارها في مارس 2024م مع أربع دول أخرى هي: كندا والبرتغال والنمسا، لتكوين فريق عمل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن جهد دولي استمر لمدة عام كامل لاستكشاف أطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الصناعات العسكرية.

إن سياسات حسن الجوار – وإن كانت يجب أن تؤسس على بناء الثقة – فإن الاعتداءات الإيرانية على مملكة البحرين ودول الخليج العربي، وخاصةً على المنشآت المدنية، بما يخالف كافة القوانين والأعراف والاتفاقيات الدولية – تقتضي المحاسبة، بل والتعويض عن الأضرار. فإن كانت إيران تطالب الولايات المتحدة بضمانات بعدم الاعتداء مستقبلاً، فالمطلب ذاته حق جماعي لدول مجلس التعاون، ليس فقط لضمان عدم الاعتداء مستقبلاً، بل أيضاً لمحاسبة إيران على استهدافها المتعمّد والموثّق للمنشآت المدنية.

أخيراً وليس آخراً، ستشكّل العضوية غير الدائمة لمملكة البحرين في مجلس الأمن الدولي لعامي 2026-2027م فرصة مهمة لإثارة النقاش حول أهمية التوصل إلى اتفاقية دولية تجرّم إساءة توظيف التكنولوجيا، وذلك ضمن أولويات المملكة خلال فترة عضويتها، إذ لا تقل أهمية معركة التوصل إلى تلك الاتفاقية عن أهمية معارك دول العالم للتوصل إلى اتفاقيات كبح التغيّر المناخي ونزع أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من قضايا التحديات المشتركة.   

 

 مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية، مركز "دراسات"

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا