في ظل التصعيد المتسارع والتوترات التي تشهدها المنطقة، تتكشف ملامح مرحلة دقيقة تتطلب قراءة واعية لما يدور من حولنا، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من منطق المسؤولية الوطنية. فالمحاولات الإيرانية العدائية الغاشمة الرامية إلى زعزعة أمن الخليج العربي، واستخدامه كورقة تفاوض في صراعات إقليمية ودولية، لن تجلب إلا مزيدًا من التعقيد، ولن تحقق استقرارًا لأي طرف.
إن الرهان على تأجيج الصراعات، أو ما يمكن وصفه بـ«اللعب على الحصان الخاسر»، لا يمكن أن يستمر طويلًا، لأن منطق الحروب الكبرى حين يبلغ ذروته، يكشف الحقائق ويعيد ترتيب موازين القوى على أسس واقعية، لا على أوهام أو شعارات.
وفي هذا السياق، فإن استهداف دول الجوار أو محاولة النيل من استقرارها، لا يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة، وزيادة التماسك بين الحكومات والشعوب الخليجية التي أثبتت عبر التاريخ قدرتها على تجاوز التحديات بروح الوحدة والمسؤولية.
ومن هنا، تبرز أهمية تقوية الجبهة الداخلية، باعتبارها الدرع الحقيقي في مواجهة حملات التظليل والفبركة الإعلامية، التي لم تعد تقتصر على الوسائل التقليدية، بل تطورت لتشمل أدوات حديثة، من بينها تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في تضليل الرأي العام وبث الشائعات والحرب النفسية.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات في أوقات الأزمات، هو محاولات خلط الأوراق، واستغلال الانتماءات الضيقة لإضعاف الانتماء الوطني. ولذلك، فإن المرحلة الراهنة تتطلب وعيًا عميقًا يميز بين الولاء المذهبي والانتماء الوطني، ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كما أن من الضروري عدم الانجرار وراء الأبواق الدعائية التي تسعى إلى قلب الحقائق، وتحويل الخسائر إلى انتصارات وهمية، وهي أساليب درجت عليها الأطراف التي تعاني من الإخفاقات في ساحات المواجهة.
وفي المقابل، يحق لنا أن نفخر بما تبذله مؤسساتنا الوطنية، وفي مقدمتها قوة دفاع البحرين والإدارة العامة للدفاع المدني والاسعاف الوطني، من جهود كبيرة في حماية الوطن وصون مكتسباته، حيث أثبتت كفاءتها العالية في التصدي للمخاطر، والحفاظ على أمن الأحياء المدنية والمنشآت الحيوية، ما يعكس مستوى الجهوزية الاحترافية والاستعداد.
لقد أنعم الله على البحرين بنهج ثابت قائم على عدم الاعتداء، والحكمة في إدارة الأزمات، وضبط النفس في أحلك الظروف، وهو نهج لم يكن يومًا خيار ضعف، بل استراتيجية قوة تعكس رؤية بعيدة المدى تسعى إلى ترسيخ السلام والاستقرار، ليس على المستوى الوطني فحسب، بل الإقليمي والدولي أيضًا.
وفي هذا الإطار، نستحضر بكل فخر واعتزاز قيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، الذي رسّخ نهج الحكمة والسلام، وجعل من الاعتدال وضبط النفس ركيزة أساسية في السياسة البحرينية، مؤكدًا دومًا أن أمن الوطن واستقراره هو الأولوية العليا، وأن السلام هو الخيار الذي تنتصر به الشعوب وتُصان به الأوطان.
والله ولي التوفيق.
المستشار لشؤون المجتمع بوزارة الداخلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك