في ظلّ التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط خلال عام 2026، ومع احتدام المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل والعدوان على دول الخليج العربي ، كان من المنطقي أن ترتفع أسعار الذهب كما جرت العادة في أوقات الحروب والأزمات السياسية. إلا أن ما حدث فعليًا خالف التوقعات، حيث سجّل الذهب تراجعًا ملحوظًا بعد موجة ارتفاع أولية .ففي بداية العام، وصل الذهب إلى مستويات قياسية قاربت 5,600 دولار للأونصة، لكنه ما لبث أن تراجع بشكل واضح مع تطور الأحداث. وتشير البيانات إلى أن الأسعار انخفضت بنحو 10% إلى 18% منذ بداية الحرب، كما سجّل واحدة من أسوأ موجاته الأسبوعية منذ عقود، حيث هبط بأكثر من 10% خلال أسبوع واحد، وهو أكبر تراجع أسبوعي منذ ما يقارب 40 عامًا . كما انخفض في بعض الفترات إلى ما دون 4,400 دولار للأونصة، بعد أن كان قريبًا من قمته التاريخية .
هذا الانخفاض جاء في توقيت لافت، حيث تزامن مع موسم الأعياد في الخليج، خصوصًا عيد الفطر وعيد الأم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسواق. فقد شهدت محلات الذهب في دول الخليج حركة نشطة، مع زيادة الإقبال من المستهلكين الذين استغلوا تراجع الأسعار للشراء، سواء للهدايا أو الادخار. وتشير تقديرات السوق إلى أن الطلب ارتفع بنسب تراوحت بين 20% و30% خلال هذه الفترة مقارنة بالأسابيع التي سبقتها، وهو ما ساهم في إنعاش الأسواق بعد فترة من الترقب.
ورغم هذا النشاط، لم تكن الصورة مكتملة من حيث توفر المعروض، خاصة في فئة السبائك الذهبية. فقد ظهرت حالة شح نسبي في السبائك، نتيجة ارتفاع الطلب من جهة، وتردد عدد من التجار في البيع من جهة أخرى. وكان هذا التردد مدفوعًا بحالة عدم اليقين في السوق، حيث فضّل بعض التجار الاحتفاظ بالمخزون انتظارًا لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار، خصوصًا في ظل استمرار التوترات السياسية وإغلاق مضيق هرمز. ونتيجة لذلك، أصبح الحصول على السبائك أصعب مقارنة بالفترات السابقة، في وقت كان فيه الطلب عليها مرتفعًا.
أما عن سبب انخفاض الذهب رغم الحرب، فيعود إلى عدة عوامل مجتمعة، أبرزها أن هذه الأزمة رفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، حيث تجاوز النفط حاجز 110 دولارات للبرميل، ما أدى إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا . هذا الوضع دفع الأسواق إلى التوجه نحو الدولار بدلًا من الذهب، كما قلل من فرص خفض الفائدة، وهو ما ضغط على أسعار المعدن الأصفر. كما أن جزءًا من الارتفاع كان قد حدث بالفعل في بداية الأزمة، ثم بدأت عمليات بيع لجني الأرباح، ما ساهم في تسريع التراجع.
ورغم كل هذه العوامل، يبقى الأهم أن سلوك الذهب في هذه المرحلة أكد حقيقة يعرفها المتعاملون في السوق منذ زمن، ألا وهي بأنه لا يمكن الجزم ولا التنبؤ بتحركات الذهب بدقة. فقد يرتفع في أوقات الهدوء، وينخفض في أوقات التوتر، لأن حركته لا تعتمد على عامل واحد فقط، بل على مجموعة متداخلة من المؤثرات التي تتغير باستمرار.
في المحصلة، يكشف سلوك الذهب في حرب 2026 بالشرق الأوسط عن تحوّل نوعي في فهم الأسواق للمخاطر. فلم تعد الحروب وحدها كافية لدفع الأسعار إلى الارتفاع، بل أصبح العامل الحاسم هو كيف تؤثر هذه الحروب على التضخم والسياسات النقدية. وبينما يبقى الذهب أصلًا استراتيجيًا على المدى الطويل، فإن أداءه الحالي يعكس مرحلة انتقالية في الاقتصاد العالمي، حيث تتقدّم معادلة “الفائدة والتضخم” على معادلة “الخوف والملاذ الآمن” .
هل اتجهتم لشراء الذهب خلال الأزمة ؟ شاركونا بآرائكم ونتطلع إلى مقترحاتكم للمواضيع القادمة والاجابة على تساؤلاتكم على البريد الالكتروني: seemajewelsbh@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك