في مسار التاريخ، تُبنى الدول وتُصاغ أمجادها عبر مواقف حاسمة ورؤىً ثاقبةً تُدرك حركة الزمن وتتفاعل معها بوعيٍ عميقٍ. وحين نتأمل مسيرة الدبلوماسية البحرينية، نجد أنفسنا أمام أنموذجٍ فريدٍ لمملكةٍ أدركت مبكرًا أن حجم التأثير يُقاس بعمق الرؤية، وصلابة الموقف، والقدرة على نسج التحالفات الاستراتيجية في اللحظات الفارقة. إن ما تشهده مملكة البحرين اليوم من حضورٍ دوليٍ وازنٍ، يتوج بعضويتها في مجلس الأمن الدولي وترؤسها له، هو امتدادٌ طبيعيٌ لتاريخٍ مجيدٍ، تأسس على قواعد متينةٍ من الحكمة والاعتدال والمبادرة.
لكي نفهم الحاضر، لا بُدَّ أن نعود إلى الجذور، إلى تلك المنعطفات التاريخية التي شكلت الوعي الدبلوماسي البحريني، فقد حرص المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه (1869-1932م)، على تعزيز دعائم العلاقات الدولية للبحرين من خلال التزامه بالمعاهدات والمواثيق التي عقدتها؛ وهو ما عكس حنكته في التعامل مع القوى الكبرى، والحفاظ على سيادة البحرين، وحماية مصالحها، كما حرص، طيب الله ثراه، على تعزيز العلاقات البحرينية-الخليجية، فامتازت في عهده بالمتانة، ووحدة الكلمة، والتضامن؛ إذ أكد إيمانه المطلق بوحدة المصير، والوقوف مع أشقائه من حكام الخليج العربي في السراء والشدائد، فكانت البحرين في عهده محورًا للتواصل الأخوي الإقليمي.
وفي خضم الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م)، تلك العاصفة التي عصفت بالعالم وأعادت رسم خرائطه، وقف الشيخ عيسى بن علي آل خليفة موقفًا ينم عن قراءةٍ دقيقةٍ لموازين القوى ومسارات المستقبل، فاختار الانحياز إلى جانب الحلفاء، حيث أسهمت البحرين في صناديق الإغاثة، ووجهت سياساتها الداخلية لتخفيف وطأة الحرب على السكان، في دلالةٍ واضحةٍ على تحمل المسؤولية التاريخية بشجاعةٍ واقتدارٍ.
وقد امتد هذا الحضور ليتخذ شكلًا دبلوماسيًا رفيع المستوى، ففي عام 1919م، وعقب انتصار الحلفاء، أوفد الشيخ عيسى بن علي آل خليفة نجله الشيخ عبدالله بن عيسى بن علي آل خليفة إلى العاصمة البريطانية لندن، في زيارةٍ تاريخيةٍ التقى خلالها بالملك جورج الخامس (1910-1936م). وجاءت هذه الخطوة لتؤكد موقع البحرين كحليفٍ موثوقٍ وشريكٍ استراتيجيٍ في صياغة استقرار المنطقة، كما كانت تلك الخطوة بمثابة إعلانٍ مبكرٍ لنضج الدبلوماسية البحرينية وقدرتها على التحرك في الساحات الدولية الكبرى. وكما يقول المفكر العسكري أنطوان هنري جوميني: «في الحرب، يكون الحليف أمرًا مرغوبًا فيه بالطبع، مع تساوي جميع العوامل الأخرى»، فقد أثبتت البحرين دائمًا أنها الحليف الموثوق الذي يُعتمد عليه في الملمات.
وتواصلت هذه المسيرة بخطًى واثقةٍ في عهد صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه (1932-1942م)، ففي صيف عام 1936م قام بزيارةٍ مهمةٍ لبريطانيا، التقى خلالها بالملك إدوارد الثامن (1936م)، في خطوةٍ استهدفت تعزيز العلاقات الثنائية وتوطيد أواصر التعاون المشترك. وحين اندلعت شرارة الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) لم تتردد البحرين في تأكيد موقفها الثابت إلى جانب قوى الحرية والسلام، فقد بادر الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، في بداية الحرب، بتقديم تبرعٍ سخيٍ لصالح الحلفاء، في خطوةٍ تعكس إيمانًا عميقًا بضرورة التصدي لقوى الهيمنة والتسلط، وتؤكد أن البحرين تمتلك إرادةً سياسيةً قادرةً على التأثير والمشاركة في صنع التاريخ. وهنا تتجلى الرؤية الاستراتيجية التي تتقاطع مع مقولة المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: «إن الحرب ما هي إلا استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، فقد أدركت البحرين أن دعمها للحلفاء هو امتداد لسياستها الرامية إلى حفظ الاستقرار العالمي.
ولم تقف عجلة الدبلوماسية البحرينية عند هذا الحد، بل شهدت زخمًا متزايدًا في عهد المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، طيب الله ثراه (1942-1961م)، ففي عام 1953م قام بزيارةٍ تاريخيةٍ لبريطانيا، التقى خلالها برئيس الوزراء البريطاني السير ونستون تشرشل، ما يدل على المكانة الرفيعة التي حظيت بها البحرين دوليًا، والثقل الاستراتيجي الذي تميزت به، فضلا عن زيارة عددٍ من الزعماء العرب وغيرهم خلال تلك الفترة للتشاور والتنسيق في المواقف الدولية، ما جعل البحرين محورًا مهمًا في التفاعلات الإقليمية والعالمية.
ومع تولي المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه (1961-1999م) مقاليد الحكم، شهدت البحرين نقلةً نوعيةً مهمةً في مسيرتها الدبلوماسية، فقد انضمت البحرين إلى عدة مؤسساتٍ دوليةٍ بارزةٍ، منها الأمم المتحدة، ولعبت دورًا رياديًا في دعم وتعزيز جهود مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه عام 1981م، فضلا عن مشاركتها الفاعلة في غيرها من المنظمات الأممية. وقد تجلى هذا الالتزام بأبهى صوره حين وقفت البحرين بحزمٍ وثباتٍ إلى جانب أشقائها في دولة الكويت الشقيقة إبان الغزو العراقي الغاشم عام 1990م، في موقفٍ تاريخيٍ يعكس عمق الروابط الأخوية والتزام البحرين الراسخ بمبادئ السيادة الوطنية ووحدة الصف الخليجي والعربي. لقد كانت تلك المرحلة بمثابة ترسيخٍ للحضور البحريني المؤسسي في النظام العالمي، وتأكيدًا لالتزامها بالعمل الجماعي المشترك.
هذه المواقف التاريخية، التي وثقتها السجلات وحفظتها الذاكرة الوطنية، كانت اللبنات الرئيسة التي أسست لصرح الدبلوماسية البحرينية الحديثة. إنها الدبلوماسية التي استمدت قوتها من التوازن، واستلهمت رؤيتها من الانفتاح على العالم، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية كافة.
واليوم، ونحن نشهد مملكة البحرين تتبوأ مقعدها كعضوٍ غير دائمٍ في مجلس الأمن الدولي للفترة (2026-2027م)، وتتولى رئاسة هذا المجلس الأممي الرفيع في شهر أبريل 2026م، نُدرك أن هذا الإنجاز ليس سوى تتويجٍ لمسيرةٍ طويلةٍ من العمل الدؤوب والمصداقية الدولية. إن هذا الحضور في أعلى منصةٍ دوليةٍ معنيةٍ بحفظ السلم والأمن العالميين يعكس ثقة المجتمع الدولي في حكمة القيادة البحرينية، وفي قدرتها على تقديم إسهاماتٍ إيجابيةٍ وبناءةٍ في معالجة القضايا الإقليمية والدولية المعقدة.
إن هذا النجاح الدبلوماسي الباهر لم يكن ليتحقق لولا الرؤية الثاقبة والقيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، فقد أرسى جلالته دعائم سياسةٍ خارجيةٍ تتسم بالمرونة والفاعلية، وتنطلق من مبادئ الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والدعوة الدائمة إلى الحوار والسلام. وفي ظل المسيرة التنموية الشاملة التي يقودها جلالته، أيده الله تعالى، أصبحت مملكة البحرين أنموذجًا يُحتذى به في التعايش السلمي والانفتاح الحضاري، ما عزز من مكانتها كشريكٍ فاعلٍ في المجتمع الدولي.
ويبرز في هذا السياق الدور المحوري والدعم اللامحدود الذي يُقدمه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، فقد كان لجهود سموه ومتابعته الحثيثة الأثر البالغ في ترجمة الرؤى الملكية السامية إلى واقعٍ ملموسٍ، وفي تعزيز قدرات الدبلوماسية البحرينية استجابةً لتحديات العصر والقدرة على حماية المصالح الوطنية العُليا. إن رؤية سموه الاستراتيجية قد أسهمت في ترسيخ مكانة مملكة البحرين كمركزٍ ماليٍ واقتصاديٍ ودبلوماسيٍ في المنطقة.
وفي قلب هذه الحراك الدبلوماسي النشط، يبرز العمل الدؤوب والجهد المتواصل لسعادة الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني وزير الخارجية، فقد استطاع، بخبرته الواسعة وحنكته السياسية، أن يقود الدبلوماسية البحرينية بمهارةٍ واقتدارٍ في أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية المختلفة.
إن الدبلوماسية البحرينية، وهي تقف اليوم على هذه القمة الدولية، تستلهم من التاريخ العبر والدروس، التي تُمثل البوصلة التي توجه مسار العمل الدبلوماسي في الحاضر والمستقبل. وفي الختام، يُمكن القول إن ما تحققه مملكة البحرين اليوم على الساحة الدولية، وخاصةً في ظل العدوان الإيراني الآثم على مملكة البحرين والخليج العربي، هو قصة نجاحٍ تستحق أن تُروى، قصة مملكةٍ أدركت أن قوتها الحقيقية تكمن في مبادئها، وفي قدرتها على بناء جسور التواصل والثقة مع العالم. إنها قصة تاريخٍ مجيدٍ، يتجدد كل يومٍ، ليؤكد أن مملكة البحرين ستبقى دائمًا صوتًا للعقل، ومنارةً للسلام، وشريكًا لا غنى عنه في صياغة المستقبل.
إن هذا الحضور الدبلوماسي البحريني الفاعل، الذي يتجلى في أبهى صوره اليوم، يُمثل امتدادًا طبيعيًا لتلك الروح الوثابة عبر العصور. وحين نتأمل هذا المسار الطويل والحافل، نُدرك أن الدبلوماسية البحرينية قد نجحت في تحويل التحديات إلى فرصٍ، وفي جعل صوت مملكة البحرين مسموعًا ومؤثرًا في المحافل الدولية كافة. إنها مسيرةٌ مستمرةٌ، تستلهم من الماضي دروسه، وتتطلع إلى المستقبل بثقةٍ واقتدارٍ، مؤكدةً أن مملكة البحرين ستظل دائمًا وأبدًا واحةً للسلام، ومنارةً للاستقرار، وشريكًا فاعلا في صياغة عالمٍ أفضلٍ للجميع.
عميد كلية عبدالله بن خالد للدراسات الإسلامية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك