العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٥ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
الشاشة تظهر الوجوه لكنها لا تكشف الأرواح

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كم‭ ‬مرة‭ ‬أحببنا‭ ‬فناناً‭ ‬لأننا‭ ‬أحببنا‭ ‬شخصية‭ ‬جسّدها؟‭ ‬وكم‭ ‬مرة‭ ‬ظننا‭ ‬أننا‭ ‬نعرف‭ ‬إنساناً‭ ‬لمجرد‭ ‬أننا‭ ‬رأيناه‭ ‬مئات‭ ‬المرات‭ ‬على‭ ‬الشاشة؟

نحن‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬رؤيتنا‭ ‬لفنان‭ ‬ما‭ ‬تعني‭ ‬أننا‭ ‬نعرفه؛‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الشاشة‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬الإنسان‭ ‬كاملاً،‭ ‬بل‭ ‬تقدم‭ ‬نسخة‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬صورة‭ ‬صُنعت‭ ‬بعناية‭ ‬لتناسب‭ ‬الجمهور،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬الفنان‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بل‭ ‬كما‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬منتقاة،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬مدروسة،‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬كُتب‭ ‬له‭ ‬بإتقان‭.‬

الشهرة‭ ‬تجعل‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬أكثر‭ ‬شهرة‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬الحقيقي‭ ‬بداخله،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬الجمهور‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬رسمها‭ ‬بنفسه،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬الشخص‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فنتعلق‭ ‬بحب‭ ‬البطل‭ ‬الشجاع‭ ‬مثلاً،‭ ‬أو‭ ‬العاشق‭ ‬النبيل،‭ ‬أو‭ ‬المرأة‭ ‬القوية،‭ ‬ثم‭ ‬يتفاجأ‭ ‬حين‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬صاحب‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬إنساناً‭ ‬عادياً‭ ‬يخطئ‭ ‬ويضعف‭ ‬ويتردد‭ ‬مثل‭ ‬الجميع‭.‬

الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬إرفنغ‭ ‬غوفمان‭ ‬شبّه‭ ‬الحياة‭ ‬بالمسرح‭ ‬الكبير،‭ ‬حيث‭ ‬يؤدي‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬أدواراً‭ ‬مختلفة‭ ‬بحسب‭ ‬المكان‭ ‬والجمهور،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬صحيحاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬الناس‭ ‬جميعاً،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المشاهير،‭ ‬فالفنان‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬عالمين،‭ ‬عالم‭ ‬عام‭ ‬تُسلَّط‭ ‬عليه‭ ‬الأضواء‭ ‬فيه،‭ ‬وعالم‭ ‬خاص‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يحتفظ‭ ‬فيه‭ ‬بإنسانيته‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬توقعات‭ ‬الآخرين‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬يؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬أحياناً‭ ‬يرفض‭ ‬الاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬إنسان‭ ‬خلف‭ ‬ذلك‭ ‬الدور،‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬نجمه‭ ‬المفضل‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬دائماً‭ ‬كما‭ ‬رسمه‭ ‬في‭ ‬خياله؛‭ ‬قوياً‭ ‬بلا‭ ‬ضعف،‭ ‬سعيداً‭ ‬بلا‭ ‬حزن،‭ ‬ناجحاً‭ ‬بلا‭ ‬تعثر،‭ ‬وعندما‭ ‬تظهر‭ ‬حقيقة‭ ‬الإنسان،‭ ‬يشعر‭ ‬البعض‭ ‬بالخذلان،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الفنان‭ ‬تغيّر،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬صنعوها‭ ‬عنه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صامدة‭.‬

الشخص‭ ‬العادي‭ ‬يحمل‭ ‬داخله‭ ‬وجوهاً‭ ‬متعددة،‭ ‬بعضها‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬نادرة،‭ ‬فجميعنا‭ ‬نخفي‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬حقيقتنا،‭ ‬ونظهر‭ ‬شيئاً‭ ‬آخر‭ ‬والفرق‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬وجوهنا‭ ‬لا‭ ‬تُعرض‭ ‬على‭ ‬ملايين‭ ‬الشاشات‭.‬

الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭ ‬ليس‭ ‬كذباً‭ ‬بالضرورة‭ ‬وليس‭ ‬قناعًا،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكاملة‭ ‬أيضاً‭ ‬فهو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الإنسان،‭ ‬لا‭ ‬الإنسان‭ ‬كله،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬خلف‭ ‬الصورة،‭ ‬وخلف‭ ‬الشهرة،‭ ‬وخلف‭ ‬التصفيق،‭ ‬فهو‭ ‬كائن‭ ‬بشري‭ ‬يحمل‭ ‬تناقضاته‭ ‬وأحلامه‭ ‬وخوفه‭ ‬من‭ ‬الفقد‭ ‬والخذلان‭ ‬والزمن‭ ‬مثلنا‭ ‬تمامًا‭.‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬الشاشة‭ ‬تُظهر‭ ‬الوجوه،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬الأرواح،‭ ‬وأن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬خلف‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وعمقاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬دور‭ ‬يؤديه،‭ ‬وأكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬انطباع‭ ‬نكوّنه‭ ‬عنه،‭ ‬فبين‭ ‬النجم‭ ‬الذي‭ ‬نراه،‭ ‬والإنسان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نراه،‭ ‬مسافة‭ ‬لا‭ ‬تملؤها‭ ‬الكاميرات‭ ‬مهما‭ ‬اقتربت‭.‬

 

fatema.y.alyusuf@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا