كم مرة أحببنا فناناً لأننا أحببنا شخصية جسّدها؟ وكم مرة ظننا أننا نعرف إنساناً لمجرد أننا رأيناه مئات المرات على الشاشة؟
نحن نعتقد أن كثرة رؤيتنا لفنان ما تعني أننا نعرفه؛ لكن الحقيقة أن الشاشة لا تكشف الإنسان كاملاً، بل تقدم نسخة منه، أو ربما صورة صُنعت بعناية لتناسب الجمهور، فنحن لا نرى الفنان كما هو، بل كما يظهر لنا في مقابلة منتقاة، أو صورة مدروسة، أو دور كُتب له بإتقان.
الشهرة تجعل الوجه الذي يظهر على الشاشة مع مرور الوقت أكثر شهرة من الإنسان الحقيقي بداخله، حتى إن الجمهور قد يقع في حب صورة ذهنية رسمها بنفسه، لا في حب الشخص الحقيقي، فنتعلق بحب البطل الشجاع مثلاً، أو العاشق النبيل، أو المرأة القوية، ثم يتفاجأ حين يكتشف أن صاحب هذه الصورة ليس إلا إنساناً عادياً يخطئ ويضعف ويتردد مثل الجميع.
الفيلسوف الألماني إرفنغ غوفمان شبّه الحياة بالمسرح الكبير، حيث يؤدي كل فرد أدواراً مختلفة بحسب المكان والجمهور، وإذا كان هذا صحيحاً بالنسبة الى الناس جميعاً، فإنه يصبح أكثر وضوحاً في حياة المشاهير، فالفنان يعيش بين عالمين، عالم عام تُسلَّط عليه الأضواء فيه، وعالم خاص يحاول أن يحتفظ فيه بإنسانيته بعيداً عن توقعات الآخرين.
المشكلة ليست في أن الفنان يؤدي دوراً أمام الجمهور، بل في أن الجمهور أحياناً يرفض الاعتراف بوجود إنسان خلف ذلك الدور، فهو يريد من نجمه المفضل أن يبقى دائماً كما رسمه في خياله؛ قوياً بلا ضعف، سعيداً بلا حزن، ناجحاً بلا تعثر، وعندما تظهر حقيقة الإنسان، يشعر البعض بالخذلان، لا لأن الفنان تغيّر، بل لأن الصورة التي صنعوها عنه لم تعد صامدة.
الشخص العادي يحمل داخله وجوهاً متعددة، بعضها لا يراها أحد، وربما لا يراها هو نفسه إلا في لحظات نادرة، فجميعنا نخفي شيئاً من حقيقتنا، ونظهر شيئاً آخر والفرق فقط أن وجوهنا لا تُعرض على ملايين الشاشات.
الوجه الذي يظهر لنا عبر الشاشات ليس كذباً بالضرورة وليس قناعًا، لكنه ليس الحقيقة الكاملة أيضاً فهو جزء من الإنسان، لا الإنسان كله، أما ما يبقى خلف الصورة، وخلف الشهرة، وخلف التصفيق، فهو كائن بشري يحمل تناقضاته وأحلامه وخوفه من الفقد والخذلان والزمن مثلنا تمامًا.
علينا أن نتذكر دائماً أن الشاشة تُظهر الوجوه، لكنها لا تكشف الأرواح، وأن الإنسان الذي خلف الصورة أكثر تعقيداً وعمقاً من أي دور يؤديه، وأكثر اتساعاً من أي انطباع نكوّنه عنه، فبين النجم الذي نراه، والإنسان الذي لا نراه، مسافة لا تملؤها الكاميرات مهما اقتربت.
fatema.y.alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك