وثيقة الشكر والوفاء لا سابقة لها في التاريخ
تحصين الجبهة الداخلية وحماية سيادة الوطن أولوية كبرى
خمس مهام كبرى حددها الملك لتمكين الدول العربية من مواجهة التحديات
كل قوى المجتمع الرسمية والمدنية مسؤولة عن تنفيذ ما جاء بالخطاب الملكي

الخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، خطاب تاريخي بكل معنى الكلمة. هو خطاب تاريخي من حيث التوقيت ومن حيث ما تضمنه من أبعاد وما أثاره من قضايا كبرى.
الخطاب يجيء في وقت حاسم بالنسبة إلى البحرين وكل الوطن العربي.
تعرضت البحرين ودول مجلس التعاون لعدوان إرهابي إيراني غاشم بكل ما ارتبط بذلك من مواقف وتطورات وما يرتبه كل هذا من تحديات في الحاضر والمستقبل. والمنطقة العربية كلها تمر بأخطر مراحل تطورها. التطورات والأحداث التي نشهدها تفرض تحديات كبرى، والمستقبل يحمل تحديات أكبر نظرا إلى عدم وضوح ما يمكن أن تشهده المنطقة.
في هذا الوقت جاء خطاب جلالة الملك ليطرح بوضوح تام وبشكل قاطع الرؤية الملكية لحاضر البحرين ومستقبلها.
الخطاب يتضمن جوانب كبرى.. يتضمن تقييما لما مرت به البحرين من عدوان وما كشفت عنه التطورات من مواقف وطنية مشهودة.
والخطاب تضمن تجديد العهد من جلالة الملك لشعب البحرين.
والخطاب تضمن تحديدا للمهام الكبرى المطروحة اليوم ومستقبلا لمواجهة التحديات بالنسبة للبحرين وكل الوطن العربي.
الشكر والوفاء
كان هدف الخطاب الأكبر هو التعبير عن الشكر والامتنان لشعب البحرين على ضوء الموقف الشعبي التاريخي من العدوان الإرهابي الغاشم.
كان هدف الخطاب الأكبر هو أن يعلم شعب البحرين أن موقفه الوطني المشهود موضع تقدير كبير جدا من الملك والقيادة.
وقد حرص جلالة الملك على أن يسجل أبعاد الموقف التاريخي لشعب البحرين أثناء العدوان.
شعب البحرين عبر عن أسمى معاني الحب والولاء للوطن في مواجهة العدوان الغاشم، وعبر عن تمسكه بالدفاع عن الوطن بكل ما يملك.
وشعب البحرين حافظ على تماسكه ووحدته الوطنية بكل فئاته وقواه.
وشعب البحرين أيد القيادة في كل الإجراءات التي اتخذتها حماية للوطن وأمنه واستقراره ومكتسباته.
وشعب البحرين ترجم مواقفه الوطنية هذه بشكل عملي في كل الميادين وبمختلف الصور.
جلالة الملك وقد سجل هذه المواقف الوطنية لشعب البحرين، عبر بعبارات بليغة معبرة عن الشكر والامتنان لهذا الموقف الشعبي.
وبالطبع كان جلالة الملك حريصا على أن يشكر بصفة خاصة كل المنتسبين إلى قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية. هذا أمر طبيعي فقد كان هؤلاء الرجال في مقدمة المدافعين عن الوطن وحموا أمنه واستقراره وأفشلوا كل مخطط العدوان وأثبتوا قدرة وكفاءة وجاهزية مشهودة ويستحقون كل التقدير من الشعب كله.
لقد وصف جلالة الملك موقف شعب البحرين التاريخي أثناء العدوان بـ«الملحمة الوطنية» وهو بالفعل كذلك.
جلالة الملك لم يكتف بالتعبير عن الشكر والتقدير للشعب في خطابه فقط، بل ترجمه في خطوة تاريخية فريدة. نعني قيام جلالته وأبنائه الكرام بتوقيع وثيقة «الشكر والوفاء».
هذه الخطوة لا سابقة لها في التاريخ. نحن لا نعرف أن زعيما في أي دولة من قبل حرص على توقيع وثيقة لشكر المواطنين وكل أبناء الشعب.. وثيقة سوف يحفظها التاريخ إلى الأبد.
هذه الوثيقة تقف شاهدا على الرابطة الوثيقة بين الملك وشعبه، وشاهدا على زعيم يعتبر أن شعبه هو الرصيد الأكبر. وليس هذا أمرا جديدا على جلالة الملك. في حقيقة الأمر في كل ما أقدم عليه جلالة الملك منذ تولي جلالته الحكم من سياسات وخطوات في إطار المشروع الإصلاحي الكبير كان جوهره دوما هو مصلحة الشعب والتعبير عن حرص جلالته على أن تكون هذه المصلحة هي الأولوية الكبرى التي تسعى إليها أي سياسة أو أي موقف.
وجلالة الملك بالتركيز في خطابه على هذه الملحمة الوطنية لشعب البحرين وعلى التعبير عن الشكر والوفاء له، أراد أن يؤكد معنى وطنيا أساسيا.
أراد جلالة الملك أن يعبر عن معنى أن الشعب هو الحامي الأول للوطن وهو المدافع الأكبر عنه.
وأراد جلالته أن يعبر عن معنى أن التلاحم بين القيادة والشعب هو مصدر القوة الأكبر للبحرين وهو الذي يمكنها من مواجهة أي تحديات ومن الحفاظ على مكتسباتها ومن صناعة المستقبل الذي تسعى إليه.
ولخص جلالة الملك هذه المعاني الوطنية الكبرى حين خاطب الشعب قائلا: «لقد كنتم قوة الوطن في الحرب، كما أنتم قوته الدائمة وقت السلم».
◾ ◾ ◾
تجديد العهد
جلالة الملك في خطابه سجل بوضوح أنه إذا كان الشعب قد اتخذ هذا الموقف الوطني المشهود وفاء للقيادة والوطن، فإن جلالته يبادل هذا الوفاء بوفاء ملكي. أما الوفاء الملكي فهو «تجديد العهد بالذود عن وطننا الأبي الذي يسكن القلوب ونعتز بالانتماء إليه». عهد جلالة الملك الذي جدده في خطابه هو حماية البحرين والدفاع عنها.. هو عهد بأن تبقى البحرين قوية متقدمة.. هو عهد بأن تظل البحرين محصنة ضد أي عدوان وان تمضي في مسيرتها إلى الأمام.
في الخطاب حدد جلالة الملك في مواضع مختلفة ما يعنيه تجديد العهد على هذا النحو، أو بعبارة أخرى ما يرتبه من جوانب وأولويات.
أول هذه الجوانب تمثل في قول جلالة الملك: «حفاظاً على منجزات البحرين وصورتها الحضارية، سنوجّه جهودنا لحماية مصلحة الوطن العليا، متحدين في مواجهة أي تدخل أو عدوان». ما قاله جلالته يعني أنه من الآن فصاعدا، فإن حماية البحرين وتحصينها ضد أي عدوان أو تدخل أجنبي أولوية وطنية كبرى لا تتقدمها أولوية أخرى في كل العمل الوطني وفي عمل كل مؤسسات وأجهزة الدولة والمجتمع بكل ما يترتب على ذلك.
ثاني هذه الجوانب، أن تحقيق هذا الهدف الأكبر، حماية البحرين ومصالحها العليا، يتطلب أول ما يتطلب تحصين الجبهة الداخلية كما قال جلالته.
وتحصين الجبهة الداخلية يتطلب أمورا كثيرة في مقدمتها الإجراءات الحازمة ضد أي أحد يخرج عن الصف الوطني أو يخون الوطن ويتآمر عليه. وقد عبر جلالة الملك عن ذلك بالقول: «وليثق الجميع تمام الثقة بأن البحرين تتخذ الإجراءات الواجبة بحق من يخرج عن الصف الوطني وفق ما يقرره القانون، وليعلم كل خائن أن التآمر على الوطن مصيره الخسران المبين».
هذا أمر بديهي له أهمية حاسمة. لا يمكن تحصين الجبهة الداخلية وحمايتها من دون اتخاذ الإجراءات الحازمة ضد هؤلاء.
وثالث هذه الجوانب، الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع والتفاف الشعب حول قيادته وحول مصلحة الوطن العليا. هذا كما قال جلالته جانب حاسم ومصدر قوة أساسي.
وقد كان جلالة الملك حريصا على تأكيد أن كل هذه الجوانب تتم في إطار الحرص على الحفاظ على ثوابت البحرين ومبادئها وقيمها الأساسية سواء تعلقت بالعمل الوطني أو بمواقفها الخارجية.
إذن تجديد جلال الملك للعهد مع شعب البحرين هو وعد ببذل كل الطاقة والجهد من أجل بحرين قوية قادرة على التعامل مع أي تحديات، وقادرة على المضي قدما في مسيرتها الحضارية ومكتسباتها الوطنية.
◾ ◾ ◾
مهام المستقبل
من أهم ما تضمنه خطاب جلالة الملك تحديد جلالته الدقيق للمهام التي تفرضها الأوضاع الحالية على البحرين وعلى كل الدول العربية وما تتطلبه الآن ومستقبلا.
في عبارة واحدة بليغة حدد جلالة الملك هذه المهام حين قال: «ولعلّ واقع الأحداث يستوجب علينا الاستعداد الدائم، وهذا الواقع يضع على عاتق الدول العربية مسؤولية تاريخية للدفاع عن سيادتها وتنسيق جهودها في مواجهة تحديات الحاضر والاستعداد لاستحقاقات المستقبل دون تردد. وتعزيز استقرار الدولة المدنية المستقلة في قراراتها السيادية والقادرة على ترسيخ وحدتها الوطنية».
إذا تأملنا هذه العبارة فسنجد أنها تحدد مهام الحاضر والمستقبل بالنسبة للبحرين وكل الدول العربية على ضوء الأوضاع الحالية والمستقبلية المتوقعة في خمس مهام كبرى هي:
1 – الاستعداد الدائم.
يعني هذا بطبيعة الحال أن البحرين وكل الدول العربية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد الدائم لمواجهة أي تطور أو أي تحديات.
هذا درس بليغ مما شهدته البحرين ودول مجلس التعاون بالذات من عدوان إيراني إرهابي لم يكن أحد يتوقعه على اعتبار أن دولنا لم تسع إلى الحرب ولم تكن طرفا فيها.
هذا العدوان وما كشف عنه من نوايا ومخططات عدوانية يعني أن علينا أن نتوقع أسوأ التطورات مهما كانت غير متوقعة، وأن نكون على أهبة الاستعداد والجاهزية للتعامل معها.
وهذا التوجيه من جلالة الملك بضرورة الاستعداد الدائم تفرضه ليس فقط التطورات المرتبطة بالحرب والعدوان الإيراني، وإنما أيضا التطورات في المنطقة والعالم عموما، والتي تجعل من الصعب توقع ما سيحدث مستقبلا.
2 - الإعداد للمستقبل
هذا من أهم ما تضمنه خطاب الملك من تحديد للمهام الوطنية.
الحادث اليوم أنه لا أحد يعلم بالضبط ما الذي يحمله المستقبل لدولنا العربية عموما من أخطار وتحديات.
وما قاله جلالة الملك يعني أمرا محددا. يعني أننا في البحرين وكل الدول العربية يجب أن نهتم أولا بدراسة احتمالات المستقبل وسيناريوهاته المختلفة وما يفرضه من تحديات. ويعني ثانيا أننا يجب أن نضع الخطط للتعامل مع مختلف السيناريوهات التي يمكن أن يحملها المستقبل.
3 – الدفاع عن السيادة
وضع جلالة الملك الدفاع عن سيادة الدول العربية في مقدمة المهام الوطنية حاضرا ومستقبلا.
وهذه قراءة دقيقة لما تتعرض له دولنا. الحرب والعدوان الإيراني الغاشم أثبت أن سيادة دولنا معرضة لتهديدات جسيمة. ولا يتعلق الأمر بدول مجلس التعاون فقط، وإنما بكل الدول العربية.
حديث جلالة الملك يعني أن كل الدول العربية يجب أن تضع في مقدمة أولوياتها الخطط والإجراءات الكفيلة بحماية السيادة الوطنية والدفاع عنها.
4 – ووضع جلالة الملك في مقدمة هذه المهام أيضا، وفي إطار الحفاظ على سيادة دولنا، هدف «الحفاظ على استقرار الدولة المدنية المستقلة في قرارتها السيادية والقادرة على ترسيخ وحدتها الوطنية».
كما ذكرنا جلالة الملك يعتبر أن الاستقرار والوحدة الوطنية في البحرين وفي أي بلد عربي هو مصدر القوة الأساسي لدولنا. ولهذا يجب أن تكون له أولوية كبرى. ولنلاحظ أن جلالة الملك جعل استقلال الدولة في قرارتها السيادية شرطا أساسيا لتحقيق هذا الهدف. وهذه قراءة دقيقة لواحد من أكبر الدروس مما تشهده الدول العربية حاليا.
5 – تنسيق الجهود العربية
بحكمة بالغة وبصيرة نافذة وضع جلالة الملك في خطابه التنسيق بين الدول العربية كأحد أكبر المهام المطلوبة لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
نعلم أن هذا أحد أكبر الثوابت في مواقف جلالة الملك عموما ودوما.. إيمانه الراسخ بحتمية التضامن العربي وإدراك جلالته أنه لا يمكن مواجهة التحديات التي تواجه دولنا إلا بصف موحد وبتوحيد الجهود.
والحقيقة أن هذا أكبر درس من المفروض أن تستخلصه الدول العربية مما نواجهه حاليا من أخطار وتهديدات تعصف بنا.
◾ ◾ ◾
هكذا كمنا نرى، الخطاب التاريخي لجلالة الملك هو خطاب، الوفاء، والحزم، وتجديد العهد.
الوفاء لشعب البحرين وموقفه التاريخي المشهود.
والحزم في مواجهة ما يواجه الوطن من تحديات وأخطار واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لذلك وحفظ الاستقرار والوحدة الوطنية.
وتجديد العهد بحماية الوطن وبناء البحرين القوية القادرة حاضرا ومستقبلا.
الأمر المهم أن كل قوى المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية تتحمل اليوم مسؤولية كبرى لتنفيذ ما جاء بالخطاب الملكي وما حدده من مهام وطنية.. كل القوى يجب أن تكون شريكا فاعلا في تحقيق ما طرحه جلالته من إعداد لمواجهة التحديات وبناء البحرين القوية القادرة حاضرا ومستقبلا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك