العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠٦ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

هل اكتملت أركان لعبة الحرب في الشرق الأوسط؟!! - 2

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬تعلن‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الهيمنة،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬استقراؤها‭ ‬بالتراكم‭ ‬المعرفي،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مجمل‭ ‬تقارير‭ ‬مراكز‭ ‬الدراسات،‭ ‬والتسريبات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬والتصريحات‭ ‬والأحداث‭ ‬السياسية،‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬المنطقة‭ ‬المستهدفة،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تجاه‭ ‬إيران،‭ ‬سواء‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬بهلوي‭ ‬السابق،‭ ‬أو‭ ‬نظام‭ ‬الملالي‭ ‬القائم‭.  ‬

في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تعني‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تسعى‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬التام‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬كفاعل‭ ‬إقليمي‭ ‬قوي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إبقائها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬والفوضى،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تخدم‭ ‬أهدافًا‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭. ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬الذي‭ ‬نوقش‭ ‬في‭ ‬تحليلات‭ ‬متخصصة،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬خصم‭ ‬قوي،‭ ‬ولكنه‭ ‬‮«‬مُقيّد‮»‬،‭ ‬يحقق‭ ‬لواشنطن‭ ‬مكاسب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬اختفائه‭ ‬تمامًا‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الدقيق‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاعتماد‭ ‬الدائم‭ ‬للدول‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬المظلة‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الشراكات‭ ‬العسكرية‭ ‬ويبقي‭ ‬الطلب‭ ‬مرتفعًا‭ ‬على‭ ‬منظومات‭ ‬الدفاع‭ ‬والتسليح‭ ‬المتطورة‮»‬‭.‬

 

التناقض‭ ‬الظاهري‭..‬

‭ ‬التدمير‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الإدارة

السؤال‭ ‬هنا،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الأمريكي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إدارة‮»‬‭ ‬التهديد‭ ‬وليس‭ ‬إنهاءه،‭ ‬فكيف‭ ‬نفسر‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬تفكيك‭ ‬القدرات‭ ‬الإيرانية؟‭ ‬لمعرفة‭ ‬الجواب‭ ‬يجب‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬وسياسات‭ ‬تدمير‭ ‬قوة‭ ‬إيران‭ ‬ليس‭ ‬خطأً‭ ‬استراتيجيًّا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬‮«‬الإدارة‮»‬‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الاستعماري‭. ‬

وبمتابعة‭ ‬مجريات‭ ‬الحرب،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الغارات‭ ‬والصواريخ‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬مناطق‭ ‬محددة‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭ ‬كل‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بالعراق‭ ‬من‭ ‬القصف‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلال‭ ‬حربي‭ ‬1991،‭ ‬و2003،‭ ‬يمكننا‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬تدمير‭ ‬القدرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بهدف‭ ‬إنهاء‭ ‬إيران،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬بهدف‭ ‬ضبط‭ ‬مقاييس‭ ‬القوة‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬الدول‭ ‬المُهَدَّدَة،‭ ‬ومنع‭ ‬امتلاك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭... ‬ولم‭ ‬تستهدف‭ ‬الضربات‭ ‬تفكيك‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بل‭ ‬تفكيك قدرات‭ ‬إيران‭ ‬التهديدية‭ ‬المفرطة،‭ ‬والهدف‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬جامحة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خصم‭ ‬معروف‭ ‬يمكن‭ ‬الضغط‭ ‬عليه‭ ‬وتعديل‭ ‬سلوكه‮»‬‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬المصالح‭ ‬والتوازنات‭ ‬المراد‭ ‬تحقيقها‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬هناك‭ ‬ضرورة‭ ‬لاستخدام‭ ‬سياسات‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬كأداة‭ ‬فعالة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬نفوذ‭ ‬إسرائيل‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كشريك‭ ‬أمني‭ ‬استراتيجي،‭ ‬إذ‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬التحالفات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬والضغط‭ ‬باتجاه‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الاتفاقات‭ ‬الإبراهيمية‭.‬

إذن،‭ ‬تفكيك‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفكيك‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني،‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬ينهي‭ ‬دور‭ ‬إيران‭ ‬الإقليمي،‭ ‬بل‭ ‬إنه وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وآلية‭ ‬أساسية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬نفسه‮ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للتحكم،‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬إيران‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬حرب‭ ‬شاملة،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغط‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لإبقاء‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬احتياج‭ ‬دائم‮»‬‭ ‬للحماية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويضمن‭ ‬استمرار‭ ‬التبعية‭ ‬العسكرية‭ ‬والشراكات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وترسيخ‭ ‬النفوذ‭ ‬يسمح‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بضمان‭ ‬تدفق‭ ‬الإمدادات‭ ‬النفطية‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بدورها‭ ‬كوسيط‭ ‬وضامن‭ ‬وحيد‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭.‬

 

العراق‭.. ‬ورقة‭ ‬الضغط‭ ‬المعقّدة‭: ‬بين‭ ‬التهديد‭ ‬والواقع‭ ‬السياسي

السؤال‭ ‬المحيّر‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭: ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬القدرات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المليشياوية‭ ‬المهدِّدَة‭ ‬لأمن‭ ‬المنطقة‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬العراق؟‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬التهديد‭ ‬المُدار‮»‬‭ ‬تضمن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أذرع‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬كما‭ ‬تفكك‭ ‬قوتها‭ ‬في‭ ‬الداخل؟‭ ‬

النقطة‭ ‬المحورية‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الوجود‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬يُعدّ‭ ‬مجرد‭ ‬تهديد‭ ‬أمني،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬أيضًا‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬معقدة‭ ‬للغاية،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬تشكّل‭ ‬المليشيات‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬تهديدًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬وموثّقًا،‭ ‬إذ‭ ‬سجّلت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬600‭ ‬هجوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وحدها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬وامتدّ‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬ليشمل‭ ‬التخطيط‭ ‬لشن‭ ‬هجمات‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ (‬بحسب‭ ‬التقارير‭ ‬الأمريكية‭).‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬التهديد‭ ‬واضحًا،‭ ‬فلماذا‭ ‬تتراجع‭ ‬أمريكا‭ ‬عن‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة؟‭ ‬

في‭ ‬تقديرنا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬لهذه‭ ‬المليشيات‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬هيكلها‭ ‬المنفلت،‭ ‬ووجودها‭ ‬كـ«دولة‭ ‬داخل‭ ‬دولة‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استهدافها‭ ‬بمثابة‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭! ‬وأن‭ ‬اندماج‭ ‬هذه‭ ‬المليشيات‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬نفسها‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬مواجهتها‭ ‬مضاعفة‭ ‬في‭ ‬صعوبتها‭! ‬وأن‭ ‬الصدام‭ ‬المباشر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجر‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬إقليمي‭ ‬مباشر‭ ‬سيقوِّي‭ ‬نفوذ‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬الأرجح‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬ذلك‭ ‬رادعًا‭ ‬رئيسيًّا‭ ‬أمام‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬هذا‭ ‬الصدام‭ ‬أو‭ ‬الاستهداف‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المليشيات‭!!‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬تؤكد‭ ‬الوقائع‭ ‬حتمية‭ ‬الصدام‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬في‭ ‬العراق؛‭ ‬ولكن‭ ‬الأرجح‭ ‬إن‭ ‬يكون‭ ‬حربا‭ ‬بالوكالة،‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إدارتها‭ ‬واحتوائها‭ ‬لتصبح‭ ‬مشكلة‭ ‬العراق‭ ‬الأولى‭ ‬والقصوى،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لدفع‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تقييد‭ ‬نفوذ‭ ‬المليشيات‭ ‬أو‭ ‬دمجها‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الدولة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إبقاء‭ ‬فتيل‭ ‬الفوضى‭ ‬والصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬مستمرا‭. ‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬إزالة‭ ‬النظام‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬المخاطر‮»‬‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬اليوم،‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬الضغط‭ ‬الأقصى،‭ ‬اقتصاديًّا،‭ ‬عسكريًّا،‭ ‬ماليًّا،‭ ‬وعبر‭ ‬التصنيفات‭ ‬الإرهابية‭.‬

 

‮«‬إدارة‭ ‬المخاطر‮»‬

‭ ‬أم‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الفوضى‮»‬

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مفهومي‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وإدارة‭ ‬الفوضى‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬بيئة‭ ‬إقليمية‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭ ‬تمامًا،‭ ‬ولكن‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬درجاتها،‭ ‬بحيث‭ ‬تخلق‭ ‬حاجة‭ ‬دائمة‭ ‬للدور‭ ‬الأمني‭ ‬الأمريكي‭... ‬بينما‭ ‬يشترك‭ ‬المفهومان‭ ‬في‭ ‬أوصاف‭ ‬محددة،‭ ‬أهمها‭: ‬1‭- ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬مهيمنة‭ (‬عدا‭ ‬إسرائيل‭). ‬2-‭ ‬عدم‭ ‬السعي‭ ‬لحل‭ ‬جذري‭ ‬للصراعات‭ ‬الإقليمية‭ (‬مثال‭: ‬فلسطين،‭ ‬لبنان،‭ ‬اليمن‭)‬؛‭ ‬لأن‭ ‬استمرارها‭ ‬يبرر‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬3‭- ‬إبقاء‭ ‬تهديدات،‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭ ‬والمليشيات،‭ ‬عند‭ ‬مستوى‭ ‬يمكن‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وليس‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭ ‬كليًّا‭.‬

 

‮«‬مؤامرة‮»‬‭ ‬أم‭ ‬‮«‬واقع‭ ‬جيوسياسي‮»‬؟‭!‬

هما‭ ‬الأمران‭ ‬معًا،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬لم‭ ‬تحل‭ ‬أي‭ ‬نزاع‭ ‬إقليمي‭ ‬جذريًّا‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬عامًا‭ (‬فلسطين،‭ ‬العراق،‭ ‬لبنان،‭ ‬اليمن،‭ ‬ليبيا،‭ ‬سوريا‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬كل‭ ‬‮«‬حل‮»‬‭ (‬إن‭ ‬وُجد‭) ‬كان‭ ‬مؤقتًا‭ ‬ويُعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬الأزمة‭ ‬بشكل‭ ‬جديد‭... ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬الاستنتاج‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬عجزًا،‭ ‬بل‭ ‬تعمُّدا‭. ‬فاستمرار‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬اللاسلم‭ ‬واللاحرب‮»‬‭ ‬يضمن‭ ‬تدفق‭ ‬مبيعات‭ ‬السلاح،‭ ‬وتمركز‭ ‬القواعد،‭ ‬وضعف‭ ‬التفاوض‭ ‬العربي‭.‬

قيل‭ ‬إن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حاولت‭ ‬بالفعل‭ ‬تطبيق‭ ‬حلول‭ ‬كاتفاقيات‭ ‬أوسلو،‭ ‬وغزو‭ ‬العراق‭ ‬لإقامة‭ ‬‮«‬ديمقراطية‮»‬،‭ ‬والانسحاب‭ ‬من‭ ‬أفغانستان،‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬محاولاتها‭ ‬فشلت‭... ‬والسؤال‭ ‬هل‭ ‬فعلا‭ ‬هي‭ ‬حلول‭ ‬فشلت،‭ ‬أم‭ ‬هي‭ ‬حلول‭ ‬حققت‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية؟؟‭... ‬أم‭ ‬حيثما‭ ‬تبدو‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬تَقَبّل‭ ‬الواقع‮»‬‭ ‬وإدارة‭ ‬الأسوأ؟‭!!‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬النوايا‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬هي‭ ‬تآكل‭ ‬السيادة،‭ ‬وتحول‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬أسلحة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتأجيل‭ ‬التنمية‭.‬

 

هل‭ ‬هناك‭ ‬مخرج‭!!‬

إن‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الفوضى‮»‬‭ ‬لن‭ ‬ينتهي‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يصبح البقاء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أمريكا أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬معها‭. ‬وهنا‭ ‬نعود‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬أهم‭ ‬متطلبات‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬الكلفة،‭ ‬وهو‭ ‬السعي‭ ‬الجاد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬عربية‭ ‬متكاملة‭ ‬وذكية،‭ ‬اقتصاديًّا،‭ ‬سياسيًّا،‭ ‬دبلوماسيًّا،‭ ‬وعسكريًّا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الكتلة‭ ‬العربية‭ ‬ثقلا‭ ‬إقليميًّا‭ ‬مستقلا‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬تسوية‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬إيران تقوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬لا‭ ‬المواجهة‭ (‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬حاليًّا‭)‬،‭ ‬ورفع‭ ‬درجة‭ ‬أولوية‭ ‬الإصلاح‭ ‬الداخلي‭.‬

حتى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬ستستمر‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬‮«‬شرطي‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحل‭ ‬المشكلات،‭ ‬بل‭ ‬يديرها‭ ‬لصالحه‭.‬

أخيرًا،‭ ‬ولاستكمال‭ ‬حديثنا‭ ‬حول‭ ‬‮«‬أركان‭ ‬لعبة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬ومجادلة‭ ‬وعي‭ ‬القارئ‭ ‬الكريم‭ ‬بواقعية‭ ‬سياسية،‭ ‬سنحاول‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬يتردد‭ ‬كثيرًا،‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬انسحاب‭ ‬أمريكا‭ ‬الكامل‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬سيكون‭ ‬حلا‭ ‬لأزماتها،‭ ‬أم‭ ‬سيخلق‭ ‬فراغًا‭ ‬يملؤه‭ ‬لاعبون‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا