العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٨ - الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

البحرين عظيمة بهويتها ولحمتها الوطنية

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ١٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،

يقول‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعي‮ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬‮«‬جزى‭ ‬الله‭ ‬الشدائد‭ ‬كل‭ ‬خير،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تغصصني‭ ‬بريقي،‭ ‬وما‭ ‬شكري‭ ‬لها‭ ‬حمداً‭ ‬ولكن‭ ‬عرفت‭ ‬بها‭ ‬عدوي‭ ‬من‭ ‬صديقي‮»‬‭. ‬صدق‭ ‬الإمام‭ ‬الشافعي‭ ‬فالشدائد‭ ‬هي‭ ‬محكّ‭ ‬العلاقات‭ ‬وفاضحة‭ ‬حقيقة‭ ‬المواقف‭ ‬والمشاعر،‭ ‬وما‭ ‬شهدته‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬عامة‭ ‬والبحرين‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬آثم‭ ‬قد‭ ‬وضعها‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يُضمر‭ ‬لها‭.‬

قبل‭ ‬أسبوعين‭ ‬جمعتني‭ ‬الصدفة‭ ‬بأحد‭ ‬الأطباء‭  ‬فدار‭ ‬بيننا‭ ‬حديث‭ ‬عابر،‭ ‬اتجه‭ ‬فجأة‭ ‬حول‭ ‬ثقافة‭ ‬أهل‭ ‬البحرين،‭ ‬ثم‭ ‬انحرف‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬عامة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الحضارات‭ ‬سوى‭ ‬حضارة‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭ ‬وبلاد‭ ‬الرافدين،‭ ‬حتى‭ ‬استوقفته‭ ‬لأخبره‭ ‬بأنه‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬آلاف‭ ‬عام‭ ‬قبل‭ ‬ميلاد‭ ‬المسيح‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬حضارة‭ ‬اسمها‭ (‬دلمون‭)  ‬وعرفت‭ ( ‬بأرض‭ ‬الخلود‭) ‬التي‭ ‬ارتحل‭ ‬إليها‭ ‬الحاكم‭ ‬السومري‭ ‬جلجامش‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬زهرة‭ ‬الخلود،‭ ‬والتي‭  ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬الآن،‭ ‬فتحُضّرنا‭ ‬وثقافتنا‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬امتداد‭ ‬ثقافي‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الزمن‭ ‬عزّزه‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬جغرافياً‭ ‬للبحرين‭ ‬فجعلها‭ ‬ملتقى‭ ‬للحضارات‭ ‬التي‭ ‬تحدثت‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬للحضارات‭ ‬الغربية‭ ‬أيضاً‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحظ‭ ‬به‭ ‬سواها،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭.‬

البحرين‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يحتضن‭ ‬أبناءه‭ ‬احتضان‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬من‭ ‬المساواة‭ ‬نهجاً‭ ‬وعدم‭ ‬التمييز‭ ‬أساساً‭ ‬لكفالة‭ ‬حقوق‭ ‬وحريات‭ ‬أبنائها‭ ‬الأساسية،‭ ‬عبر‭ ‬شراكة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬بتوافق‭ ‬الإرادة‭ ‬الملكية‭ ‬السامية‭ ‬وإرادة‭ ‬الشعب‭ ‬على‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬عهداً‭ ‬بين‭ ‬طرفيه‭ ‬ارتضياه‭ ‬بإيجابٍ‭ ‬ملكيّ‭ ‬تم‭ ‬قبوله‭ ‬باستفتاء‭ ‬شعبي‭ ‬في‭ ‬موافقة‭ ‬شبه‭ ‬إجماعيه،‭ ‬عُدّل‭ ‬بعدها‭ ‬دستور‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ليصبح‭ ‬فعالاً‭ ‬فعالية‭ ‬تامة‭ ‬ومتوائماً‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬الإصلاحية،‭ ‬فكانت‭ ‬البحرين‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬نموذجاً‭ ‬وطنياً‭ ‬وإقليمياً‭ ‬ودولياً‭ ‬في‭ ‬صون‭ ‬وكفالة‭ ‬واحترام‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

البحرين‭ ‬التي‭ ‬اعتبر‭ ‬دستورها،‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ثوابت‭ ‬هذا‭ ‬الوطن،‭ ‬حيث‭ ‬أكّد‭ ‬أهمية‭ ‬المواطن،‭ ‬وضرورة‭ ‬التعاون‭ ‬والتراحم‭ ‬بين‭ ‬المواطنين،‭ ‬واعتبار‭ ‬المواطنين‭ ‬هم‭ ‬دعامات‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تُعززها‭ ‬الدولة‭ ‬بالعدالة‭ ‬والحرّية‭ ‬والمساواة‭ ‬والأمن‭ ‬والتضامن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭ (‬ف1‭-‬م‭ ‬5‭)‬،‭ ‬فبدأ‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬وأهميتها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬كفالة‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬أفرادها‭ ‬فرداً‭ ‬فرداً‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬وحقوق‭ ‬التضامن‭ ‬ومنها‭ ‬البيئة‭ ‬الآمنة‭ ‬والسلام‭ ‬والتنمية‭.‬

وعلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬تم‭ ‬تطبيق‭ ‬أحكام‭ ‬الدستور‭ ‬فحققت‭ ‬البحرين‭ ‬ازدهاراً‭ ‬على‭ ‬أصعدة‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬كفالة‭ ‬الحقوق‭ ‬بما‭ ‬يليق‭ ‬بالطموح‭ ‬والرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬العصرية،‭ ‬لذا‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬كوطن‭ ‬تحتل‭ ‬بؤرة‭ ‬مشاعر‭ ‬الحب‭ ‬والانتماء‭ ‬والولاء‭ ‬لها‭ ‬كدولة‭ ‬أم‭ ‬ولقيادتها‭ ‬كرموز‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭ ‬ونهضته،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الشعور‭ ‬الطبيعي‭ ‬والأول‭ ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬لأي‭ ‬ضرر‭ ‬ماديّ‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬أدبي‭ ‬هو‭ ‬شعور‭ ‬الرفض‭ ‬لهذا‭ ‬السلوك‭ ‬والمقت‭ ‬لمن‭ ‬تسبب‭ ‬به،‭ ‬وليس‭ ‬العكس،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬المعتدي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يكون‭ ‬شعوراً‭ ‬غير‭ ‬مقبول،‭ ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يحمله‭ ‬أن‭ ‬يراجع‭ ‬حساباته‭ ‬ووجهة‭ ‬مشاعره‭ ‬وانتمائه‭ ‬ويعيد‭ ‬النظر‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬أن‭ ‬الوطن‭ ‬أولاً‭ ‬دائماً‭. ‬

وجزى‭ ‬الله‭ ‬الشدائد‭ ‬كل‭ ‬خير،‭ ‬حيث‭ ‬اثبتت‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭ ‬متعلّق‭ ‬بقلبه‭ ‬ووجدانه‭ ‬بهذا‭ ‬الوطن‭ ‬وبقيادته،‭ ‬ومتمسك‭ ‬بسيادة‭ ‬دولته،‭ ‬فلا‭ ‬تكاد‭ ‬البلاد‭ ‬تمرّ‭ ‬بمنعطف‭ ‬تاريخي‭ ‬إلا‭ ‬واجتمع‭ ‬متحدا‭ ‬في‭ ‬لحمة‭ ‬وطنية‭ ‬تعكس‭ ‬وطنيته‭ ‬بمختلف‭ ‬أطيافه‭ ‬وأعراقه‭ ‬وأديانه،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬يجمعهم‭ ‬جميعاً‭ ‬هو‭ ‬الوطن،‭ ‬فهويتهم‭ ‬وانتماؤهم‭ ‬هو‭ ‬البحرين‭ ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬غير‭.‬

شكراً‭ ‬لشعب‭ ‬البحرين‭ ‬فرداً‭ ‬فرداً،‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬أشخاصاً‭ ‬طبيعيين‭ (‬السكان‭) ‬أو‭ ‬اشخاصاً‭ ‬اعتباريين‭ (‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭)‬،‭ ‬وتسطرون‭ ‬ملاحم‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬والتلاحم‭ ‬الوطني‭ ‬والشراكة‭ ‬المجتمعية‭ ‬التي‭ ‬تنهض‭ ‬بهذا‭ ‬الوطن‭ ‬وتُسهم‭ ‬في‭ ‬نمائه‭ ‬وتقدمه‭ ‬وازدهاره،‭ ‬شكراً‭ ‬لأنكم‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬الشدائد‭ ‬تثبتون‭ ‬للعالم‭ ‬أجمعه‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬عظيمة‭ ‬ومتماسكة‭ ‬وقوية‭.‬

فشكراً‭ ‬قائدنا‭ ‬المعظّم‭.‬

 

hanadialjowder@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا