القراء الأعزاء،
يقول الإمام الشافعي رحمه الله «جزى الله الشدائد كل خير، وإن كانت تغصصني بريقي، وما شكري لها حمداً ولكن عرفت بها عدوي من صديقي». صدق الإمام الشافعي فالشدائد هي محكّ العلاقات وفاضحة حقيقة المواقف والمشاعر، وما شهدته دول الخليج العربي عامة والبحرين بشكل خاص خلال أكثر من شهر من عدوان آثم قد وضعها وجهاً لوجه أمام ما يُضمر لها.
قبل أسبوعين جمعتني الصدفة بأحد الأطباء فدار بيننا حديث عابر، اتجه فجأة حول ثقافة أهل البحرين، ثم انحرف إلى القول بأن منطقة الخليج العربي والمنطقة العربية عامة خالية من الحضارات سوى حضارة نهر النيل وبلاد الرافدين، حتى استوقفته لأخبره بأنه قبل ما يزيد على ثلاثة آلاف عام قبل ميلاد المسيح عليه السلام كانت هناك حضارة اسمها (دلمون) وعرفت ( بأرض الخلود) التي ارتحل إليها الحاكم السومري جلجامش بحثاً عن زهرة الخلود، والتي هي ذاتها مملكة البحرين الآن، فتحُضّرنا وثقافتنا لم تأت من فراغ، بل عبر امتداد ثقافي في عمق الزمن عزّزه الموقع الاستراتيجي جغرافياً للبحرين فجعلها ملتقى للحضارات التي تحدثت عنها، بل للحضارات الغربية أيضاً وهو ما لم يحظ به سواها، فهذه هي البحرين.
البحرين الوطن الذي يحتضن أبناءه احتضان الأم التي اتخذت من المساواة نهجاً وعدم التمييز أساساً لكفالة حقوق وحريات أبنائها الأساسية، عبر شراكة في اتخاذ هذه الخطوة بتوافق الإرادة الملكية السامية وإرادة الشعب على ميثاق العمل الوطني الذي يعتبر عهداً بين طرفيه ارتضياه بإيجابٍ ملكيّ تم قبوله باستفتاء شعبي في موافقة شبه إجماعيه، عُدّل بعدها دستور مملكة البحرين ليصبح فعالاً فعالية تامة ومتوائماً مع الرؤية الملكية الإصلاحية، فكانت البحرين المعاصرة التي أصبحت نموذجاً وطنياً وإقليمياً ودولياً في صون وكفالة واحترام وحماية حقوق الإنسان.
البحرين التي اعتبر دستورها، المواطن البحريني من أهم ثوابت هذا الوطن، حيث أكّد أهمية المواطن، وضرورة التعاون والتراحم بين المواطنين، واعتبار المواطنين هم دعامات الدولة التي تُعززها الدولة بالعدالة والحرّية والمساواة والأمن والتضامن الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين المواطنين (ف1-م 5)، فبدأ من الأسرة وأهميتها في المجتمع ثم انتقل إلى كفالة حقوق جميع أفرادها فرداً فرداً المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحقوق التضامن ومنها البيئة الآمنة والسلام والتنمية.
وعلى أرض الواقع تم تطبيق أحكام الدستور فحققت البحرين ازدهاراً على أصعدة عديدة في مقدمتها كفالة الحقوق بما يليق بالطموح والرؤية الملكية العصرية، لذا فمن المؤكد أن البحرين كوطن تحتل بؤرة مشاعر الحب والانتماء والولاء لها كدولة أم ولقيادتها كرموز لهذا الوطن ونهضته، وأن يكون الشعور الطبيعي والأول حين تتعرض لأي ضرر ماديّ كان أو أدبي هو شعور الرفض لهذا السلوك والمقت لمن تسبب به، وليس العكس، بل إن التعاطف مع المعتدي في هذه الحالة يكون شعوراً غير مقبول، ويجب على من يحمله أن يراجع حساباته ووجهة مشاعره وانتمائه ويعيد النظر فيها على أسس من قاعدة أن الوطن أولاً دائماً.
وجزى الله الشدائد كل خير، حيث اثبتت دائماً أن المواطن البحريني متعلّق بقلبه ووجدانه بهذا الوطن وبقيادته، ومتمسك بسيادة دولته، فلا تكاد البلاد تمرّ بمنعطف تاريخي إلا واجتمع متحدا في لحمة وطنية تعكس وطنيته بمختلف أطيافه وأعراقه وأديانه، حيث يكون ما يجمعهم جميعاً هو الوطن، فهويتهم وانتماؤهم هو البحرين فقط لا غير.
شكراً لشعب البحرين فرداً فرداً، سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين (السكان) أو اشخاصاً اعتباريين (مؤسسات الدولة)، وتسطرون ملاحم من الوحدة والتلاحم الوطني والشراكة المجتمعية التي تنهض بهذا الوطن وتُسهم في نمائه وتقدمه وازدهاره، شكراً لأنكم دائماً في الشدائد تثبتون للعالم أجمعه أن البحرين عظيمة ومتماسكة وقوية.
فشكراً قائدنا المعظّم.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك