العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦١ - الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الرهان الخاسر على الاتفاق

الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬أعلن‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬جاهز‭ ‬تقريبا‭ ‬وأن‭ ‬طهران‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريبا‭ ‬وحدد‭ ‬يومين‭ ‬لاستئناف‭ ‬المفاوضات‭ ‬وتوقيع‭ ‬الاتفاق‭. ‬وعزز‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬ترامب‭ ‬إعلان‭ ‬إيران‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بالكامل‭.‬

بعد‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬تغير‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

قاليباف‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬الإيراني‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أعلنه‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬الاتفاق‭ ‬مجرد‭ ‬أكاذيب‭. ‬وأعلنت‭ ‬طهران‭ ‬إعادة‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليه‭ ‬وفرض‭ ‬رسوم‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬وأطلق‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬سفن،‭ ‬وقال‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الإيراني‭ ‬إن‭ ‬سيطرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬لا‭ ‬نقاش‭ ‬فيها‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬هذه‭ ‬السيطرة‭ ‬بالاتفاق‭ ‬أو‭ ‬سيتم‭ ‬فرضها‭ ‬بالقوة‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬بالضبط؟‭.. ‬كيف‭ ‬نفسر‭ ‬ما‭ ‬يحدث؟

البعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬والمواقف‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتناقضة‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬خلافات‭ ‬داخل‭ ‬القيادات‭ ‬الإيرانية‭ ‬والأجهزة‭ ‬المختلفة‭ ‬حول‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬وما‭ ‬يتضمنه‭ ‬من‭ ‬بنود‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬بالضبط‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بيده‭ ‬القرار‭ ‬النهائي‭.‬

والبعض‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬إذ‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الضغوط‭ ‬والتهديدات‭ ‬المتبادلة‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬وتقديم‭ ‬أقل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التنازلات‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التفسيرات‭ ‬بها‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الصحة‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬هذا‭.‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬عهد‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬ميثاق،‭ ‬ومن‭ ‬الأمور‭ ‬الطبيعية‭ ‬جدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬بأي‭ ‬شيء،‭ ‬ثم‭ ‬يتنصل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬التزام‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وكأن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭.‬

تاريخ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬كله‭ ‬يثبت‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المواقف‭ ‬والتطورات‭. ‬وأكبر‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬ووقعه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬أوباما‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬كان‭ ‬تطورا‭ ‬هائلا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يلتزم‭ ‬بأي‭ ‬من‭ ‬بنود‭ ‬الاتفاق‭. ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬يحدد‭ ‬مثلا‭ ‬نسبة‭ ‬محددة‭ ‬لتخصيب‭ ‬اليورانيوم‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬تجاوزها،‭ ‬لكن‭ ‬النظام‭ ‬تجاوزها‭ ‬بعشرات‭ ‬المرات‭ ‬بحيث‭ ‬أصبح‭ ‬يملك‭ ‬مخزونا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬اليورانيوم‭ ‬عالي‭ ‬التخصيب‭ ‬ويقترب‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية‭. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مثال‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭.‬

‭  ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬تعمد‭ ‬الكذب‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬والتعهد‭ ‬بأي‭ ‬التزام‭ ‬ثم‭ ‬التنصل‭ ‬منه‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يعيبه‭. ‬بالعكس‭ ‬هو‭ ‬يعتبر‭ ‬هذا‭ ‬استراتيجية‭ ‬سياسية‭ ‬ناجحة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحه‭.‬

الكل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب‭ ‬وأن‭ ‬يتم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭. ‬والكل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬بداية‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تضمن‭ ‬أمنا‭ ‬واستقرارا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتحقق‭ ‬مصالح‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬والعالم‭ ‬عامة‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬سوف‭ ‬يتم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران،‭ ‬والسبب‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬ورطة‭ ‬وليس‭ ‬أمامهما‭ ‬سوى‭ ‬الاتفاق‭ ‬في‭ ‬النهاية‭.‬

لكن‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬الفادح‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬يتم‭ ‬التوصل‭ ‬إليه‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬وللسبب‭ ‬الذي‭ ‬ذكرناه‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتعهد‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬وهو‭ ‬يعد‭ ‬العدة‭ ‬مسبقا‭ ‬للتنصل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬بند‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬يرى‭ ‬من‭ ‬مصلحته‭ ‬هذا‭.‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتعهد‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬بأن‭ ‬يظل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مفتوحا،‭ ‬لكنه‭ ‬سيحتفظ‭ ‬بالمضيق‭ ‬رهينة‭ ‬وسيغلقه‭ ‬ويهدد‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬مصلحته‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬هذا‭. ‬وقل‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬بند‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭.‬

الخلاصة‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬يتم‭ ‬التوصل‭ ‬إليه‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬مهما‭ ‬قيل‭ ‬عنه‭ ‬إنه‭ ‬دائم‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬ينهي‭ ‬الحرب‭ ‬مؤقتا‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬ينهي‭ ‬الصراع،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬ضمانا‭ ‬لأوضاع‭ ‬مستقرة‭ ‬دائمة،‭ ‬أو‭ ‬ضمانا‭ ‬لأي‭ ‬رشد‭ ‬وأي‭ ‬التزام‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭.‬

الوعي‭ ‬بهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬أمر‭ ‬مهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة‭.‬

دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬حساباتها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬أبدا‭ ‬انتهاء‭ ‬الخطر‭ ‬الإيراني‭ ‬والتهديد‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬يمثله‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬دولنا،‭ ‬ولن‭ ‬يعني‭ ‬أبدا‭ ‬ضمانا‭ ‬لأي‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬أمريكي‭ ‬إيراني‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬دولنا‭ ‬هو‭ ‬رهان‭ ‬خاسر‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا