العدد : ١٧٥٥٢ - الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٥٢ - الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تناقضات حروب إسرائيل بدعوى الدفاع عن وجودها

بقلم: د. رمزي بارود

الخميس ٠٩ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬يشعل‭ ‬فتيلها‭ ‬ويقودها‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلا‭ ‬ويتم‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قدر‭ ‬محتوم،‭ ‬وليست‭ ‬سياسة‭.  ‬

ذلك‭ ‬ما‭ ‬كرره‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭:‬

‮«‬هناك‭ ‬لحظات‭ ‬يواجه‭ ‬فيها‭ ‬شعب‭ ‬ما‭ ‬احتمالين‭ ‬اثنين‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬ويبادر‭ ‬بالفعل‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬يموت‮»‬‭.‬

إنه‭ ‬خطاب‭ ‬مألوف‭ ‬وصيغة‭ ‬مكررة‭ ‬يتم‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بذات‭ ‬الإلحاح‭ ‬ومضمون‭ ‬واضح‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭: ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تختار‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬تُجبر‭ ‬عليها‭.‬

يعتبر‭ ‬الكثيرون‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬تناقضا‭ ‬بطبيعته‭. ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل‭: ‬كيف‭ ‬لدولة‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬حرباً‭ -‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬غزة‭- ‬كيف‭ ‬لهذه‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تُصرّ‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تفعل‭ ‬سوى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬الإبادة؟‭ ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإنه‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يُناقش‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وفي‭ ‬معظم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يُعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬أمراً‭ ‬طبيعياً،‭ ‬ويصوره‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭. ‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التطبيع‭ ‬ليس‭ ‬عرضياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬له‭ ‬صدى‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭.‬

قبل‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬1948‭ -‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬عام‭ ‬النكبة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيين‭- ‬كانت‭ ‬لغة‭ ‬التهديد‭ ‬الوجودي‭ ‬متأصلة‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الصهيوني‭. ‬لم‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬قط‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تعايش،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬انتصار،‭ ‬ولم‭ ‬يُفصل‭ ‬الأمن‭ ‬قط‭ ‬عن‭ ‬سياسات‭ ‬التوسع‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬عادت‭ ‬تلك‭ ‬اللغة‭ ‬التشاؤمية‭ ‬والمتجذرة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الصهيوني‭ ‬لتطفو‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الأحداث‭ ‬بقوة‭ ‬متجددة‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬أحداث‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬لتنهي‭ ‬فجأةً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬لبنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬لحظة‭ ‬انتصار‭ ‬سياسي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬فقبل‭ ‬عملية‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إسرائيل‭ ‬آمنة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬وانتشاء‭. ‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تُدمج‭ ‬إسرائيل‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬أنظمتها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬عزلة‭ ‬إسرائيل‭ ‬يتلاشى‭ ‬تدريجيا‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬توسع‭ ‬شبكة‭ ‬العلاقات‭ ‬والمصالح‭.‬

‭ ‬في‭ ‬الأثناء،‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬يحتفل‭ ‬علنًا‭ ‬بهذه‭ ‬التحولات‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بكل‭ ‬انتشاء‭. ‬ففي‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬منبر‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بتاريخ‭ ‬22‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023،‭ ‬راح‭ ‬نتنياهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عما‭ ‬يسميه‭ ‬‮«‬بركات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‮»‬‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬يعكس‭ ‬مشروعاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬أوسع‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬اندماج‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العدالة،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬والتحالفات‭ ‬والتوسع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬الجيوسياسي‭.‬

لقد‭ ‬حطمت‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ذلك‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بقيادة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭.‬

وبدلاً‭ ‬من‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانة‭ ‬إسرائيل‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية،‭ ‬زادت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬عزلتها‭. ‬فبحسب‭ ‬استطلاع‭ ‬رأي‭ ‬أجراه‭ ‬مركز‭ ‬بيو‭ ‬للأبحاث‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬2025،‭ ‬أبدى‭ ‬أغلبية‭ ‬سكان‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬الـ24‭ ‬التي‭ ‬شملها‭ ‬الاستطلاع‭ ‬آراءً‭ ‬سلبية‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بينما‭ ‬ظلّت‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬رئيس‭ ‬حكومتها‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬متدنية‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المناطق‭ ‬تقريباً‭.‬

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يعكس‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬تآكلاً‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬لشرعية‭ ‬إسرائيل،‭ ‬حتى‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬حلفائها‭ ‬التقليديين‭.‬

ونتيجةً‭ ‬لذلك،‭ ‬عاد‭ ‬ذات‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي‭ -‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬تلقائي‭- ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬الحرب‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬الصهيونية‭ ‬لدولة‭ ‬إسرائيل‭. ‬

وحتى‭ ‬عندما‭ ‬يحاول‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬إحياء‭ ‬روايات‭ ‬سابقة‭ ‬حول‭ ‬تشكيل‭ ‬‮«‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬الخطاب‭ ‬ينهار‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكرارًا‭ ‬ليعود‭ ‬إلى‭ ‬تحذيرات‭ ‬من‭ ‬الإبادة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬أعمق؛‭ ‬ففي‭ ‬الفكر‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬يكون‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬الهيمنة‭ ‬الحرب‭ ‬والدمار،‭ ‬وليس‭ ‬التعايش‭.‬

يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منطق‭ ‬الاستعمار‭ ‬الاستيطاني‭. ‬فالتوسع‭ ‬ليس‭ ‬أمراً‭ ‬عرضياً‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬الاستعمار‭ ‬الاستيطاني،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬منها‭. ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬باحتلال‭ ‬الأرض‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬سيطرتها‭ ‬وإعادة‭ ‬تنظيمها‭ ‬وتوسيعها‭.‬

لقد‭ ‬ظلت‭ ‬مجتمعات‭ ‬استيطانية‭ ‬استعمارية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬استعمارية‭ ‬في‭ ‬عمقها،‭ ‬لكنها‭ ‬واجهت‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬توسعها‭ ‬الإقليمي‭ ‬بفعل‭ ‬قيود‭ ‬جيوسياسية‭ ‬أوسع‭ ‬وأكثر‭ ‬وطأة‭ ‬وقوة‭. ‬

أما‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تواجه‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬قط،‭ ‬ولم‭ ‬تخضع‭ ‬للمساءلة‭ ‬الجادة‭. ‬وبفضل‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬غير‭ ‬المشروط،‭ ‬والتمكين‭ ‬الذي‭ ‬توفره‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جهات‭ ‬استعمارية،‭ ‬امتلكت‭ ‬إسرائيل‭ ‬كل‭ ‬الحوافز‭ ‬الهيكلية‭ ‬اللازمة‭ ‬للاستمرار‭.‬

لكن‭ ‬هوس‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالخطر‭ ‬الوجودي‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬تفوقها‭ ‬العسكري‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬إنه‭ ‬يوحي‭ ‬بثقافة‭ ‬سياسية‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬نشأتها‭ ‬وتاريخها‭ ‬العنيف‭.‬

قد‭ ‬يعود‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬انتفاء‭ ‬الشرعية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والتاريخية‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسها‭ ‬أنها‭ ‬تأسست‭ ‬على‭ ‬إبادة‭ ‬شعب‭ ‬آخر،‭ ‬وعلى‭ ‬تشريده‭ ‬وارتكاب‭ ‬المذابح‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬ومحاولات‭ ‬محوه‭ ‬من‭ ‬الوجود‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬لدولة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬تخفي‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لانهاية‭. ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬خفي‭ ‬فيما‭ ‬وراءها‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬هناك‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭.‬

فحتى‭ ‬قبل‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬نقاشات‭ ‬داخلية‭ ‬حول‭ ‬استمراريتها‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬وفي‭ ‬خضم‭ ‬أزمة‭ ‬سياسية‭ ‬عميقة،‭ ‬حذر‭ ‬الرئيس‭ ‬إسحاق‭ ‬هرتسوغ‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬‮«‬انهيار‭ ‬دستوري‮»‬،‭ ‬وفقًا‭ ‬لوكالة‭ ‬رويترز‭. ‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تزايد‭ ‬استخدام‭ ‬الخطاب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬لعنة‭ ‬العقد‭ ‬الثامن‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬فكرة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الكيانات‭ ‬السياسية‭ ‬اليهودية‭ ‬تاريخيًا‭ ‬تتعثر‭ ‬مع‭ ‬اقترابها‭ ‬من‭ ‬عقدها‭ ‬الثامن‭.‬

ومثلما‭ ‬أشارت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصحف،‭ ‬فقد‭ ‬وُصف‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬بأنه‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬قادراً‭ ‬بشكل‭ ‬فريد‭ ‬على‭ ‬قيادة‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬عقدها‭ ‬الثامن‭ ‬وما‭ ‬بعده‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬قلقاً‭ ‬أعمق‭ ‬بشأن‭ ‬الاستمرارية‭ ‬الوطنية‭.‬

أعاد‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬بقوة،‭ ‬كما‭ ‬برز‭ ‬تيار‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬حزماً‭ ‬مؤيداً‭ ‬لفلسطين‭.‬

ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬إسرائيل،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬تعزز‭ ‬المخاوف‭ ‬الحقيقية‭ ‬والمتخيلة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولكن‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬الأسس‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬بنيت‭ ‬عليها‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭.‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الأمر‭ ‬غرابة‭ ‬هو‭ ‬فشل‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬استراتيجية‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى،‭ ‬حيث‭ ‬ظلت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬المفرطة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬دائم‭.‬

وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الأساسية‭.‬

إن‭ ‬مخاوف‭ ‬إسرائيل،‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تم‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬افتراضية‭ ‬أو‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬ملموسة،‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬الحتمية،‭ ‬ولكن‭ ‬بسبب‭ ‬تصرفات‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬وطبيعة‭ ‬سياساتها‭.‬

والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬مسار‭ ‬يحقق‭ ‬ذاته؛‭ ‬مسيرة‭ ‬تدفع‭ ‬إسرائيل‭ ‬نحو‭ ‬عزلة‭ ‬أعمق،‭ ‬وصراع‭ ‬دائم،‭ ‬وعدم‭ ‬يقين‭ ‬داخلي،‭ ‬مسيرة‭ ‬مدفوعة‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعدم‭ ‬القدرة،‭ ‬أو‭ ‬بالرفض،‭ ‬لتخيل‭ ‬بديل‭.‬

قد‭ ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬المسيرة‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها‭ ‬المنطقية‭.‬

أما‭ ‬المفارقة‭ ‬الأعمق‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬كانت‭ ‬تملك‭ ‬بدائل‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مقدراً‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭. ‬لكن‭ ‬التعايش‭ ‬العادل‭ -‬القائم‭ ‬على‭ ‬المساواة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬التاريخية‭- ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفهوماً‭ ‬قط‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الصهيوني،‭ ‬حيث‭ ‬يُعاد‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬التعايش‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬التهديد‭ ‬والخطر‭ ‬الوجودي‭. ‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬أزمة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬تُدمر‭ ‬نفسها‭ ‬بنفسها‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.  ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا