ما من حرب يشعل فتيلها ويقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلا ويتم تصويرها على أنها قدر محتوم، وليست سياسة.
ذلك ما كرره بنيامين نتنياهو في 28 أكتوبر 2023، فيما كان الجيش الإسرائيلي يعمل على توسيع نطاق حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة:
«هناك لحظات يواجه فيها شعب ما احتمالين اثنين: إما أن يتحرك ويبادر بالفعل وإما أن يموت».
إنه خطاب مألوف وصيغة مكررة يتم التعبير عنها بذات الإلحاح ومضمون واضح لا لبس فيه: إسرائيل لا تختار الحرب، بل تُجبر عليها.
يعتبر الكثيرون أن مثل هذا الادعاء يحمل في طياته تناقضا بطبيعته. لنا أن نتساءل: كيف لدولة أن تبدأ حرباً -وفي حالة غزة- كيف لهذه الدولة أن تستمر في ارتكاب حرب إبادة جماعية، في الوقت نفسه الذي تُصرّ فيه على أنها لا تفعل سوى الدفاع عن نفسها من الإبادة؟
ومع ذلك، فإنه نادراً ما يُناقش هذا التناقض في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وفي معظم وسائل الإعلام الغربية، بل كثيرا ما يُعتبر ذلك أمراً طبيعياً، ويصوره الإعلام الغربي على هذا النحو.
إن هذا التطبيع ليس عرضياً، بل هو أمر أساسي في الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي يجد له صدى في وسائل الإعلام الغربية.
قبل وقت طويل من قيام إسرائيل على أنقاض فلسطين التاريخية في سنة 1948 -التي تمثل عام النكبة بالنسبة إلى الفلسطينيين- كانت لغة التهديد الوجودي متأصلة في عمق الفكر السياسي الصهيوني. لم يُنظر إلى البقاء قط على أنه تعايش، بل على أنه انتصار، ولم يُفصل الأمن قط عن سياسات التوسع.
وخلال السنوات القليلة الماضية عادت تلك اللغة التشاؤمية والمتجذرة في الفكر السياسي الصهيوني لتطفو على سطح الأحداث بقوة متجددة.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتنهي فجأةً ما كان يمثل لبنيامين نتنياهو لحظة انتصار سياسي غير مسبوق. فقبل عملية طوفان الأقصى، لم تكن إسرائيل آمنة فحسب، بل كانت في صعود وانتشاء.
لقد كانت الكثير من الدول تُدمج إسرائيل تدريجياً في أنظمتها السياسية والاقتصادية، فيما كان ما يسمى عزلة إسرائيل يتلاشى تدريجيا على إيقاع توسع شبكة العلاقات والمصالح.
في الأثناء، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحتفل علنًا بهذه التحولات ويعبر عن ذلك بكل انتشاء. ففي الخطاب الذي ألقاه من على منبر منظمة الأمم المتحدة بتاريخ 22 سبتمبر 2023، راح نتنياهو يتحدث عما يسميه «بركات الشرق الأوسط الجديد».
لم يكن ذلك الكلام مجرد خطاب سياسي، بل إنه كان يعكس مشروعاً استراتيجياً أوسع ألا وهو اندماج إسرائيل في المنطقة، ليس من خلال العدالة، بل من خلال القوة والتحالفات والتوسع الاقتصادي، وإعادة التموضع الجيوسياسي.
لقد حطمت حرب الإبادة الجماعية التي تستهدف الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ذلك المسار الذي كانت تسير فيه إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو بكل ثقة.
وبدلاً من ترسيخ مكانة إسرائيل الإقليمية والعالمية، زادت الحرب من عزلتها. فبحسب استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث في شهر يونيو من سنة 2025، أبدى أغلبية سكان معظم الدول الـ24 التي شملها الاستطلاع آراءً سلبية تجاه إسرائيل، بينما ظلّت الثقة في رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو متدنية في جميع المناطق تقريباً.
لا يقتصر هذا التحول على دول الجنوب العالمي، بل إنه يعكس على وجه الخصوص تآكلاً أوسع نطاقاً لشرعية إسرائيل، حتى فيما بين حلفائها التقليديين.
ونتيجةً لذلك، عاد ذات الخطاب السياسي الإسرائيلي -بشكل شبه تلقائي- إلى لغة الحرب الوجودية التي تعتبر متجذرة في العقيدة الصهيونية لدولة إسرائيل.
وحتى عندما يحاول بنيامين نتنياهو إحياء روايات سابقة حول تشكيل «شرق أوسط جديد»، فإن الخطاب ينهار مرارًا وتكرارًا ليعود إلى تحذيرات من الإبادة، وهو ما يكشف عن حقيقة أعمق؛ ففي الفكر السياسي الإسرائيلي، يكون البديل عن الهيمنة الحرب والدمار، وليس التعايش.
يمكن تفسير جزء من هذا بالفعل من خلال منطق الاستعمار الاستيطاني. فالتوسع ليس أمراً عرضياً في مشاريع الاستعمار الاستيطاني، بل هو جزء لا يتجزأ منها. لا تكتفي هذه الأنظمة باحتلال الأرض فحسب، بل تسعى باستمرار إلى تأمين سيطرتها وإعادة تنظيمها وتوسيعها.
لقد ظلت مجتمعات استيطانية استعمارية أخرى في جوهرها استعمارية في عمقها، لكنها واجهت الحد من توسعها الإقليمي بفعل قيود جيوسياسية أوسع وأكثر وطأة وقوة.
أما إسرائيل، فإنها لم تواجه مثل هذه القيود قط، ولم تخضع للمساءلة الجادة. وبفضل الدعم الأمريكي غير المشروط، والتمكين الذي توفره القوى الغربية التي كانت أو لا تزال جهات استعمارية، امتلكت إسرائيل كل الحوافز الهيكلية اللازمة للاستمرار.
لكن هوس إسرائيل بالخطر الوجودي حتى في أوج تفوقها العسكري يشير إلى شيء أعمق من ذلك. إنه يوحي بثقافة سياسية تنبع من قصة نشأتها وتاريخها العنيف.
قد يعود الأمر إلى انتفاء الشرعية الأخلاقية والتاريخية عن إسرائيل التي تدرك في قرارة نفسها أنها تأسست على إبادة شعب آخر، وعلى تشريده وارتكاب المذابح في حقه ومحاولات محوه من الوجود. فلا يمكن لدولة قائمة على أنقاض فلسطين التاريخية أن تخفي هذا التاريخ إلى ما لانهاية. لها تاريخ خفي فيما وراءها.
ومع ذلك، هناك المزيد من التفاصيل في هذه القصة.
فحتى قبل الإبادة الجماعية في غزة، كانت إسرائيل غارقة في نقاشات داخلية حول استمراريتها. ففي عام 2023، وفي خضم أزمة سياسية عميقة، حذر الرئيس إسحاق هرتسوغ من احتمال «انهيار دستوري»، وفقًا لوكالة رويترز.
وفي الوقت نفسه، تزايد استخدام الخطاب الإسرائيلي لما يُسمى «لعنة العقد الثامن»، وهي فكرة مفادها أن الكيانات السياسية اليهودية تاريخيًا تتعثر مع اقترابها من عقدها الثامن.
ومثلما أشارت العديد من الصحف، فقد وُصف بنيامين نتنياهو بأنه يرى نفسه قادراً بشكل فريد على قيادة إسرائيل «إلى عقدها الثامن وما بعده»، ما يعكس قلقاً أعمق بشأن الاستمرارية الوطنية.
أعاد السابع من أكتوبر 2023 هذه المخاوف إلى الواجهة بقوة، كما برز تيار إقليمي أكثر حزماً مؤيداً لفلسطين.
ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن هذه التحولات الإقليمية والدولية تعزز المخاوف الحقيقية والمتخيلة على حد سواء، ليس فقط على أمن دولة إسرائيل، ولكن خاصة على الأسس الأيديولوجية التي بنيت عليها هذه الدولة.
ولعل ما يزيد الأمر غرابة هو فشل إسرائيل في تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة في حرب تلو الأخرى، حيث ظلت تعتمد على القوة المفرطة من دون التوصل إلى حل سياسي دائم.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية.
إن مخاوف إسرائيل، التي طالما تم تصويرها على أنها افتراضية أو مبالغ فيها، تتحول إلى مخاطر ملموسة، ليس بسبب الحتمية، ولكن بسبب تصرفات إسرائيل نفسها وطبيعة سياساتها.
والنتيجة هي مسار يحقق ذاته؛ مسيرة تدفع إسرائيل نحو عزلة أعمق، وصراع دائم، وعدم يقين داخلي، مسيرة مدفوعة ليس بالضرورة، ولكن بعدم القدرة، أو بالرفض، لتخيل بديل.
قد تصل تلك المسيرة إلى نهايتها المنطقية.
أما المفارقة الأعمق فهي أن إسرائيل كانت تملك بدائل في الماضي، ولم يكن مقدراً لها أن تختار هذا المسار. لكن التعايش العادل -القائم على المساواة والمحاسبة التاريخية- لم يكن مفهوماً قط في الخطاب السياسي الصهيوني، حيث يُعاد صياغة مفهوم التعايش على أنه التهديد والخطر الوجودي.
وهكذا، فإن إسرائيل لا تواجه أزمة فحسب، بل إنها قد تكون تُدمر نفسها بنفسها.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك