تتسم الحرب الحالية والدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية والتي مضى عليها أكثر من شهر والمرشحة للاستمرار حسب المعطيات المتوفرة حاليا بمخاطر كبيرة من شأنها أن تعيد تشكيل موازنات القوى في الشرق الأوسط وربما في العالم أيضا فلكل جهة من هذه الجهات المشار إليها في هذه الحرب أهداف وأولويات خاصة بها بغض النظر عن مصالح الدول الأخرى وأمنها واستقلالها وازدهارها.
فبينما تواجه إيران المزيد من العزلة السياسية الخانقة بسبب سلوكها السياسي الخاطئ وسلوكها العسكري والأمني العدواني إلى درجة إن القيادي الإيراني علي لاريجاني اشتكى قبل اغتياله من أنه لم يجد دولة إسلامية واحدة تقف مع إيران فهي معزولة وتتعرض إلى مزيد من العزلة ومزيد من الخسائر على كل المستويات لذات الأسباب التي يعرفها العالم كله منذ عام 1979 وهي التدخل في شؤون الدول الأخرى والتوسع على حساب الدول العربية كما حدث في لبنان والعراق وسوريا واليمن ودول الخليج العربية.
لذلك فإن هدف إيران في هذه الحرب هو إظهار قوتها بتهديد ليس من لا يعتدي عليها فقط بل على الدول الخليجية الآمنة المسالمة كأداة للضغط على هذه الدول وعلى الولايات المتحدة الأمريكية طمعا في رفع أسعار الطاقة عالمية لرفع منسوب الاستياء داخل الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الاتحاد الأوروبي حتى يسارعوا إلى إنهاء هذه الحرب قبل تحقيق الأهداف المعلنة.
على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية فإن أهدافها واضحة جدا ومعلنة وهي أنهاء الطموح النووي الإيراني بشكل نهائي والحد من برنامجها الصاروخي الذي بات يهدد حتى أوروبا وقواعد الولايات المتحدة الأمريكية البعيدة وكذلك إنهاء الدور الخطير والمثير للفوضى في المنطقة من خلال دور الأذرع الإيرانية الخبيثة في البلدان العربية الأربع السالفة الذكر.
هذه هي الأهداف الامريكية الثلاثة الرئيسية التي تختلف عن الأهداف الإسرائيلية والرامية لوضع حد للتهديد الإيراني.
إن التداعيات العميقة لهذه الحرب قد تكون خطيرة ومدمرة:
1 – بالنسبة إلى إيران ستؤدي هذه الحرب إلى استنزافها اقتصاديا وانكشافها أمنيا وعسكريا بتقويض قدراتها الأساسية وتدمير بنيتها التحتية العسكرية والصناعية أذرعها وعملائها إضافة إلى تعطيل برنامجها النووي والحد من قدراتها على إنتاج الصواريخ والمسيرات التي باتت تهدد المنطقة والعالم.
2 - استفحال الأزمة الاقتصادية الإيرانية حيث تسببت الحروب المتتالية التي خاضتها إيران وتمويلها الطويل لأذرعها في البلدان الأخرى في تدمير الاقتصاد وانكماشه أيضا إلى ما تتعرض له من عزلة وقيود دولية مما هدد النظام الإيراني أكثر من مرة بالاضطرابات والانتفاضات المتكررة التي تم قمعها من خلال قتل الآلاف من المتظاهرين وإعدامهم.
ولعل هذا الوضع الإيراني البائس التي تحاول الآلة الإعلامية للحرس الثوري الإيراني التغطية عليه بالضوضاء والبروباجندا ونقل الحرب إلى دول الجوار التي لا علاقة لها بهذه الحرب سوف يتسبب في المستقبل على المدى القصير أو المتوسط في إضعاف النظام الإيراني المعزول أصلا.
3 – هل لهذه الحرب نهاية متوقعة؟ وهذا هو السؤال الذي يشغل بال العالم كله والحقيقة أن الأفق معقد إلى أبعد الحدود حيث تتأرجح التوقعات بين النهاية السريعة بالمفاوضات وفقا للتصريحات الأمريكية من أسبوعين إلى شهر وبين الادعاءات الإيرانية التي تتحدث عن حرب استنزاف طويلة وتزعم أنها لن تدخل أي مفاوضات إلا بشروطها.
إن أبرز التوقعات العقلانية الممكنة تدور حول إمكانية دفع إيران نحو المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية لفرض واقع جديد لتغيير السياسة الإيرانية الفاشلة ولن ترضى إدارة الرئيس ترامب بتحقيق ذلك من دون الاستجابة للأهداف الثلاثة المشار إليها سابقا إضافة إلى فتح مضيق هرمز وفقا لمبادئ القانون الدولي بحيث لا يكون لإيران أي سلطة عليه.
وتحاول الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية ثانية من خلال تلميحات واضحة إلى القيادة العسكرية الإيرانية لدفعها إلى تسلم زمام السلطة في حالة سقوطه المتوقع إذا ما أصر النظام الإيراني على عدم التفاوض والعناد وفشلت كل الوساطات المتعددة فإن العمليات العسكرية سوف تزداد عنفا وتدمير إيران بشكل أكبر بما في ذلك استخدام أسلحة فتاكة قد تنهي هذه الحرب بشكل جذري وسريع وهو ما لا يتمناه العالم لأن عقيدة وثقافة الحرس الثوري الإيراني ذات طابع انتحاري ولن يهتم أبدا لا بمصلحة إيران ولا بمصلحة الشعوب الإيرانية في الأمن والازدهار ولا بمصالح دول المنطقة.
وربما يعتقدون بأن انتهاء الحرب بالمفاوضات السلمية واستجابة إيران للمطالب الدولية من شأنها تدريجيا إنهاء سيطرة الحرس الثوري الإيراني بما يؤدي إلى تغير شكل نظام الملالي وجعله أكثر استجابة لمتطلبات التعامل مع العالم.
إن هذه الحرب معقدة واحتمالاتها أكثر تعقيدا، ولكنها سوف تنتهي في يوم من الأيام ولن يكون النظام الإيراني أقوى بل أضعف هذا إذا ما بقي في السلطة أصلا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك