العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٦ - الأربعاء ١٨ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رمضان ١٤٤٧هـ

وقت مستقطع

علي ميرزا

المباريات ليست محاضرات

خلال‭ ‬متابعتي‭ ‬لمنافسات‭ ‬بطولة‭ ‬العالم‭ ‬للناشئين‭ ‬للكرة‭ ‬الطائرة‭ ‬التي‭ ‬استضافتها‭ ‬المملكة‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬غلبة‭ ‬الصمت‭ ‬والهدوء‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬مدربي‭ ‬المنتخبات،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يكثر‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬لاعبيه،‭ ‬لا‭ ‬خلال‭ ‬سير‭ ‬الأشواط،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬المستقطعة‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تتحول‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المدربين‭ ‬إلى‭ ‬سيل‭ ‬من‭ ‬‮«‬الرغي‮»‬‭.‬

بدافع‭ ‬الفضول‭ ‬الصحفي‭ ‬قلت‭ ‬للمدرب‭ ‬بعد‭ ‬المباراة‭: ‬لماذا‭ ‬أنت‭ ‬مقل‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬لاعبيك؟‭ ‬فابتسم‭ ‬وقال‭ ‬لي‭ ‬جملة‭ ‬مازالت‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ذهني‭: ‬‮«‬المباريات‭ ‬ليست‭ ‬مكانا‭ ‬للتعليم،‭ ‬التفاصيل‭ ‬والتوجيهات‭ ‬والتحليل،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وغيره‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬الفنية‭ ‬المغلقة،‭ ‬أما‭ ‬المباريات‭ ‬فهي‭ ‬مساحة‭ ‬للأداء‭ ‬وترجمة‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليه‮»‬‭.‬

وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬الفلسفات‭ ‬التدريبية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تفوه‭ ‬به‭ ‬المدير‭ ‬الفني‭ ‬يفتح‭ ‬بابا‭ ‬نقاشيا‭ ‬مهما‭: ‬فهل‭ ‬يحتاج‭ ‬اللاعب‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬سيل‭ ‬متواصل‭ ‬من‭ ‬التعليمات‭ ‬أثناء‭ ‬المباراة؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬الكلام‭ ‬قد‭ ‬تعيقه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تفيده؟

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬نرى‭ ‬مدربين‭ ‬يقضون‭ ‬المباراة‭ ‬بأكملها‭ ‬في‭ ‬الصراخ‭ ‬وإعطاء‭ ‬التعليمات‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شاردة‭ ‬وواردة،‭ ‬اللاعب‭ ‬يلمس‭ ‬الكرة،‭ ‬فيأتيه‭ ‬توجيه‭. ‬يخطئ،‭ ‬فيسمع‭ ‬تعليقا،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬النقطة‭ ‬الناجحة‭ ‬قد‭ ‬يتلقى‭ ‬ملاحظة،‭ ‬ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يصبح‭ ‬اللاعب‭ ‬وكأنه‭ ‬ينتظر‭ ‬المدرب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬قراءته‭ ‬الخاصة‭ ‬للمباراة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬فلسفة‭ ‬مختلفة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬بسيطة‭: ‬التدريب‭ ‬هو‭ ‬مساحة‭ ‬التعليم،‭ ‬أما‭ ‬المباراة‭ ‬فهي‭ ‬مساحة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬إذ‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬الفنية‭ ‬تشرح‭ ‬الخطط،‭ ‬وتحلل‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف،‭ ‬وتبنى‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المحتملة،‭ ‬وعندما‭ ‬تبدأ‭ ‬المباراة،‭ ‬يصبح‭ ‬دور‭ ‬المدرب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المراقبة‭ ‬الدقيقة‭ ‬والتدخل‭ ‬المحدود‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬كل‭ ‬كرة‭ ‬وكأنها‭ ‬قرار‭ ‬مركزي‭.‬

هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬تعزز‭ ‬شيئا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬اللاعب‭: ‬الاستقلالية‭ ‬داخل‭ ‬الملعب،‭ ‬فاللاعب‭ ‬الذي‭ ‬يفهم‭ ‬الخطة‭ ‬جيدا‭ ‬ويثق‭ ‬في‭ ‬قراءته‭ ‬للعبة‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الصحيح‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الثانية،‭ ‬وهي‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬مدرب‭ ‬مجاراتها‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الملعب‭.‬

وما‭ ‬قلناه‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬المطلق‭ ‬هو‭ ‬الحل،‭ ‬فالأوقات‭ ‬المستقطعة،‭ ‬والتوجيهات‭ ‬السريعة،‭ ‬وتعديل‭ ‬الإيقاع‭ ‬تبقى‭ ‬أدوات‭ ‬مهمة،‭ ‬ولكن‭ ‬يكمن‭ ‬الفرق‭ ‬في‭ ‬متى‭ ‬نتكلم‭ ‬وكم‭ ‬نتكلم‭.‬

إقرأ أيضا لـ"علي ميرزا"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا