وقت مستقطع
علي ميرزا
المباريات ليست محاضرات
خلال متابعتي لمنافسات بطولة العالم للناشئين للكرة الطائرة التي استضافتها المملكة عام 2017، لفت انتباهي غلبة الصمت والهدوء على أحد مدربي المنتخبات، إذ لم يكن يكثر الكلام مع لاعبيه، لا خلال سير الأشواط، أو حتى في الأوقات المستقطعة التي غالبا ما تتحول لدى كثير من المدربين إلى سيل من «الرغي».
بدافع الفضول الصحفي قلت للمدرب بعد المباراة: لماذا أنت مقل الكلام مع لاعبيك؟ فابتسم وقال لي جملة مازالت عالقة في ذهني: «المباريات ليست مكانا للتعليم، التفاصيل والتوجيهات والتحليل، كل ذلك وغيره نتحدث عنه في الغرف الفنية المغلقة، أما المباريات فهي مساحة للأداء وترجمة ما تم الاتفاق عليه».
وبعيدا عن الفلسفات التدريبية، غير أن ما تفوه به المدير الفني يفتح بابا نقاشيا مهما: فهل يحتاج اللاعب فعلا إلى سيل متواصل من التعليمات أثناء المباراة؟ أم أن كثرة الكلام قد تعيقه أكثر مما تفيده؟
في كثير من الأحيان نرى مدربين يقضون المباراة بأكملها في الصراخ وإعطاء التعليمات على كل شاردة وواردة، اللاعب يلمس الكرة، فيأتيه توجيه. يخطئ، فيسمع تعليقا، حتى بعد النقطة الناجحة قد يتلقى ملاحظة، ومع تكرار هذا المشهد يصبح اللاعب وكأنه ينتظر المدرب في كل لحظة، بدلا من أن يعتمد على قراءته الخاصة للمباراة.
في المقابل، هناك فلسفة مختلفة تقوم على فكرة بسيطة: التدريب هو مساحة التعليم، أما المباراة فهي مساحة التنفيذ، إذ في الغرف الفنية تشرح الخطط، وتحلل نقاط القوة والضعف، وتبنى السيناريوهات المحتملة، وعندما تبدأ المباراة، يصبح دور المدرب أقرب إلى المراقبة الدقيقة والتدخل المحدود عند الضرورة، لا إلى إدارة كل كرة وكأنها قرار مركزي.
هذه الفلسفة تعزز شيئا مهما في اللاعب: الاستقلالية داخل الملعب، فاللاعب الذي يفهم الخطة جيدا ويثق في قراءته للعبة سيكون أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح في أجزاء من الثانية، وهي السرعة التي لا يستطيع أي مدرب مجاراتها من خارج الملعب.
وما قلناه لا يفهم منه أن الصمت المطلق هو الحل، فالأوقات المستقطعة، والتوجيهات السريعة، وتعديل الإيقاع تبقى أدوات مهمة، ولكن يكمن الفرق في متى نتكلم وكم نتكلم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك