العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٣ - الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رمضان ١٤٤٧هـ

الكواليس

وفاء جناحي

waffajanahi@gmail.com

رمضان كريم

كل‭ ‬عام‭ ‬وأنتم‭ ‬بخير،‭ ‬وعسى‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يعيدها‭ ‬علينا‭ ‬وعليكم‭ ‬بالخير‭ ‬والمسرات‭.‬

جلس‭ ‬صاحب‭ ‬حكاية‭ ‬اليوم‭ ‬أمامي‭ ‬ونظر‭ ‬إليّ‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬وقال‭: ‬نعم‭ ‬رمضان‭ ‬كريم‭ ‬وهو‭ ‬أبي‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬سبب‭ ‬وجودي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬له‭ ‬الحق‭ ‬أن‭ ‬يطالبني‭ ‬أن‭ ‬أهبه‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬جسدي‭ ‬وصحتي‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬تعاستي‭ ‬طوال‭ ‬حياتي؟

سؤاله‭ ‬وترني‭ ‬وجعل‭ ‬رأسي‭ ‬يلف‭ ‬ويدور‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يرد،‭ ‬لأن‭ ‬الذي‭ ‬أؤمن‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬عادة‭ ‬يضحي‭ ‬بالغالي‭ ‬والنفيس‭ ‬لوالديه‭ ‬وأبنائه،‭ ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬لديه‭ ‬أسبابه‭ ‬التي‭ ‬تمنعه‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التضحية‭. ‬ولم‭ ‬ينتظر‭ ‬إجابتي،‭ ‬خصوصا‭ ‬أنه‭ ‬فهم‭ ‬أنني‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬من‭ ‬أمري‭  ‬فاسترسل‭ ‬وقال‭: ‬والدي‭ ‬مع‭ ‬الأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أكثر‭ ‬إنسان‭ ‬أناني‭ ‬وقاسي‭ ‬وبخيل‭ ‬في‭ ‬مشاعره‭ ‬وأمواله‭ ‬قابلته‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬يوما‭ ‬بحبه‭ ‬أو‭ ‬اهتمامه‭ ‬لي‭ ‬أو‭ ‬لوالدتي‭ ‬نبع‭ ‬الحنان‭ ‬والحب‭ ‬وسر‭ ‬قوتي‭ ‬ونجاحي‭ ‬وسعادتي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬عوضتني‭ ‬عن‭ ‬قسوة‭ ‬وبعاد‭ ‬والدي‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬ومشاعر‭ ‬وأموال‭ ‬بمساعدة‭ ‬إخوانها‭ (‬خوالي‭ ‬وجدي‭ ‬الغاليين‭)‬،‭ ‬الذين‭ ‬لولا‭ ‬وجودهم‭ ‬ومساندتهم‭ ‬لي‭ ‬ولأمي‭ ‬لمتنا‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬العاطفي‭ ‬والنفسي‭ ‬والمادي‭ ‬أيضا،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬يهتم‭ ‬بنفسه‭ ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يصرف‭ ‬على‭ ‬والدتي‭ ‬والبيت‭ ‬فلسا‭ ‬واحدا‭.‬

مازلت‭ ‬أتذكر‭ ‬وجهه‭ ‬القاسي‭ ‬وصوت‭ ‬صراخه‭ ‬عندما‭ ‬مرضت‭ ‬وأنا‭ ‬صغير‭ ‬بعمر‭ ‬العشر‭ ‬سنوات‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬والدتي‭ ‬وأنا‭ ‬ارتجف‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬على‭ ‬رأسي‭ ‬الكمادات‭ ‬الباردة‭ ‬لأن‭ ‬درجة‭ ‬حرارتي‭ ‬وصلت‭ ‬39‭ ‬وكانت‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬لي‭ ‬حساء‭ ‬أشربه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعطيني‭ ‬المضاد‭ ‬الحيوي‭ ‬ولكنه‭ ‬رفض‭ ‬بكل‭ ‬قسوة‭ ‬وقال‭: ‬خله‭ ‬يولي‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬زمن‭ ‬تبيني‭ ‬أصير‭ ‬ممرض‭ ‬لابنك،‭ ‬فبكت‭ ‬أمي‭ ‬وقالت‭ ‬حرام‭ ‬عليك‭ ‬ابنك‭ ‬سيموت‭!! ‬فتحت‭ ‬عيني‭ ‬لأرى‭ ‬أي‭ ‬بصيص‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬الخوف‭ ‬عليَّ‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬ولكنه‭ ‬رد‭ ‬بكل‭ ‬سخرية‭ ‬وقال‭ ‬خله‭ ‬يموت‭ ‬شنو‭ ‬مستفيد‭ ‬أنا‭ ‬منه‭ ‬أصلا‭ ‬ودخل‭ ‬غرفته‭ ‬لينام‭ ‬وتركني‭ ‬بكل‭ ‬قسوة‭ ‬ومن‭ ‬يومها‭ ‬انقطعت‭ ‬كل‭ ‬صلة‭ ‬رحم‭ ‬بيننا‭. ‬واعتبرت‭ ‬أن‭ ‬خالي‭ ‬الكبير‭ ‬أبي‭ ‬لأنه‭ ‬ترك‭ ‬بيته‭ ‬وأطفاله‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الليل‭ ‬وجاء‭ ‬ليأخذني‭ ‬للطبيب‭ ‬ويجلس‭ ‬معي‭ ‬طوال‭ ‬الليل‭ ‬مع‭ ‬أمي‭ ‬بكل‭ ‬حنان‭ ‬وخوف‭ ‬ولهفة‭. ‬وهذا‭ ‬موقف‭ ‬واحد‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬مواقفه‭ ‬القاسية‭ ‬معي‭ ‬ومع‭ ‬والدتي،‭ (‬واغرورقت‭ ‬عينه‭ ‬بدموع‭ ‬بسيطة‭ ‬مسحها‭ ‬سريعا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أراه‭).‬

أضاف‭: ‬تركنا،‭ ‬طلق‭ ‬والدتي‭ ‬ورحل‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬سعادته‭ ‬والسفر‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬وتربيت‭ ‬انا‭ ‬مع‭ ‬جدي‭ ‬وجدتي‭ ‬وخوالي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬كله‭ ‬حب‭ ‬واحترام‭ ‬وحنان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬عليه،‭ ‬دكتور‭ ‬أطفال‭ ‬ناجح،‭ ‬متزوج‭ ‬من‭ ‬امرأة‭ ‬رائعة‭ ‬تشبه‭ ‬أمي‭ ‬كثيرا‭ ‬حنونة‭ ‬وطيبة‭ ‬ولدينا‭ ‬أحلى‭ ‬بنت‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ليدخل‭ ‬حياتي‭ ‬والدي‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬ومريضا،‭ ‬ليطلب‭ ‬مني‭ ‬بكل‭ ‬وقاحة‭ ‬أن‭ ‬أتبرع‭ ‬له‭ ‬بكليتي‭ ‬لأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬كلوي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عاث‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬فسادا‭. ‬والمصيبة‭ ‬أنه‭ ‬يطلب‭ ‬مني‭ ‬بنفس‭ ‬طريقته‭ ‬القاسية‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬واجبي‭ ‬أن‭ ‬أعطيه‭ ‬كليتي‭ ‬لأنه‭ ‬والدي‭ ‬وسبب‭ ‬وجودي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭!! ‬ونسي‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬أي‭ ‬واجب‭ ‬من‭ ‬واجباته‭ ‬كأب‭ ‬تجاهي‭ ‬طوال‭ ‬حياتي‭ ‬كلها‭.‬

رمضان‭ ‬كريم‭ ‬نعم‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬الاب‭ (‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أبا‭ ‬أصلا‭ ‬في‭ ‬حياتي‭) ‬أن‭ ‬أضحي‭ ‬له‭ ‬بقطعة‭ ‬من‭ ‬جسدي‭ ‬وأخسر‭ ‬صحتي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يطببني‭ ‬ولا‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتي؟‭ ‬هل‭ ‬أكون‭ ‬عاقا‭ ‬لو‭ ‬رفضت‭ ‬أن‭ ‬أعطيه‭ ‬كليتي؟

أحتفظ‭ ‬برأيي‭ ‬لنفسي‭ ‬ولكنني‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬ردودكم‭ ‬التي‭ ‬تهمني‭ ‬كثيرا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"وفاء جناحي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا