14 فبراير مناسبةٌ عزيزةٌ على كلِّ بحريني أصيل. وفي مثل هذا اليوم لا أريدُ أن أكتبَ خطابًا رسميًّا عن المنجزات، ولا أن أكررَ ما يُقال في كل مناسبة. أريدُ أن أكتبَ شيئاً يشبهني. أكتب عني أنا. نعم، أنا عبير. عن تجربة عشتها بصدق، وعن يوم ما زال يسكنني ويمنحني معنى كلما مرّ.
عمري اليوم 46 سنة. وفي 14 فبراير 2001 كنت في الحادية والعشرين، في عمر تكون فيه الأحلام أوضح من المصطلحات، وتكون فيه المشاعر أسبق من التحليل. كنت أتابع النقاشات حول ميثاق العمل الوطني، وأشعر من الداخل أن البحرين تقف أمام خطوة كبيرة، خطوة تتجاوز أعمارنا لكنها تصنع أعمارنا القادمة.
أتذكر ذلك الصباح كأنه قريب. كان هناك هدوء يبعث الطمأنينة، طوابير منظمة، ووجوه تحمل جدية جميلة ورضا يشبه اليقين. لم يكن المشهد صاخباً ولا متوتراً. كان ناضجاً. وكأن البحرين كلها تتنفس بثقة وتقول: نحن نعرف ماذا نريد.
لم أذهب بدافع الفضول. ذهبت لأن شيئاً في داخلي قال: يجب أن أكون هناك. كنت صغيرة في العمر، لكنني شعرت بثقل اللحظة وكرامتها. لم أشعر أنني أضع ورقة في صندوق، بل شعرت أنني أضع اسمي في صفحة وطن. كان استفتاءً على مستقبل البحرين، وهذه وحدها كانت فكرة كبيرة على قلبي، لكنها كانت مطمئنة.
لم أكن أعرف كل التفاصيل الدستورية ولا تعقيدات اللغة القانونية، لكنني كنت أفهم المعنى الذي لا يحتاج شرحاً: صوتي له قيمة. والدولة تدعوني لأكون جزءاً من القرار لا مجرد متلقية للنتيجة.
عندما وضعت صوتي في صندوق الاستفتاء لم يشغلني الجدل بقدر ما شغلني معنى الاستقرار. فرص الحياة والعمل. مستقبل أستطيع أن أبنيه بثقة. كنت أبحث عن إطار يحمي أحلامي، وعن نظام يضمن أن الطموح يجد طريقه في وطن منظم وواثق.
ذلك اليوم لم يكن تجربة شخصية فقط. كان لحظة نضج لجيل كامل. جيل شارك وهو في مقتبل العمر في صياغة اتجاه البحرين. وهذا شرف أحمله بهدوء وامتنان. أن أقول: كنت هناك. وإن صوتي كان محسوباً. وإنني ساهمت، ولو بقدر بسيط، في رسم مسار وطن.
ولا أنسى لحظة إعلان النتيجة. ذلك المشهد الذي رفع فيه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله نتيجة الاستفتاء، وفرحته الصادقة التي انعكست على وجوه الناس. لم تكن فرحة رقم أو نسبة فقط، بل فرحة ثقة متبادلة بين قيادة وشعب. في تلك اللحظة شعرت أن الرابط بيننا ليس قراراً سياسياً عابراً، بل مسؤولية مشتركة، وأن الوطن حين يختار بإجماع قلبه يصبح أقوى من كل الظروف.
ومنذ ذلك اليوم ترسخ في داخلي معنى واضح ومريح: نحن سند لقيادتنا بإخلاصنا وعملنا وثباتنا، كما كانت قيادتنا سنداً لنا برؤيتها وحكمتها وحرصها على استقرار هذا الوطن وكرامة أهله.
مرت السنوات. كبرت. تدرجت في المسؤولية. وصرت أرى الدولة من الداخل. فهمت معنى الحوكمة والانضباط المؤسسي، وأيقنت أن الاستقرار الذي كنا نطمح إليه لم يكن صدفة، بل نتيجة خيار وطني واعٍ شارك فيه شعب كامل.
أعود أحياناً بذاكرتي إلى تلك الفتاة ذات الحادية والعشرين وأبتسم لها. لم تكن تعرف أن مشاركتها في ذلك الاستفتاء ستتحول مع الوقت إلى التزام يومي. التزام بالعمل، وبحماية المنجز، وبالسعي إلى تطويره.
اليوم أفهم ما لم أكن أفهمه حينها. الميثاق لم يكن ورقة نوافق عليها ثم نمضي. كان عقداً نلتزم به التزاما وبأن نكون على قدر الثقة في أدائنا وإخلاصنا.
لهذا لا أرى 14 فبراير ذكرى رسمية فقط. أراه مسؤولية مستمرة، ودافعاً جديداً كل عام. كنت في الحادية والعشرين أبحث عن مستقبل مستقر، واليوم في السادسة والأربعين أعمل لأكون جزءاً من استمراره، ولأترك للأجيال القادمة وطناً يليق بآمالهم كما كنا نتمناه نحن.
14 فبراير هو المعنى الحقيقي للحظة استفتاء… أن تتحول إلى مسؤولية عمر، وإلى طاقة تُحفِّزنا لنصنع الأفضل دائما.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك