العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

لحظة استفتاء .. ومسؤولية عمر

بقلم: عبير محمد دهام

الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

14‭ ‬فبراير‭ ‬مناسبةٌ‭ ‬عزيزةٌ‭ ‬على‭ ‬كلِّ‭ ‬بحريني‭ ‬أصيل‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬أريدُ‭ ‬أن‭ ‬أكتبَ‭ ‬خطابًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬عن‭ ‬المنجزات،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬أكررَ‭ ‬ما‭ ‬يُقال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭. ‬أريدُ‭ ‬أن‭ ‬أكتبَ‭ ‬شيئاً‭ ‬يشبهني‭. ‬أكتب‭ ‬عني‭ ‬أنا‭. ‬نعم،‭ ‬أنا‭ ‬عبير‭. ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬عشتها‭ ‬بصدق،‭ ‬وعن‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يسكنني‭ ‬ويمنحني‭ ‬معنى‭ ‬كلما‭ ‬مرّ‭.‬

عمري‭ ‬اليوم‭ ‬46‭ ‬سنة‭. ‬وفي‭ ‬14‭ ‬فبراير‭ ‬2001‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الحادية‭ ‬والعشرين،‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬الأحلام‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬المصطلحات،‭ ‬وتكون‭ ‬فيه‭ ‬المشاعر‭ ‬أسبق‭ ‬من‭ ‬التحليل‭. ‬كنت‭ ‬أتابع‭ ‬النقاشات‭ ‬حول‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني،‭ ‬وأشعر‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬خطوة‭ ‬كبيرة،‭ ‬خطوة‭ ‬تتجاوز‭ ‬أعمارنا‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬أعمارنا‭ ‬القادمة‭.‬

أتذكر‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭ ‬كأنه‭ ‬قريب‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬هدوء‭ ‬يبعث‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬طوابير‭ ‬منظمة،‭ ‬ووجوه‭ ‬تحمل‭ ‬جدية‭ ‬جميلة‭ ‬ورضا‭ ‬يشبه‭ ‬اليقين‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المشهد‭ ‬صاخباً‭ ‬ولا‭ ‬متوتراً‭. ‬كان‭ ‬ناضجاً‭. ‬وكأن‭ ‬البحرين‭ ‬كلها‭ ‬تتنفس‭ ‬بثقة‭ ‬وتقول‭: ‬نحن‭ ‬نعرف‭ ‬ماذا‭ ‬نريد‭.‬

لم‭ ‬أذهب‭ ‬بدافع‭ ‬الفضول‭. ‬ذهبت‭ ‬لأن‭ ‬شيئاً‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬قال‭: ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬هناك‭. ‬كنت‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬لكنني‭ ‬شعرت‭ ‬بثقل‭ ‬اللحظة‭ ‬وكرامتها‭. ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬أضع‭ ‬ورقة‭ ‬في‭ ‬صندوق،‭ ‬بل‭ ‬شعرت‭ ‬أنني‭ ‬أضع‭ ‬اسمي‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬وطن‭. ‬كان‭ ‬استفتاءً‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬البحرين،‭ ‬وهذه‭ ‬وحدها‭ ‬كانت‭ ‬فكرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬قلبي،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬مطمئنة‭.‬

لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬كل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدستورية‭ ‬ولا‭ ‬تعقيدات‭ ‬اللغة‭ ‬القانونية،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أفهم‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬شرحاً‭: ‬صوتي‭ ‬له‭ ‬قيمة‭. ‬والدولة‭ ‬تدعوني‭ ‬لأكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلقية‭ ‬للنتيجة‭.‬

عندما‭ ‬وضعت‭ ‬صوتي‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬الاستفتاء‭ ‬لم‭ ‬يشغلني‭ ‬الجدل‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬شغلني‭ ‬معنى‭ ‬الاستقرار‭. ‬فرص‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭. ‬مستقبل‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أبنيه‭ ‬بثقة‭.‬‭ ‬كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬يحمي‭ ‬أحلامي،‭ ‬وعن‭ ‬نظام‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬الطموح‭ ‬يجد‭ ‬طريقه‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬منظم‭ ‬وواثق‭.‬

ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تجربة‭ ‬شخصية‭ ‬فقط‭. ‬كان‭ ‬لحظة‭ ‬نضج‭ ‬لجيل‭ ‬كامل‭. ‬جيل‭ ‬شارك‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬اتجاه‭ ‬البحرين‭. ‬وهذا‭ ‬شرف‭ ‬أحمله‭ ‬بهدوء‭ ‬وامتنان‭. ‬أن‭ ‬أقول‭: ‬كنت‭ ‬هناك‭. ‬وإن‭ ‬صوتي‭ ‬كان‭ ‬محسوباً‭. ‬وإنني‭ ‬ساهمت،‭ ‬ولو‭ ‬بقدر‭ ‬بسيط،‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مسار‭ ‬وطن‭.‬

ولا‭ ‬أنسى‭ ‬لحظة‭ ‬إعلان‭ ‬النتيجة‭. ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬فيه‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستفتاء،‭ ‬وفرحته‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬الناس‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فرحة‭ ‬رقم‭ ‬أو‭ ‬نسبة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬فرحة‭ ‬ثقة‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬قيادة‭ ‬وشعب‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬الرابط‭ ‬بيننا‭ ‬ليس‭ ‬قراراً‭ ‬سياسياً‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة،‭ ‬وأن‭ ‬الوطن‭ ‬حين‭ ‬يختار‭ ‬بإجماع‭ ‬قلبه‭ ‬يصبح‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬ترسخ‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬معنى‭ ‬واضح‭ ‬ومريح‭: ‬نحن‭ ‬سند‭ ‬لقيادتنا‭ ‬بإخلاصنا‭ ‬وعملنا‭ ‬وثباتنا،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قيادتنا‭ ‬سنداً‭ ‬لنا‭ ‬برؤيتها‭ ‬وحكمتها‭ ‬وحرصها‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬وكرامة‭ ‬أهله‭.‬

مرت‭ ‬السنوات‭. ‬كبرت‭. ‬تدرجت‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭. ‬وصرت‭ ‬أرى‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬فهمت‭ ‬معنى‭ ‬الحوكمة‭ ‬والانضباط‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وأيقنت‭ ‬أن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نطمح‭ ‬إليه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صدفة،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬خيار‭ ‬وطني‭ ‬واعٍ‭ ‬شارك‭ ‬فيه‭ ‬شعب‭ ‬كامل‭.‬

أعود‭ ‬أحياناً‭ ‬بذاكرتي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الفتاة‭ ‬ذات‭ ‬الحادية‭ ‬والعشرين‭ ‬وأبتسم‭ ‬لها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬مشاركتها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاستفتاء‭ ‬ستتحول‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬يومي‭. ‬التزام‭ ‬بالعمل،‭ ‬وبحماية‭ ‬المنجز،‭ ‬وبالسعي‭ ‬إلى‭ ‬تطويره‭.‬

اليوم‭ ‬أفهم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أفهمه‭ ‬حينها‭. ‬الميثاق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ورقة‭ ‬نوافق‭ ‬عليها‭ ‬ثم‭ ‬نمضي‭. ‬كان‭ ‬عقداً‭ ‬نلتزم‭ ‬به‭ ‬التزاما‭ ‬وبأن‭ ‬نكون‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أدائنا‭ ‬وإخلاصنا‭.‬

لهذا‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬14‭ ‬فبراير‭ ‬ذكرى‭ ‬رسمية‭ ‬فقط‭. ‬أراه‭ ‬مسؤولية‭ ‬مستمرة،‭ ‬ودافعاً‭ ‬جديداً‭ ‬كل‭ ‬عام‭. ‬كنت‭ ‬في‭ ‬الحادية‭ ‬والعشرين‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬مستقر،‭ ‬واليوم‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬والأربعين‭ ‬أعمل‭ ‬لأكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬استمراره،‭ ‬ولأترك‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬وطناً‭ ‬يليق‭ ‬بآمالهم‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬نتمناه‭ ‬نحن‭.‬

14‭ ‬فبراير‭ ‬هو‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للحظة‭ ‬استفتاء‮…‬‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية‭ ‬عمر،‭ ‬وإلى‭ ‬طاقة‭ ‬تُحفِّزنا‭ ‬لنصنع‭ ‬الأفضل‭ ‬دائما‭.‬

 

مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا