القراء الأعزاء،
حتى وإن تظاهرت بعكس ذلك، فإن شهر فبراير بالنسبة إلي هو شهر الحزن، فقد توفيت والدتي في الثامن من فبراير 2004، توفيت وهي في قمة عطائها وبالكاد خطت خطوتها الأولى نحو خمسينيات عمرها، توفيت صغيرة لذا كانت وفاتها صادمة لأنها من دون سابق إعداد وتهيئة، لذا اعتقدنا أنا وأخواتي - ولاسيما من كُنّ في سن المراهقة والطفولة منّا- لوهلة بأنها قد رحلت قبل أوانها لأننا من دون أقراننا بقينا من دون أم ولا نعلم ما الذي سيحدث بعد ذلك، لكننا حرصنا على التماسك والمُضيّ وكأنها موجودة معنا، وكانت كذلك فعلاً فلم تغادر ذاكرتنا وذكرياتنا وأحاديثنا حتى اللحظة.
ومن المعلوم بأن الأم هي التي تجمع الأسرة، ودورها أشبه بـ(شاهد المسباح) الذي يجمع خرزاته والذي إذ انفرط، تبعثرت جميعها، فهي التي تجمع الأبناء والأقرباء، ولا يمكن لآخر أن يمارس دورها بنفس الجودة وإن حرص.
ولا شك بأن أواصر القُربى بشكل عام هي صلات وثيقة بحكم وحدة الدم وتزداد كلّما ازاد قرب الرابطة ويحفظ موروثنا الشعبي قيمة وأهمية هذه الروابط في حكاياته الشعبية وأمثاله الشعبية كمقولة: (أنا وأخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب)، ومن المتعارف عليه بأن الإنسان إذا وقع في محنة أو أصيب مصاباً يؤلمه يصرخ بكلمة (أخ) مستنداً بأخيه.
لذا استنكر أحد الأمثال الشعبية الذي يأتي في سياق مخالف تماما لفضيلة الأسرة ومقامها، وهو القائل إن (الأقارب عقارب)، ومن المؤكد أن الأمثال الشعبية قد تفتقت عن مواقف معينة لأشخاص وتبنّتها الذاكرة الجمعية، ذاكرة الشعب وتداولتها حتى أصبحت جزءاً من موروثها الشعبي وتراثها الإنساني، ولكنها في المحصلة تبقى تجارب شخصية لأفراد، لذلك كثيرا ما نجد أحد الأمثال الشعبية ونجد نقيضه في الوقت ذاته، والحقّ بأن الموقف الإيجابي يكون قد أفرز مثلاً إيجابياً والعكس صحيح.
وفي رأيي بأن مثل (الأقارب عقارب)، يُعبر عن خلل خارج عن المألوف والأصل في رواية واحدة وأصبح بلاءً على حُسن العلاقات الأسرية والعائلية وبين ذوي القربى، فالأصل بأن علاقات الأقارب تقوم على الودّ والحميّة والمحبة، وتلك هي القاعدة، ومن المعلوم بأن لكل قاعد استثناء، ولكن الاستثناء دائماً يكون محدوداً في أضيق الحدود وغير قابل للتعميم، الأمر الذي يُحجّم هذا المثل الشعبي وتوظيفه كاستثناء.
وها نحن نقترب من شهر رمضان المبارك، لذا هي دعوة الى استيعاب قيمة وأهمية ذوي القُربى وضرورة وصلهم (صلة الرحم) وتفقد احتياجاتهم والتقرب منهم في هذا الشهر الفضيل، حيث إنها تُعد واجباً شرعياً وتعتبر من أصول الدين ومكارم الأخلاق، وتعتبر قطيعتها معصية ومن الكبائر، وما أجمل وصايا جدتي رحمها الله حين كانت توصينا بِصِلة (الرحم الشابك)! التي تزيد في العمر وفي الرزق.
مبارك عليكم الشهر الفضيل ورمضان كريم.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك