العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

وذوو القربى

بقلم: المحامية د. هنادي عيسى الجودر

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،‭ ‬

حتى‭ ‬وإن‭ ‬تظاهرت‭ ‬بعكس‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬هو‭ ‬شهر‭ ‬الحزن،‭ ‬فقد‭ ‬توفيت‭ ‬والدتي‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬2004،‭ ‬توفيت‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬عطائها‭ ‬وبالكاد‭ ‬خطت‭ ‬خطوتها‭ ‬الأولى‭ ‬نحو‭ ‬خمسينيات‭ ‬عمرها،‭ ‬توفيت‭ ‬صغيرة‭ ‬لذا‭ ‬كانت‭ ‬وفاتها‭ ‬صادمة‭ ‬لأنها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سابق‭ ‬إعداد‭ ‬وتهيئة،‭ ‬لذا‭ ‬اعتقدنا‭ ‬أنا‭ ‬وأخواتي‭ - ‬ولاسيما‭ ‬من‭ ‬كُنّ‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬المراهقة‭ ‬والطفولة‭ ‬منّا‭- ‬لوهلة‭ ‬بأنها‭ ‬قد‭ ‬رحلت‭ ‬قبل‭ ‬أوانها‭ ‬لأننا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أقراننا‭ ‬بقينا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أم‭ ‬ولا‭ ‬نعلم‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيحدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬لكننا‭ ‬حرصنا‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬والمُضيّ‭ ‬وكأنها‭ ‬موجودة‭ ‬معنا،‭ ‬وكانت‭ ‬كذلك‭ ‬فعلاً‭ ‬فلم‭ ‬تغادر‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬وذكرياتنا‭ ‬وأحاديثنا‭ ‬حتى‭ ‬اللحظة‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬بأن‭ ‬الأم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬الأسرة،‭ ‬ودورها‭ ‬أشبه‭ ‬بـ‭(‬شاهد‭ ‬المسباح‭) ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬خرزاته‭ ‬والذي‭ ‬إذ‭ ‬انفرط،‭ ‬تبعثرت‭ ‬جميعها،‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬الأبناء‭ ‬والأقرباء،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لآخر‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬دورها‭ ‬بنفس‭ ‬الجودة‭ ‬وإن‭ ‬حرص‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬أواصر‭ ‬القُربى‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬هي‭ ‬صلات‭ ‬وثيقة‭ ‬بحكم‭ ‬وحدة‭ ‬الدم‭ ‬وتزداد‭ ‬كلّما‭ ‬ازاد‭ ‬قرب‭ ‬الرابطة‭ ‬ويحفظ‭ ‬موروثنا‭ ‬الشعبي‭ ‬قيمة‭ ‬وأهمية‭ ‬هذه‭ ‬الروابط‭ ‬في‭ ‬حكاياته‭ ‬الشعبية‭ ‬وأمثاله‭ ‬الشعبية‭ ‬كمقولة‭: (‬أنا‭ ‬وأخوي‭ ‬على‭ ‬ابن‭ ‬عمي‭ ‬وأنا‭ ‬وابن‭ ‬عمي‭ ‬على‭ ‬الغريب‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬إذا‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬محنة‭ ‬أو‭ ‬أصيب‭ ‬مصاباً‭ ‬يؤلمه‭ ‬يصرخ‭ ‬بكلمة‭ (‬أخ‭) ‬مستنداً‭ ‬بأخيه‭.‬

لذا‭ ‬استنكر‭ ‬أحد‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مخالف‭ ‬تماما‭ ‬لفضيلة‭ ‬الأسرة‭ ‬ومقامها،‭ ‬وهو‭ ‬القائل‭ ‬إن‭ (‬الأقارب‭ ‬عقارب‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬قد‭ ‬تفتقت‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬معينة‭ ‬لأشخاص‭ ‬وتبنّتها‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية،‭ ‬ذاكرة‭ ‬الشعب‭ ‬وتداولتها‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬موروثها‭ ‬الشعبي‭ ‬وتراثها‭ ‬الإنساني،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬تبقى‭ ‬تجارب‭ ‬شخصية‭ ‬لأفراد،‭ ‬لذلك‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬أحد‭ ‬الأمثال‭ ‬الشعبية‭ ‬ونجد‭ ‬نقيضه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬والحقّ‭ ‬بأن‭ ‬الموقف‭ ‬الإيجابي‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬أفرز‭ ‬مثلاً‭ ‬إيجابياً‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬

وفي‭ ‬رأيي‭ ‬بأن‭ ‬مثل‭ (‬الأقارب‭ ‬عقارب‭)‬،‭ ‬يُعبر‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬خارج‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬والأصل‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬واحدة‭ ‬وأصبح‭ ‬بلاءً‭ ‬على‭ ‬حُسن‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬والعائلية‭ ‬وبين‭ ‬ذوي‭ ‬القربى،‭ ‬فالأصل‭ ‬بأن‭ ‬علاقات‭ ‬الأقارب‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الودّ‭ ‬والحميّة‭ ‬والمحبة،‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬القاعدة،‭ ‬ومن‭ ‬المعلوم‭ ‬بأن‭ ‬لكل‭ ‬قاعد‭ ‬استثناء،‭ ‬ولكن‭ ‬الاستثناء‭ ‬دائماً‭ ‬يكون‭ ‬محدوداً‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬الحدود‭ ‬وغير‭ ‬قابل‭ ‬للتعميم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يُحجّم‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬وتوظيفه‭ ‬كاستثناء‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬نقترب‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬لذا‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬الى‭ ‬استيعاب‭ ‬قيمة‭ ‬وأهمية‭ ‬ذوي‭ ‬القُربى‭ ‬وضرورة‭ ‬وصلهم‭ (‬صلة‭ ‬الرحم‭)‬‮ ‬وتفقد‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬والتقرب‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل،‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬تُعد‭ ‬واجباً‭ ‬شرعياً‭ ‬وتعتبر‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬الدين‭ ‬ومكارم‭ ‬الأخلاق،‭ ‬وتعتبر‭ ‬قطيعتها‭ ‬معصية‭ ‬ومن‭ ‬الكبائر،‭ ‬وما‭ ‬أجمل‭ ‬وصايا‭ ‬جدتي‭ ‬رحمها‭ ‬الله‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬توصينا‭ ‬بِصِلة‭ (‬الرحم‭ ‬الشابك‭)!  ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬وفي‭ ‬الرزق‭.‬

مبارك‭ ‬عليكم‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬ورمضان‭ ‬كريم‭.‬

 

hanadialjowder@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا