العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

رسوم شركات بطاقات الائتمان

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

أعادني‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين‭ ‬الأمريكان‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬خفض‭ ‬الرسوم‭ ‬التي‭ ‬تتقاضاها‭ ‬شركات‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬إلى‭ ‬مقال‭ ‬كتبته‭ ‬قبل‭ ‬عامين‭ ‬تطرقت‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬جلسات‭ ‬نظمتها‭ ‬لجنة‭ ‬القضاء‭ ‬بمجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬حول‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتكار‭ ‬الثنائي‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬شركات‭ ‬البطاقات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لسوق‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬بنسبة‭ ‬83‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬السوق‭ ‬وذلك‭ ‬لإفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭.‬

وقد‭ ‬نظمت‭ ‬هذه‭ ‬الجلسة‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬رسوم‭ ‬وفوائد‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬التي‭ ‬تتقاضاها‭ ‬الشركتان‭ ‬بعد‭ ‬تزايد‭ ‬شكاوى‭ ‬المستهلكين‭ ‬والتجار‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بثقل‭ ‬الكلفة‭ ‬المتراكمة‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬الشكاوى‭ ‬ليست‭ ‬جديدة،‭ ‬فهي‭ ‬امتداد‭ ‬لنقاش‭ ‬طويل‭ ‬حول‭ ‬بنية‭ ‬سوق‭ ‬المدفوعات‭ ‬وكيفية‭ ‬تسعير‭ ‬خدماته‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحوّل‭ ‬عالمي‭ ‬واسع‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬النقدي‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬جوانب‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬ارتفاع‭ ‬رسوم‭ ‬معاملات‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬شبكات‭ ‬الدفع‭ ‬وشركات‭ ‬البطاقات‭ ‬على‭ ‬التجار،‭ ‬والتي‭ ‬عادة‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬للمستهلك‭ ‬لكنها‭ ‬تُضاف‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭.‬

في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تُظهر‭ ‬البيانات‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬رسوم‭ ‬التبادل‭ (‬interchange‭ ‬fee‭) ‬يتراوح‭ ‬حول‭ ‬1‭.‬97‭%‬‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬فيزا‭ ‬وحوالي‭ ‬1‭.‬79‭%‬‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬ماستركارد،‭ ‬بينما‭ ‬يبلغ‭ ‬المتوسط‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬حوالي‭ ‬0‭.‬30‭%‬‭ ‬فقط‭. ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬يعكس‭ ‬اختلاف‭ ‬بيئات‭ ‬المنافسة‭ ‬والتنظيم،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬سقوف‭ ‬رسمية‭ ‬لرسوم‭ ‬التبادل‭ ‬أم‭ ‬لا‭.‬

على‭ ‬صعيد‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬ديون‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬السعر‭ ‬السنوي‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬نحو‭ ‬24‭.‬22‭%‬‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تجاوز‭ ‬إجمالي‭ ‬ديون‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬1‭.‬33‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭. ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬العالي‭ ‬للدين‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬يثير‭ ‬قلقاً‭ ‬بشأن‭ ‬احتمال‭ ‬تحول‭ ‬البطاقات‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬تمويل‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬على‭ ‬الأسر،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬تراكمت‭ ‬الفوائد‭ ‬والرسوم‭.‬

في‭ ‬جلسات‭ ‬لجنة‭ ‬القضاء‭ ‬التي‭ ‬ذكرناها،‭ ‬تمت‭ ‬الإشارة‭ ‬عدت‭ ‬مرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التجار‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬تفاوضية‭ ‬حقيقية‭ ‬بشأن‭ ‬رسوم‭ ‬المعاملات،‭ ‬وأن‭ ‬التكاليف‭ ‬التي‭ ‬يتحملونها‭ ‬يتم‭ ‬تمريرها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬المستهلكين‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭.‬

في‭ ‬نفس‭ ‬السياق،‭ ‬جاءت‭ ‬دعوات‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬السياسيين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬مؤخرا‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬سقوف‭ ‬للفوائد‭ ‬على‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬إلى‭ ‬سقف‭ ‬10‭%‬‭ ‬لمدة‭ ‬محددة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتخفيف‭ ‬العبء‭ ‬على‭ ‬الأسر،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬ولم‭ ‬تتحول‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬تنظيمية‭ ‬مستقرة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬سلك‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مساراً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬مختلفاً،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬سقوف‭ ‬رسمية‭ ‬لرسوم‭ ‬التبادل‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬2‭%‬–0.3‭%‬‭ ‬للمعاملات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬البيع،‭ ‬مع‭ ‬نطاقات‭ ‬أعلى‭ ‬للمدفوعات‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬التجار‭ ‬والمستهلكين،‭ ‬ويعكس‭ ‬اختلافاً‭ ‬واضحاً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأسواق‭ ‬غير‭ ‬المقيدة‭ ‬مثل‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭.‬

في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬اتخذت‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬نهجاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬المالي‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الرسوم‭ ‬والتكاليف‭ ‬المرتبطة‭ ‬باستخدام‭ ‬البطاقات،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬رسوم‭ ‬السحب‭ ‬والتحويلات‭ ‬الأجنبية‭ ‬والتأخير،‭ ‬مع‭ ‬مراقبة‭ ‬ارتفاعات‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭ ‬في‭ ‬الرسوم‭. ‬كما‭ ‬حفزت‭ ‬بعض‭ ‬السلطات‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬والجهات‭ ‬المصدِّرة‭ ‬للبطاقات‭ ‬لتوسيع‭ ‬الخيارات‭ ‬أمام‭ ‬المستهلكين‭ ‬وتقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الشبكات‭ ‬العالمية‭ ‬فقط،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬التكاليف‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭.‬

في‭ ‬ضوء‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬والأرقام‭ ‬الحديثة،‭ ‬تبدو‭ ‬هناك‭ ‬فرص‭ ‬مهمة‭ ‬أمام‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬الخليجية‭ ‬لتعزيز‭ ‬إطار‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬المالي،‭ ‬عبر‭ ‬تحديد‭ ‬سقوف‭ ‬مرحلية‭ ‬لرسوم‭ ‬التبادل‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬السوق‭ ‬المحلي،‭ ‬وربط‭ ‬تكاليف‭ ‬الرسوم‭ ‬بمعدلات‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬تحددها‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مضبوط،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬دفع‭ ‬إقليمية‭ ‬مشتركة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية‭ ‬وتنافسية‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬دولياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دعونا‭ ‬إليه‭ ‬مرارا‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة‭.‬

أخيراً،‭ ‬فإن‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬رسوم‭ ‬وفوائد‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قضية‭ ‬تقنية‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬نقاشات‭ ‬أوسع‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭ ‬التنافسية،‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلك،‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬الرقمية،‭ ‬وهو‭ ‬نقاش‭ ‬يتطلب‭ ‬سياسات‭ ‬متوازنة‭ ‬تعزز‭ ‬المنافسة‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬باستدامة‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا