يقال إن المرأة عدوة المرأة.
ويقال إن الرجل يراها عبئا في العمل.
لكن قلما نلتفت إلى أن الخلل ليس في الأشخاص، وإنما في بيئة تزرع الشك وتستغرب الشراكة.
في بيئات العمل، لا يتشكل الدعم صدفة ولا يختفي صدفة. هو انعكاس مباشر للمناخ الذي تُدار به الأمور، وللقيم التي تتحول إلى قرارات يومية. حين تكون البيئة واضحة وعادلة، يصبح التعاون سلوكا طبيعيا، وحين تسود المقارنة والارتياب، يتحول أي اختلاف إلى عبء، وتُفسَّر الكفاءة على أنها تهديد.
التحديات في العمل لا ترتبط دائماً بحجم المهام أو ضغط الوقت. هناك عبء غير مرئي ينشأ من الشعور بالحذر المستمر، وبأن الجهد قد لا يُقدَّر كما ينبغي، أو أن الرأي قد يُتجاوز قبل أن يُناقش. هذا العبء لا يُقاس، لكنه ينعكس على الحافز، ويؤثر في جودة العطاء، ويجعل العمل أقل سلاسة مما يجب.
في هذا السياق، تظهر المرأة بصورتين. امرأة تُداري امرأة، تمارس الدعم بهدوء، وتفهم أن الطريق لا يحتاج الى مزيد من العرقلة. تقول كلمة عادلة في وقتها، وتفتح باباً حين تستطيع، وتختار ألا تزيد الحمل على غيرها. هذه الصورة لا تصنع ضجة، لكنها تمنح العمل معناه الحقيقي.
وتظهر أحياناً امرأة تتعامل بحذر أو منافسة أو صمت، لا بدافع سوء، وإنما نتيجة ضغوط متراكمة أو تجربة علّمتها أن المساحة محدودة وأن النجاة فردية. الفارق بين الصورتين ليس في النية، وإنما في المناخ الذي صاغ هذا السلوك.
والرجل بدوره ليس قالبا واحدا. هناك من يرى المرأة شريكا كاملا، يقيّمها بما تقدمه، ويتعامل مع حضورها كقيمة مضافة. وجود هذا النموذج يخفف حدة التوتر داخل الفرق، ويمنح العمل توازنا صحيا.
وفي المقابل، يظهر أحياناً رجل لا يهمّش بشكل مباشر، لكنه يلتف على الحضور. يوشي، ويهندس القرارات في الخفاء، ويعيد ترتيب المشهد بما يخدم نفوذه، مستخدماً الشك أداة، والهمس وسيلة. هذا النوع من السلوك لا يكون ظاهرا، لكنه يترك أثرا عميقا، لأنه يفرغ العمل من عدالته، ويقوض الثقة بهدوء.
وفي بعض البيئات، تظهر نماذج تستخدم السلطة لا للبناء، وإنما للتضييق. لا ترفع صوتها، لكنها تغلق المسارات، وتربك الجهود، وتُشعر الآخرين بأن المحاولة نفسها غير مرحب بها. هنا لا يكون الظلم حالة عابرة، وإنما يتحول إلى نمط، وإلى رسالة غير معلنة بأن الكفاءة وحدها لا تكفي.
عند هذه النقطة، يصبح من الواضح أن المشكلة لا تكمن في المرأة ولا في الرجل، وإنما في بيئة سمحت لهذه السلوكيات أن تستمر من دون مساءلة، وللمناورة أن تُكافأ، وللصمت أن يتحول إلى أسلوب إدارة. وحين تغيب المعالجة، تفقد بيئة العمل قدرتها على احتضان الطاقات، مهما كانت أهدافها نبيلة.
بيئة العمل تشبه البيت في معناها الأعمق، ليس لأن العاملين أبناء، وإنما لأن المناخ العام يتأثر بطريقة القيادة. حين تُدار الأمور بعدل ووضوح، يشعر الجميع بالأمان، وتظهر القدرات بثقة. وحين يسود التوتر أو التحيز أو الغموض، يفقد المكان توازنه، مهما توافرت الإمكانات. في هذه الحالات، لا يكون الخلل في الأفراد، وإنما في طريقة إدارة البيئة نفسها.
فالاهتمام بالأصول البشرية هو جوهر النجاح المؤسسي. لأن الناس هم من يصنعون النتائج، وهم من يرفعون المؤسسة أو يضعفون أثرها. إهمالهم لا يظهر أثره فوراً، لكنه يتراكم، تماماً كما يتراكم الأثر الإيجابي حين يُستثمر فيهم بوعي. الدعم هنا يشبه التغذية الراجعة، حين تُقدَّم بصدق وانتظام، تصحح المسار، وتمنع الأخطاء من التحول إلى أزمات.
وبيئة العمل دائرة، وما يُزرع فيها يعود أثره على الجميع. الدعم يولّد التزام، والالتزام ينعكس أداء، والأداء يرسم صورة المؤسسة وسمعتها. وحين تنكسر هذه الدائرة، لا تكون المشكلة في الصلاحيات ولا في الأنظمة، وإنما في غياب الوعي بقيمة الإنسان داخلها. لذلك، فإن القيادة الواعية لا تكتفي بالتفويض، بل تحافظ على حضورها الداعم، لأن نجاح المؤسسة أو تعثرها يبدأ وينتهي من هناك.
وحين نُصلح البيئة، نخفف العبء عن الإنسان. وحين نزرع الثقة، تنمو الشراكة. السؤال الأهم ليس من يدعم من، وإنما أي ثقافة نختار أن نبني.. لأن الثقافة هي التي تصنع السلوك وهي التي تحدد إن كان العمل مساحة استنزاف أو مساحة نمو للجميع.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك