العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

ثقافةالشراكة

بقلم: عبير محمد دهام

الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

يقال‭ ‬إن‭ ‬المرأة‭ ‬عدوة‭ ‬المرأة‭.‬

ويقال‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬يراها‭ ‬عبئا‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

لكن‭ ‬قلما‭ ‬نلتفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخلل‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الأشخاص،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تزرع‭ ‬الشك‭ ‬وتستغرب‭ ‬الشراكة‭.‬

في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل،‭ ‬لا‭ ‬يتشكل‭ ‬الدعم‭ ‬صدفة‭ ‬ولا‭ ‬يختفي‭ ‬صدفة‭. ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬للمناخ‭ ‬الذي‭ ‬تُدار‭ ‬به‭ ‬الأمور،‭ ‬وللقيم‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬يومية‭. ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬البيئة‭ ‬واضحة‭ ‬وعادلة،‭ ‬يصبح‭ ‬التعاون‭ ‬سلوكا‭ ‬طبيعيا،‭ ‬وحين‭ ‬تسود‭ ‬المقارنة‭ ‬والارتياب،‭ ‬يتحول‭ ‬أي‭ ‬اختلاف‭ ‬إلى‭ ‬عبء،‭ ‬وتُفسَّر‭ ‬الكفاءة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تهديد‭.‬

التحديات‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬دائماً‭ ‬بحجم‭ ‬المهام‭ ‬أو‭ ‬ضغط‭ ‬الوقت‭. ‬هناك‭ ‬عبء‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭ ‬ينشأ‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالحذر‭ ‬المستمر،‭ ‬وبأن‭ ‬الجهد‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يُقدَّر‭ ‬كما‭ ‬ينبغي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الرأي‭ ‬قد‭ ‬يُتجاوز‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُناقش‭. ‬هذا‭ ‬العبء‭ ‬لا‭ ‬يُقاس،‭ ‬لكنه‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الحافز،‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬العطاء،‭ ‬ويجعل‭ ‬العمل‭ ‬أقل‭ ‬سلاسة‭ ‬مما‭ ‬يجب‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تظهر‭ ‬المرأة‭ ‬بصورتين‭. ‬امرأة‭ ‬تُداري‭ ‬امرأة،‭ ‬تمارس‭ ‬الدعم‭ ‬بهدوء،‭ ‬وتفهم‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬العرقلة‭. ‬تقول‭ ‬كلمة‭ ‬عادلة‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬وتفتح‭ ‬باباً‭ ‬حين‭ ‬تستطيع،‭ ‬وتختار‭ ‬ألا‭ ‬تزيد‭ ‬الحمل‭ ‬على‭ ‬غيرها‭. ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬ضجة،‭ ‬لكنها‭ ‬تمنح‭ ‬العمل‭ ‬معناه‭ ‬الحقيقي‭.‬

وتظهر‭ ‬أحياناً‭ ‬امرأة‭ ‬تتعامل‭ ‬بحذر‭ ‬أو‭ ‬منافسة‭ ‬أو‭ ‬صمت،‭ ‬لا‭ ‬بدافع‭ ‬سوء،‭ ‬وإنما‭ ‬نتيجة‭ ‬ضغوط‭ ‬متراكمة‭ ‬أو‭ ‬تجربة‭ ‬علّمتها‭ ‬أن‭ ‬المساحة‭ ‬محدودة‭ ‬وأن‭ ‬النجاة‭ ‬فردية‭. ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الصورتين‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬النية،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬المناخ‭ ‬الذي‭ ‬صاغ‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭.‬

والرجل‭ ‬بدوره‭ ‬ليس‭ ‬قالبا‭ ‬واحدا‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬المرأة‭ ‬شريكا‭ ‬كاملا،‭ ‬يقيّمها‭ ‬بما‭ ‬تقدمه،‭ ‬ويتعامل‭ ‬مع‭ ‬حضورها‭ ‬كقيمة‭ ‬مضافة‭. ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يخفف‭ ‬حدة‭ ‬التوتر‭ ‬داخل‭ ‬الفرق،‭ ‬ويمنح‭ ‬العمل‭ ‬توازنا‭ ‬صحيا‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يظهر‭ ‬أحياناً‭ ‬رجل‭ ‬لا‭ ‬يهمّش‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬لكنه‭ ‬يلتف‭ ‬على‭ ‬الحضور‭. ‬يوشي،‭ ‬ويهندس‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬الخفاء،‭ ‬ويعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬المشهد‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬نفوذه،‭ ‬مستخدماً‭ ‬الشك‭ ‬أداة،‭ ‬والهمس‭ ‬وسيلة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬ظاهرا،‭ ‬لكنه‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬عميقا،‭ ‬لأنه‭ ‬يفرغ‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬عدالته،‭ ‬ويقوض‭ ‬الثقة‭ ‬بهدوء‭.‬

وفي‭ ‬بعض‭ ‬البيئات،‭ ‬تظهر‭ ‬نماذج‭ ‬تستخدم‭ ‬السلطة‭ ‬لا‭ ‬للبناء،‭ ‬وإنما‭ ‬للتضييق‭. ‬لا‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تغلق‭ ‬المسارات،‭ ‬وتربك‭ ‬الجهود،‭ ‬وتُشعر‭ ‬الآخرين‭ ‬بأن‭ ‬المحاولة‭ ‬نفسها‭ ‬غير‭ ‬مرحب‭ ‬بها‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الظلم‭ ‬حالة‭ ‬عابرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نمط،‭ ‬وإلى‭ ‬رسالة‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬بأن‭ ‬الكفاءة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭.‬

عند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المرأة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الرجل،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬سمحت‭ ‬لهذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مساءلة،‭ ‬وللمناورة‭ ‬أن‭ ‬تُكافأ،‭ ‬وللصمت‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارة‭. ‬وحين‭ ‬تغيب‭ ‬المعالجة،‭ ‬تفقد‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬الطاقات،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬أهدافها‭ ‬نبيلة‭.‬

بيئة‭ ‬العمل‭ ‬تشبه‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬معناها‭ ‬الأعمق،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬العاملين‭ ‬أبناء،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬المناخ‭ ‬العام‭ ‬يتأثر‭ ‬بطريقة‭ ‬القيادة‭. ‬حين‭ ‬تُدار‭ ‬الأمور‭ ‬بعدل‭ ‬ووضوح،‭ ‬يشعر‭ ‬الجميع‭ ‬بالأمان،‭ ‬وتظهر‭ ‬القدرات‭ ‬بثقة‭. ‬وحين‭ ‬يسود‭ ‬التوتر‭ ‬أو‭ ‬التحيز‭ ‬أو‭ ‬الغموض،‭ ‬يفقد‭ ‬المكان‭ ‬توازنه،‭ ‬مهما‭ ‬توافرت‭ ‬الإمكانات‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الخلل‭ ‬في‭ ‬الأفراد،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬البيئة‭ ‬نفسها‭.‬

فالاهتمام‭ ‬بالأصول‭ ‬البشرية‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬النجاح‭ ‬المؤسسي‭. ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يصنعون‭ ‬النتائج،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬يرفعون‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬يضعفون‭ ‬أثرها‭. ‬إهمالهم‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬أثره‭ ‬فوراً،‭ ‬لكنه‭ ‬يتراكم،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يتراكم‭ ‬الأثر‭ ‬الإيجابي‭ ‬حين‭ ‬يُستثمر‭ ‬فيهم‭ ‬بوعي‭. ‬الدعم‭ ‬هنا‭ ‬يشبه‭ ‬التغذية‭ ‬الراجعة،‭ ‬حين‭ ‬تُقدَّم‭ ‬بصدق‭ ‬وانتظام،‭ ‬تصحح‭ ‬المسار،‭ ‬وتمنع‭ ‬الأخطاء‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭.‬

وبيئة‭ ‬العمل‭ ‬دائرة،‭ ‬وما‭ ‬يُزرع‭ ‬فيها‭ ‬يعود‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬الجميع‭. ‬الدعم‭ ‬يولّد‭ ‬التزام،‭ ‬والالتزام‭ ‬ينعكس‭ ‬أداء،‭ ‬والأداء‭ ‬يرسم‭ ‬صورة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وسمعتها‭. ‬وحين‭ ‬تنكسر‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الصلاحيات‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الأنظمة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬بقيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬داخلها‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬القيادة‭ ‬الواعية‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتفويض،‭ ‬بل‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬حضورها‭ ‬الداعم،‭ ‬لأن‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬تعثرها‭ ‬يبدأ‭ ‬وينتهي‭ ‬من‭ ‬هناك‭.‬

وحين‭ ‬نُصلح‭ ‬البيئة،‭ ‬نخفف‭ ‬العبء‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭. ‬وحين‭ ‬نزرع‭ ‬الثقة،‭ ‬تنمو‭ ‬الشراكة‭. ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬يدعم‭ ‬من،‭ ‬وإنما‭ ‬أي‭ ‬ثقافة‭ ‬نختار‭ ‬أن‭ ‬نبني‭.. ‬لأن‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬السلوك‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬مساحة‭ ‬استنزاف‭ ‬أو‭ ‬مساحة‭ ‬نمو‭ ‬للجميع‭.‬

 

 

مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا