تمثل الاستثمارات في رأس المال البشري أحد أهم ركائز التنمية المستدامة، إذ لم تعد الاقتصادات الحديثة تُقاس فقط بحجم مواردها أو بنيتها التحتية، بل بقدرتها على تأهيل الكفاءات الوطنية وتمكينها من المنافسة في سوق عالمي قائم على المعرفة والمهارات. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تبنّي خطط تمويلية مبتكرة تتيح لأبناء ذوي الدخل المحدود فرصة الالتحاق بالجامعات العالمية، باعتبار ذلك استثماراً طويل الأجل في مستقبل الاقتصاد الوطني.
ويُعد وضع إطار تشريعي منظم، بالتنسيق بين مصرف البحرين المركزي والقطاع المصرفي، خطوة محورية لإنجاح هذا التوجه. إذ يمكن تخصيص محافظ تمويلية برسوم أرباح رمزية وميسّرة، تراعي ظروف ذوي الدخل المحدود، وتضمن في الوقت ذاته استدامة هذه المبادرات. فالتشريع الواضح لا يحمي حقوق جميع الأطراف فحسب، بل يعزز ثقة البنوك في هذا النوع من التمويل، ويحول التعليم من عبء مالي إلى فرصة استثمارية مدروسة.
وتتمحور الفكرة حول تمكين الطلبة من استكمال دراستهم في جامعات عالمية مرموقة، بما يتيح لهم اكتساب مهارات متقدمة وخبرات دولية تسهم في رفع مستوى رأس المال البشري الوطني. فالاستثمار في تعليم هذه الفئة لا ينعكس فقط على مستقبل الطلبة أنفسهم، بل على الاقتصاد ككل، من خلال تخريج كفاءات قادرة على الإسهاaم في قطاعات حيوية، ودعم الابتكار، وتعزيز الإنتاجية.
وفي هذا السياق، يشكل التنسيق المباشر بين جهة التمويل والمؤسسة التعليمية بعد الموافقة على الطلب أحد العناصر الأساسية لضمان كفاءة التنفيذ. إذ يتم سداد الرسوم الدراسية على دفعات منتظمة وفق الآليات المتبعة عالمياً، بما يحد من المخاطر المالية، ويضمن توجيه التمويل للغرض التعليمي المحدد، ويعزز الشفافية والانضباط المالي.
ولا يقتصر أثر هذه الخطط على البعد الاجتماعي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي والمالي، حيث تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، وتوفر للبنوك عوائد مستقرة على المدى المتوسط والطويل. فتمويل التعليم، عند إدارته بكفاءة، يعد من أقل أنواع التمويل مخاطرة، نظراً الى ارتباطه بتحسين الدخل المستقبلي للطلبة، وتعزيز قدرتهم على الوفاء بالالتزامات المالية بعد التخرج.
وفي المحصلة، فإن تبنّي خطط تمويلية للدراسات الجامعية العالمية يشكل نموذجاً متقدماً للتنمية المستدامة، يجمع بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية. فهو يمنح أبناء ذوي الدخل المحدود فرصة حقيقية للنهوض بقدراتهم، ويعزز دور القطاع المصرفي كشريك في التنمية، ويدعم بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة، قادر على مواكبة التحولات العالمية وصناعة مستقبل أكثر استدامة وتنافسية.
ماجستير تنفيذي بالإدارة من المملكة المتحدة (EMBA)
عضو بمعهد المهندسين والتكنولوجيا البريطانية العالمية (MIET)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك