يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
حراس الذاكرة الوطنية
قبل نحو أسبوعين نشرنا في «أخبار الخليج» قصة ملهمة مؤثرة هي قصة مواطن فلسطيني من غزة اسمه طارق حسن درويش. هذا المواطن الفلسطيني يقوم بعمل وطني استثنائي. كرس 25 عاما من حياته لحفظ أسماء الشهداء وتواريخ استشهادهم وتفاصيل قصصهم، وأصبح أهل المخيم الذي يعيش فيه يطلقون عليه «حارس الذاكرة» أو «الحارس غير المعلن للشهداء».
حكاية هذا المواطن الفلسطيني بدأت عام 2000 حين اندلعت انتفاضة الأقصى واستشهد الطفل محمد الدرة الذي هزت مشاهد استشهاده العالم في ذلك الوقت. في السنوات التالية بدأ حفظ مئات ثم آلاف أسماء الشهداء وتفاصيل استشهادهم. ومع حرب إبادة غزة والارتفاع في أعداد الشهداء إلى عشرات الآلاف أصبحت مهمته صعبة جدا، ومع ذلك لم يتوقف. ويحتفظ المواطن الفلسطيني بأرشيف ضخم يضم صور الشهداء ويعتبره كنزا تاريخيا ويرفض التفريط فيه. يقول إن أخطر ما يواجه الشهداء ليس الموت بل النسيان وإنه يريد أن تبقى أسماء الشهداء حية في الوعي الجمعي.
كما نرى، ما يقوم به هذا المواطن الفلسطيني بجهد منفرد عمل وطني جليل.
حكاية المواطن الفلسطيني تنبه إلى الأهمية الكبرى الحاسمة لقضية حفظ الذاكرة الوطنية بالنسبة لأي بلد.
الذاكرة الوطنية بالنسبة لأي بلد لها أهمية استراتيجية حاسمة. الذاكرة الوطنية أحد أكبر أعمدة الهوية الوطنية. هي ركيزة الوعي الجمعي العام بالهوية الوطنية.
الهوية الوطنية لأي بلد ومجتمع تتشكل في جانب أساسي منها على ما تحفظه الذاكرة عن تاريخ البلد ووقائعه وأحداثه الكبرى، ورموزه الوطنية عبر التاريخ وما حققه من إنجازات.. وهكذا.
لهذا، يعتبر حفظ الذاكرة الوطنية قضية لها أهمية استراتيجية كما ذكرت.
الأمر المهم هنا أن الذاكرة الوطنية لا تتعلق بالماضي فقط وأحداثه ورموزه، وإنما تتعلق بالحاضر أيضا وبنفس القدر من الأهمية.
البحرين مثلا مرت في السنوات الماضية بأحداث كبيرة عاصفة عاصرناها وعاصرنا تطوراتها. وواجهت البحرين تحديات هائلة تجاوزتها. والبحرين تشهد مثلا إنجازات بارزة في مختلف المجالات. ونتابع باستمرار أسماء لشخصيات بحرينية تحقق إنجازات وإبداعات دولية ومحلية.. وهكذا.
كل هذا يجب تسجيله وتوثيقه بالتفصيل.
يجب أن يحدث هذا حفظا للذاكرة الوطنية من أجل الحاضر ومن أجل الأجيال القادمة بالذات. إذا لم يتم حفظ الذاكرة بهذا المعنى، فستكون الأجيال القادمة بعد خمسين أو مائة عام أو أكثر أو أقل منفصلة عن ماضي وطنها. لن تكون على علم بما مر به الوطن من أحداث وما حققه من إنجازات وما واجهه من تحديات.
الأمر المهم الآخر أننا إذا لم نحفظ الذاكرة الوطنية ونوثق حال الوطن في الحقبة التي نعيشها، فسوف يفعل الآخرون ذلك بحسب هواهم ولخدمة أغراضهم وأهدافهم، وسوف يشوهون الواقع الذي نعيشه كما يشاءون. ولاحقا بعد سنوات طويلة قد يتصور الجيل القادم أن هذه الصورة المشوهة هي الواقع فعلا.
ليس غريبا أن القوى والجماعات التي تستهدف الدول والمجتمعات تتعمد تشويه الذاكرة ومحو الإيجابيات فيها وكل ما يعزز الهوية الوطنية. هذه أداة أساسية لتنفيذ المخططات التي تستهدف دولنا.
نحن إذن بحاجة إلى «حراس للذاكرة الوطنية» في كل المجالات يتولون مهمة التسجيل والتوثيق وحفظ الذاكرة الوطنية وحمايتها من الاندثار أو التشويه المتعمد.
الأمر المهم هو أن حفظ الذاكرة وحراستها ليست مسؤولية فردية، هي مسؤولية مؤسسات الدولة في المقام الأول.
يجب أن نكون على وعي بالأهمية القصوى لهذه القضية، وأن تكون لدينا تصورات وخطط لحفظ الذاكرة الوطنية في مختلف المجالات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك