العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

حراس الذاكرة الوطنية

قبل‭ ‬نحو‭ ‬أسبوعين‭ ‬نشرنا‭ ‬في‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬قصة‭ ‬ملهمة‭ ‬مؤثرة‭ ‬هي‭ ‬قصة‭ ‬مواطن‭ ‬فلسطيني‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬اسمه‭ ‬طارق‭ ‬حسن‭ ‬درويش‭. ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬يقوم‭ ‬بعمل‭ ‬وطني‭ ‬استثنائي‭. ‬كرس‭ ‬25‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬لحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬الشهداء‭ ‬وتواريخ‭ ‬استشهادهم‭ ‬وتفاصيل‭ ‬قصصهم،‭ ‬وأصبح‭ ‬أهل‭ ‬المخيم‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬يطلقون‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬حارس‭ ‬الذاكرة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الحارس‭ ‬غير‭ ‬المعلن‭ ‬للشهداء‮»‬‭. ‬

حكاية‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬حين‭ ‬اندلعت‭ ‬انتفاضة‭ ‬الأقصى‭ ‬واستشهد‭ ‬الطفل‭ ‬محمد‭ ‬الدرة‭ ‬الذي‭ ‬هزت‭ ‬مشاهد‭ ‬استشهاده‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭. ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬التالية‭ ‬بدأ‭ ‬حفظ‭ ‬مئات‭ ‬ثم‭ ‬آلاف‭ ‬أسماء‭ ‬الشهداء‭ ‬وتفاصيل‭ ‬استشهادهم‭. ‬ومع‭ ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬غزة‭ ‬والارتفاع‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬الشهداء‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬أصبحت‭ ‬مهمته‭ ‬صعبة‭ ‬جدا،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭. ‬ويحتفظ‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بأرشيف‭ ‬ضخم‭ ‬يضم‭ ‬صور‭ ‬الشهداء‭ ‬ويعتبره‭ ‬كنزا‭ ‬تاريخيا‭ ‬ويرفض‭ ‬التفريط‭ ‬فيه‭. ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬الشهداء‭ ‬ليس‭ ‬الموت‭ ‬بل‭ ‬النسيان‭ ‬وإنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬أسماء‭ ‬الشهداء‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭.‬

كما‭ ‬نرى،‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بجهد‭ ‬منفرد‭ ‬عمل‭ ‬وطني‭ ‬جليل‭.‬

حكاية‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬تنبه‭ ‬إلى‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبرى‭ ‬الحاسمة‭ ‬لقضية‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬بلد‭.‬

الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬بلد‭ ‬لها‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬حاسمة‭. ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬أعمدة‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭. ‬هي‭ ‬ركيزة‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬العام‭ ‬بالهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬لأي‭ ‬بلد‭ ‬ومجتمع‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬أساسي‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحفظه‭ ‬الذاكرة‭ ‬عن‭ ‬تاريخ‭ ‬البلد‭ ‬ووقائعه‭ ‬وأحداثه‭ ‬الكبرى،‭ ‬ورموزه‭ ‬الوطنية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬وما‭ ‬حققه‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭.. ‬وهكذا‭.‬

لهذا،‭ ‬يعتبر‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬قضية‭ ‬لها‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭.‬

الأمر‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالماضي‭ ‬فقط‭ ‬وأحداثه‭ ‬ورموزه،‭ ‬وإنما‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحاضر‭ ‬أيضا‭ ‬وبنفس‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭.‬

البحرين‭ ‬مثلا‭ ‬مرت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬بأحداث‭ ‬كبيرة‭ ‬عاصفة‭ ‬عاصرناها‭ ‬وعاصرنا‭ ‬تطوراتها‭. ‬وواجهت‭ ‬البحرين‭ ‬تحديات‭ ‬هائلة‭ ‬تجاوزتها‭. ‬والبحرين‭ ‬تشهد‭ ‬مثلا‭ ‬إنجازات‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭. ‬ونتابع‭ ‬باستمرار‭ ‬أسماء‭ ‬لشخصيات‭ ‬بحرينية‭ ‬تحقق‭ ‬إنجازات‭ ‬وإبداعات‭ ‬دولية‭ ‬ومحلية‭.. ‬وهكذا‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬يجب‭ ‬تسجيله‭ ‬وتوثيقه‭ ‬بالتفصيل‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬حفظا‭ ‬للذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحاضر‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بالذات‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فستكون‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬أو‭ ‬مائة‭ ‬عام‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬ماضي‭ ‬وطنها‭. ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بما‭ ‬مر‭ ‬به‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬وما‭ ‬حققه‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬وما‭ ‬واجهه‭ ‬من‭ ‬تحديات‭.‬

الأمر‭ ‬المهم‭ ‬الآخر‭ ‬أننا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬ونوثق‭ ‬حال‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها،‭ ‬فسوف‭ ‬يفعل‭ ‬الآخرون‭ ‬ذلك‭ ‬بحسب‭ ‬هواهم‭ ‬ولخدمة‭ ‬أغراضهم‭ ‬وأهدافهم،‭ ‬وسوف‭ ‬يشوهون‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬كما‭ ‬يشاءون‭. ‬ولاحقا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يتصور‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المشوهة‭ ‬هي‭ ‬الواقع‭ ‬فعلا‭.‬

ليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬والجماعات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬تتعمد‭ ‬تشويه‭ ‬الذاكرة‭ ‬ومحو‭ ‬الإيجابيات‭ ‬فيها‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭. ‬هذه‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬المخططات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬دولنا‭.‬

نحن‭ ‬إذن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬حراس‭ ‬للذاكرة‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭ ‬يتولون‭ ‬مهمة‭ ‬التسجيل‭ ‬والتوثيق‭ ‬وحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬الاندثار‭ ‬أو‭ ‬التشويه‭ ‬المتعمد‭.‬

الأمر‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬وحراستها‭ ‬ليست‭ ‬مسؤولية‭ ‬فردية،‭ ‬هي‭ ‬مسؤولية‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬بالأهمية‭ ‬القصوى‭ ‬لهذه‭ ‬القضية،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬لدينا‭ ‬تصورات‭ ‬وخطط‭ ‬لحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا