العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

المكانة في التاريخ والمنطق الهمجي

نعلم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬كثيرين‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬والكتاب‭ ‬وحتى‭ ‬المواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬عنصريون‭ ‬واستعماريون‭ ‬ولا‭ ‬يكنون‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬للدول‭ ‬والشعوب‭ ‬غير‭ ‬الغربية‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬لأي‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يستغرب‭ ‬المرء‭ ‬أحيانا‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تعبيرهم‭ ‬صراحة‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬بكل‭ ‬بجاحة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شعور‭ ‬بالخجل‭.‬

مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬نشرته‭ ‬صحيفة‭ ‬أمريكية‭ ‬كبيرة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬واشنطن‭ ‬بوست‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭. ‬نشرت‭ ‬مقالا‭ ‬لكاتب‭ ‬اسمه‭ ‬مارك‭ ‬ثيسن‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الخيار‭ ‬الذي‭ ‬سيحدد‭ ‬مكانة‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬التاريخ‮»‬‭. ‬لنـتأمل‭ ‬ماذا‭ ‬يقول‭ ‬الكاتب‭. ‬

الكاتب‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬ضرب‭ ‬أمريكا‭ ‬لإيران‭ ‬ضرورة‭ ‬وليس‭ ‬خيارا‭ ‬مطروحا،‭ ‬أي‭ ‬مسألة‭ ‬حتمية‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬ضرب‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬مكانة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي‭.‬

يبرر‭ ‬الكاتب‭ ‬هذا‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬مصداقية‭ ‬أمريكا‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬وتنفيذها‭ ‬لوعودها‭ ‬على‭ ‬المحك‭. ‬يشير‭ ‬بهذا‭ ‬إلى‭ ‬تحذير‭ ‬ترامب‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬المتظاهرين‭ ‬ووعوده‭ ‬بالوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جانبهم‭ ‬ويقول‭ ‬إن‭: ‬‮«‬فشل‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬بتحذيراته‭ ‬الشديدة‭ ‬للنظام‭ ‬الإرهابي‭ ‬في‭ ‬طهران،‭ ‬سيقود‭ ‬إلى‭ ‬تكرار‭ ‬أخطاء‭ ‬أوباما‭ ‬وبايدن،‭ ‬وسيرسل‭ ‬رسالة‭ ‬ضعف‭ ‬ستتردد‭ ‬أصداؤها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‮»‬‭. ‬ويضيف‭: ‬‮«‬وإذا‭ ‬سمح‭ ‬ترامب‭ ‬الآن‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬بعد‭ ‬تجاهله‭ ‬تحذيره‭ ‬بعدم‭ ‬ارتكاب‭ ‬مجازر‭ ‬بحق‭ ‬مواطنيه،‭ ‬ستتبدد‭ ‬هذه‭ ‬المصداقية‮»‬‭.‬

‭ ‬ويعبر‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬الرفض‭ ‬القاطع‭ ‬لإجراء‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬

‭ ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬تفاوض‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي،‭ ‬وهو‭ ‬اتفاق‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ستنقضه،‭ ‬فسيكون‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬أظهر‭ ‬ضعفه‮»‬‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬سيتضمن‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬تخفيف‭ ‬العقوبات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سيكافئ‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬تحديه‭ ‬لترامب‮»‬‭.‬

ماذا‭ ‬على‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬إذن‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬الكاتب؟‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يضرب‭ ‬إيران‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يتخلص‭ ‬من‭ ‬قيادتها‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬يتفاوض‭ ‬مع‭ ‬القيادة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬ستخلفه‭.  ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالقوة‭ ‬يتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬رئاسية‭ ‬مماثلة،‭ ‬لتلك‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬إسقاط‭ ‬نظام‭ ‬مادورو‮»‬‭.‬

باختصار‭ ‬يدعو‭ ‬الكاتب‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬شن‭ ‬عدوان‭ ‬كاسح‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬فقط‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬ومصداقية‭.‬

أي‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬هذه‭ ‬التي‭ ‬يريدها‭ ‬الكاتب‭ ‬لترامب؟‭ ‬إنها‭ ‬مكانة‭ ‬منحطة‭.‬

هذا‭ ‬منطق‭ ‬همجي‭. ‬

الكاتب‭ ‬قال‭ ‬هذا‭ ‬بمنتهى‭ ‬الهدوء‭ ‬والسلاسة‭. ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أي‭ ‬بأس‭ ‬في‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬مستقلة‭ ‬واغتيال‭ ‬قادتها‭ ‬لمجرد‭ ‬حفظ‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭. ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬بعيد‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول‭ ‬وكرامة‭ ‬الشعوب،‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬طبعا‭ ‬أي‭ ‬احترام‭ ‬لقانون‭ ‬دولي‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬قيم‭ ‬أو‭ ‬أعراف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نوع‭.‬

الحقيقة‭ ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬غريبا‭ ‬على‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬الساسة‭ ‬والكتاب‭ ‬في‭ ‬الغرب‭.‬

لكن‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬هذا‭ ‬يتجاهل‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬كثيرا‭ ‬بمصير‭ ‬المحتجين‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وأكبر‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬أعلنت‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬شروطها‭ ‬والمطالب‭ ‬التي‭ ‬تريدها‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬لم‭ ‬تتطرق‭ ‬إطلاقا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بند‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬الوضع‭ ‬الداخلي‭ ‬والمحتجين‭ ‬ومطالبهم‭.‬

الأمر‭ ‬الآخر‭ ‬إن‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬يشن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وعلى‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬معها‭. ‬وترامب‭ ‬عموما‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬التاريخ‭ ‬كصانع‭ ‬سلام‭ ‬على‭ ‬طريقته‭.‬

المهم‭ ‬هنا‭ ‬إن‭ ‬المسألة‭ ‬ليست‭ ‬مسألة‭ ‬رأي‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬والنظام‭ ‬الإيراني‭. ‬من‭ ‬حق‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬رأي‭ ‬يشاء‭. ‬المشكلة‭ ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬الهمجي‭ ‬والترويج‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬إعلام‭ ‬كبرى‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬شريعة‭ ‬الغاب‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تسود‭ ‬العالم‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬وصراعات‭ ‬دموية‭ ‬وغياب‭ ‬لأي‭ ‬قانون‭ ‬دولي‭ ‬أو‭ ‬قيم‭ ‬للعدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا