يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
المكانة في التاريخ والمنطق الهمجي
نعلم أن هناك كثيرين في الغرب من الساسة والكتاب وحتى المواطنين العاديين عنصريون واستعماريون ولا يكنون أي احترام للدول والشعوب غير الغربية ولا حتى لأي قيم إنسانية. ومع ذلك يستغرب المرء أحيانا من الحد الذي يذهب إليه البعض في تعبيرهم صراحة عن مثل هذه المواقف بكل بجاحة ومن دون أي شعور بالخجل.
مثال على ذلك ما نشرته صحيفة أمريكية كبيرة هي «واشنطن بوست» قبل أيام. نشرت مقالا لكاتب اسمه مارك ثيسن بعنوان «الخيار الذي سيحدد مكانة الرئيس في التاريخ». لنـتأمل ماذا يقول الكاتب.
الكاتب يعتبر أن ضرب أمريكا لإيران ضرورة وليس خيارا مطروحا، أي مسألة حتمية. ليس هذا فحسب، بل يعتبر أن ضرب إيران هو الذي يحدد مكانة الرئيس الأمريكي ترامب في التاريخ الأمريكي.
يبرر الكاتب هذا بالقول إن مصداقية أمريكا لدى الشعوب وتنفيذها لوعودها على المحك. يشير بهذا إلى تحذير ترامب للنظام الإيراني من قتل المتظاهرين ووعوده بالوقوف إلى جانبهم ويقول إن: «فشل ترامب في الوفاء بتحذيراته الشديدة للنظام الإرهابي في طهران، سيقود إلى تكرار أخطاء أوباما وبايدن، وسيرسل رسالة ضعف ستتردد أصداؤها في جميع أنحاء العالم». ويضيف: «وإذا سمح ترامب الآن للنظام الإيراني بالإفلات من العقاب بعد تجاهله تحذيره بعدم ارتكاب مجازر بحق مواطنيه، ستتبدد هذه المصداقية».
ويعبر الكاتب عن الرفض القاطع لإجراء أي مفاوضات مع النظام الإيراني
ويقول إنه «إذا تفاوض ترامب مع إيران على اتفاق نووي، وهو اتفاق من المؤكد أن إيران ستنقضه، فسيكون بذلك قد أظهر ضعفه» ويرى أن «الاتفاق النووي سيتضمن شكلاً من أشكال تخفيف العقوبات، وبالتالي سيكافئ النظام الإيراني على تحديه لترامب».
ماذا على ترامب أن يفعل إذن في رأي الكاتب؟ عليه أن يضرب إيران. ليس هذا فحسب، بل أن «يتخلص من قيادتها» ثم يتفاوض مع القيادة الانتقالية التي ستخلفه. ويقول إن «إسقاط النظام الإيراني بالقوة يتطلب شجاعة رئاسية مماثلة، لتلك التي ظهرت في قرار إسقاط نظام مادورو».
باختصار يدعو الكاتب ترامب إلى شن عدوان كاسح على إيران وإسقاط النظام الإيراني فقط كي تكون له مكانة في التاريخ ومصداقية.
أي مكانة في التاريخ هذه التي يريدها الكاتب لترامب؟ إنها مكانة منحطة.
هذا منطق همجي.
الكاتب قال هذا بمنتهى الهدوء والسلاسة. لا يرى أي بأس في العدوان على دولة مستقلة واغتيال قادتها لمجرد حفظ مكانة في التاريخ كما يزعم. لا يعنيه من قريب أو بعيد أي احترام لسيادة الدول وكرامة الشعوب، لا يعنيه طبعا أي احترام لقانون دولي أو أي قيم أو أعراف من أي نوع.
الحقيقة إن مثل هذا المنطق لم يعد غريبا على كثيرين من الساسة والكتاب في الغرب.
لكن الغريب أن الكاتب حين يقول هذا يتجاهل أن الرئيس ترامب نفسه لا يكترث كثيرا بمصير المحتجين في إيران وأكبر دليل على ذلك أنه حين أعلنت إدارة ترامب شروطها والمطالب التي تريدها من إيران في المفاوضات لم تتطرق إطلاقا في أي بند منها إلى مسألة الوضع الداخلي والمحتجين ومطالبهم.
الأمر الآخر إن ترامب نفسه لا يريد في الحقيقة أن يشن الحرب على إيران، وإنما هو حريص على التفاوض مع إيران وعلى التوصل إلى اتفاق معها. وترامب عموما بحسب ما يقول على الأقل يريد أن يدخل التاريخ كصانع سلام على طريقته.
المهم هنا إن المسألة ليست مسألة رأي أو موقف من إيران والنظام الإيراني. من حق أي أحد أن يكون له أي رأي يشاء. المشكلة إن مثل هذا المنطق الهمجي والترويج له في أجهزة إعلام كبرى يسهم في تكريس شريعة الغاب التي يراد لها أن تسود العالم وما يرتبط بها من فوضى وصراعات دموية وغياب لأي قانون دولي أو قيم للعدالة والإنصاف أو حتى قيم إنسانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك