يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
العرب في عالم الفوضى
تحدثت في المقال السابق عن انهيار المعسكر الغربي الذي يتجسد أساسا في تفكك التحالف بين أمريكا والدول الأوروبية، وما يرتبط بذلك من انهيار النظام العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، وتداعيات ذلك على العالم كله.
هذا الانهيار يرتبط به غياب القانون الدولي وعدم الاكتراث به، وسيادة منطق القوة الغاشمة.
ويعني هذا ان العالم مقبل على عصر من الفوضى بكل معنى الكلمة، وتفجر صراعات وازمات كبرى.
من البديهي ان هذا الوضع يفرض تحديات كبرى على كل دول العالم عليها ان تستعد لها وتعرف كيف ستتعامل معها بما يحفظ امنها ومصالحها.
وبغض النظر عن أبعاد الجدل الدائر في مختلف الدول حول هذه القضية، الا ان هناك اجماعا تقريبا على امرين اساسيين فيما بتعلق بهذا العالم من الفوضى والتعامل معه:
الأول: ان أي دولة لم يعد بمقدورها ان تعتمد على القانون الدولي أو اي عدل أو انصاف في العالم في حماية أمنها ومصالحها. كما لم يعد بمقدورها ان تعتمد على دور المنظمات الدولية في أي مجال وعلى رأسها الأمم المتحدة.
والثاني: انه لم يعد من الصائب ان تراهن أي دولة على التحالف مع القوى العظمى وعلى رأسها امريكا. وقد أعلنت امريكا صراحة ان كل حلفائها يجب ان يعتمدوا على أنفسهم لا على الدعم الأمريكي، وإنها ليست ملتزمة بحماية الحلفاء، وفي مقدمتهم الدول الأوروبية، أو الدفاع عنهم.
على ضوء هذين الأمرين هناك اجماع في أوساط المحللين والساسة على ان كل دول العالم يجب ان تعتمد على الذات في حماية امنها. ويعني هذا ان تسعى اولا الى امتلاك مصادر القوة التي تمكنها من ذلك سواء القوة العسكرية او الاقتصادية او السياسية.
كما يعني هذا الأهمية الحاسمة لتقوية الجبهة الداخلية من حيث تعزيز التماسك الاجتماعي والالتفاف الوطني حول اهداف تحقيق المصالح الوطنية.
كما ان هناك اجماعا في مواجهة عالم الفوضى القادم على ضرورة ان تسعى الدول التي تجمعها روابط وعلاقات خاصة إلى توحيد جهودها وحشد امكانياتها المشتركة من اجل الدفاع عن مصالحها، وان تسعى إلى تنويع علاقاتها الدولية بصفة عامة. وقد رأينا مثلا ان الدول الأوروبية في خضم الأزمة الطاحنة مع أمريكا وتوقعها للأسوأ تسعى إلى التقرب من الصين وتعزيز العلاقات معها، وبدأت تخفف حتى نبرتها العدائية تجاه روسيا.
الدول العربية يجب ان تسير على نفس النهج إن كان لها ان تستعد لعالم الفوضى وتتعامل معه بما من شأنه حفظ امن دولنا، فرادى ومجتمعة، والحفاظ على مصالحها.
تقوية الجبهة الداخلية هدف له أولوية قصوى هنا. كل الدول العربية يجب ان تعطي الأولوية للتماسك المجتمعي ولتعزيز الهوية الوطنية الأمر الذي يعد ركيزة أساسية في مواجهة التحديات.
كما ان كل دولة عربية يجب ان تقوي قدراتها الذاتية وتعززها بما من شأنه تمكينها من التعامل بفعالية مع التحديات القادمة وتقوية مكانتها.
وعلى الصعيد الجماعي لسنا بحاجة إلى القول ان الدول العربية تمتلك مجتمعة المقومات العسكرية والاقتصادية الهائلة التي من المفروض ان يتم حشدها في الدفاع عن مصالحنا دولنا.
ليست هناك اي مجموعة في العالم كله تمتلك ما تمتلكه الدول العربية من روابط وامكانيات. وليس من المعقول ان يظل كل هذا معطلا ونحن مقبلون على هذه التحديات الخطيرة.
ومن البديهي انه لتحقيق هذا يجب ان تكون لدى الدول العربية رؤية واضحة للتحديات التي يفرضها عالم الفوضى القادم، والإرادة للتعامل الجماعي مع هذه التحديات.
ومجلس التعاون الخليجي من المفروض ان يقدم المثال والقدوة في هذا المجال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك