العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

العرب في عالم الفوضى

تحدثت‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬يتجسد‭ ‬أساسا‭ ‬في‭ ‬تفكك‭ ‬التحالف‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وما‭ ‬يرتبط‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليه‭ ‬الغرب،‭ ‬وتداعيات‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

هذا‭ ‬الانهيار‭ ‬يرتبط‭ ‬به‭ ‬غياب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬به،‭ ‬وسيادة‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬الغاشمة‭.‬

‭ ‬ويعني‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬العالم‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬عصر‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬وتفجر‭ ‬صراعات‭ ‬وازمات‭ ‬كبرى‭. ‬

من‭ ‬البديهي‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬عليها‭ ‬ان‭ ‬تستعد‭ ‬لها‭ ‬وتعرف‭ ‬كيف‭ ‬ستتعامل‭ ‬معها‭ ‬بما‭ ‬يحفظ‭ ‬امنها‭ ‬ومصالحها‭.‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أبعاد‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬اجماعا‭ ‬تقريبا‭ ‬على‭ ‬امرين‭ ‬اساسيين‭ ‬فيما‭ ‬بتعلق‭ ‬بهذا‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭:‬

الأول‭: ‬ان‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بمقدورها‭ ‬ان‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬اي‭ ‬عدل‭ ‬أو‭ ‬انصاف‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أمنها‭ ‬ومصالحها‭. ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بمقدورها‭ ‬ان‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

والثاني‭: ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الصائب‭ ‬ان‭ ‬تراهن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬امريكا‭. ‬وقد‭ ‬أعلنت‭ ‬امريكا‭ ‬صراحة‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬حلفائها‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يعتمدوا‭ ‬على‭ ‬أنفسهم‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وإنها‭ ‬ليست‭ ‬ملتزمة‭ ‬بحماية‭ ‬الحلفاء،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عنهم‭.‬

على‭ ‬ضوء‭ ‬هذين‭ ‬الأمرين‭ ‬هناك‭ ‬اجماع‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المحللين‭ ‬والساسة‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬امنها‭. ‬ويعني‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬تسعى‭ ‬اولا‭ ‬الى‭ ‬امتلاك‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تمكنها‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سواء‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬او‭ ‬الاقتصادية‭ ‬او‭ ‬السياسية‭. ‬

كما‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬الأهمية‭ ‬الحاسمة‭ ‬لتقوية‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تعزيز‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والالتفاف‭ ‬الوطني‭ ‬حول‭ ‬اهداف‭ ‬تحقيق‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭.‬

كما‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬اجماعا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬الفوضى‭ ‬القادم‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬ان‭ ‬تسعى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تجمعها‭ ‬روابط‭ ‬وعلاقات‭ ‬خاصة‭ ‬إلى‭ ‬توحيد‭ ‬جهودها‭ ‬وحشد‭ ‬امكانياتها‭ ‬المشتركة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحها،‭ ‬وان‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدولية‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭. ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬مثلا‭ ‬ان‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الأزمة‭ ‬الطاحنة‭ ‬مع‭ ‬أمريكا‭ ‬وتوقعها‭ ‬للأسوأ‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬وتعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬معها،‭ ‬وبدأت‭ ‬تخفف‭ ‬حتى‭ ‬نبرتها‭ ‬العدائية‭ ‬تجاه‭ ‬روسيا‭.‬

‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬النهج‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬ان‭ ‬تستعد‭ ‬لعالم‭ ‬الفوضى‭ ‬وتتعامل‭ ‬معه‭ ‬بما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬حفظ‭ ‬امن‭ ‬دولنا،‭ ‬فرادى‭ ‬ومجتمعة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭.‬

‭ ‬تقوية‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬هدف‭ ‬له‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬هنا‭. ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تعطي‭ ‬الأولوية‭ ‬للتماسك‭ ‬المجتمعي‭ ‬ولتعزيز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭.‬

كما‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تقوي‭ ‬قدراتها‭ ‬الذاتية‭ ‬وتعززها‭ ‬بما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تمكينها‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬بفعالية‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭ ‬القادمة‭ ‬وتقوية‭ ‬مكانتها‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الجماعي‭ ‬لسنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تمتلك‭ ‬مجتمعة‭ ‬المقومات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬ان‭ ‬يتم‭ ‬حشدها‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحنا‭ ‬دولنا‭.‬

ليست‭ ‬هناك‭ ‬اي‭ ‬مجموعة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬تمتلك‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬روابط‭ ‬وامكانيات‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬ان‭ ‬يظل‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬معطلا‭ ‬ونحن‭ ‬مقبلون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬الخطيرة‭.‬

ومن‭ ‬البديهي‭ ‬انه‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬لدى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬للتحديات‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬عالم‭ ‬الفوضى‭ ‬القادم،‭ ‬والإرادة‭ ‬للتعامل‭ ‬الجماعي‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭.‬

ومجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬ان‭ ‬يقدم‭ ‬المثال‭ ‬والقدوة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا