يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
ما بعد نهاية الغرب
الكل تقريبا في الدول الغربية يتحدث هذه الأيام عن نهاية الغرب.. الكتاب والمحللون وكثيرون من الساسة يتحدثون عن القضية. المحللون والساسة ينشغلون بمناقشة ما يعنيه هذا بالنسبة إلى الدول الغربية والعالم، وبما ينبغي للدول أن تفعله.
الحديث عن نهاية الغرب ليس جديدا. هو مُثار منذ سنوات طويلة من جانب المفكرين والباحثين، لكن فارقا كبيرا بين ما أثير في إطار هذا الجدل سابقا وبين ما يثار اليوم. في السابق كان الحديث عن نهاية الغرب ينصب على نقد الفكر الغربي، والسياسات التي تتبعها الدول الغربية وممارساتها، وعن أزمات المجتمعات الغربية، التي تشير إلى قرب نهاية الغرب. لكن الحديث اليوم يدور عن النهاية الفعلية للغرب، وتحديدا نهاية التحالف الغربي.
بالطبع الذي جعل الحديث عن نهاية الغرب مطروحا بهذا الإلحاح اليوم هو ما فعله الرئيس الأمريكي ترامب بالحرب المفتوحة التي يشنها على الدول الأوروبية وتوجيهه تهما شنيعة إليها، وخروجه على القانون الدولي في الاعتداء على فنزويلا والتهديد بالسيطرة على جرينلاند.. إلى آخره.
قبل فترة نشرت مجلة «دير شبيجل» الألمانية تحليلا عنوانه «نهاية الغرب» اعتبرت فيه أن مجرد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يعني فشل الديمقراطية الليبرالية التي أثبتت عجزها عن توفير بنية متماسكة لعصر ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقالت المجلة إن «عصرا يقترب من نهايته ليبدأ عصرا جديدا». وأضافت أن «الغرب فقد هيمنته والأساس المشترك للقيم الذي كان يتداعى بالفعل وانهار الآن».
قبل أيام ألقت برونوين مادوكس مديرة تشاتام هاوس، مركز الأبحاث البريطاني المعروف كلمة قالت فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنهى التحالف الغربي، مما يستلزم من المملكة المتحدة تبني سياسة خارجية أكثر جرأة واستقلالية تجاه الولايات المتحدة والصين.
واعتبرت مادوكس ان اندفاع ترامب، وميله إلى العمل العسكري، ورفضه للقانون الدولي، بمثابة ثورة. قالت إن حلفاء الولايات المتحدة «يجب أن يفكروا الآن فيما كان يُعدّ مستحيلاً: الدفاع عن أنفسهم ضد الولايات المتحدة، في كلٍّ من التجارة والأمن.
وقالت إننا شهدنا في الأشهر الأخيرة «رفض مبادئ القانون الدولي التي أسهمت الولايات المتحدة في صياغتها، حتى إن امتنعت في كثير من الأحيان عن تطبيقها على نفسها وفنزويلا هي أحدث مثال على ذلك». كما ان نية ترامب ضم جرينلاند تُعدّ انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وإذا فعل ذلك باستخدام القوة، كما هدد فريقه، فسيكون ذلك بمثابة نهاية حلف الناتو».
إذن الحديث عن نهاية الغرب اليوم يعني الحديث عن أمور كثيرة.
يعني انهيار التحالف بين الدول الأوروبية وأمريكيا، وهي تشكل معا قلب العالم الغربي.
ويعني فشل النظام الليبرالي الغربي وانكشافه وانهيار كل القيم والمبادئ التي زعم الدفاع عنها.
ويعني انهيار النظام العالمي الذي هيمن عليه الغرب منذ نهاية الحرب الباردة.
هو زلزال إذن يهز العالم كله.
وبالطبع السؤال الجوهري المطروح في الغرب اليوم هو: وماذا بعد هذا؟.. ماذا بعد نهاية الغرب وانهيار النظام العالمي؟
بالنسبة إلى الدول الأوروبية الإجابة واضحة لدى الساسة وأيضا لدى المحللين وهي أنه ليس هناك من خيار سوى الاستقلال عن أمريكا ووقف الاعتماد عليها، وبناء القوة الذاتية الأوروبية دفاعيا واقتصاديا. ولو أن الكل يعلم أن هذه مهمة صعبة جدا.
نهاية الغرب بكل ما تعنيه، وانهيار النظام العالمي، وما سوف يشهده العالم، تمثل تحديا تاريخيا رهيبا بالنسبة إلى كل دول العالم، والدول العربية خصوصا. على الدول العربية أن تفكر ماذا ستفعل بالضبط؟
هذا حديث آخر بإذن الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك