العدد : ١٧٤٧٠ - الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٠ - الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

القرار الصعب

بقلم: عبير محمد دهام

الثلاثاء ٢٠ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬جديد،‭ ‬نحمل‭ ‬معنا‭ ‬آمالا‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬أيامنا‭ ‬أهدأ‭ ‬وأكثر‭ ‬توازنا‭. ‬عام‭ ‬2026‭ ‬يذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬التخطيط‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وبأننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬يرافق‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬وخاصة‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالمال‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬حيث‭ ‬تبدأ‭ ‬الضغوط‭ ‬الصغيرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت،‭ ‬لا‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الدخل‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬عن‭ ‬وجهته‭. ‬أين‭ ‬يذهب‭ ‬المال‭ ‬وكيف‭ ‬يتبدد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬يوازي‭ ‬ما‭ ‬يُنفق؟‭ ‬غالباً‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الإجابة‭ ‬واضحة‭ ‬لأن‭ ‬الإنفاق‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬وإنما‭ ‬يتسرب‭ ‬بهدوء‭ ‬عبر‭ ‬جزئيات‭ ‬صغيرة‭ ‬اعتدناها‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭.‬

ومع‭ ‬تراكم‭ ‬هذه‭ ‬الجزئيات،‭ ‬يبدأ‭ ‬أثرها‭ ‬بالظهور‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭. ‬تتسارع‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الوعي‭ ‬على‭ ‬اللحاق‭ ‬بها،‭ ‬فتبدو‭ ‬ممارسات‭ ‬يومية‭ ‬عادية‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬ضغطا‭ ‬صامتا‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بقلة‭ ‬الموارد‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالوعي‭ ‬المصاحب‭ ‬لاستخدامها‭. ‬عادات‭ ‬تتكرر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مراجعة،‭ ‬وقرارات‭ ‬تُتخذ‭ ‬بدافع‭ ‬الراحة‭ ‬أو‭ ‬الاعتياد،‭ ‬وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة،‭ ‬حين‭ ‬يتسلل‭ ‬شعور‭ ‬الضيق‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتضح‭ ‬أسبابه‭.‬

ويمتد‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬المالي‭ ‬ليطال‭ ‬الاستقرار‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الإشكالات‭ ‬الأسرية‭ ‬ترتبط‭ ‬بغياب‭ ‬وضوح‭ ‬مشترك‭ ‬حول‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬اليومية‭. ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬أولويات‭ ‬الإنفاق‭ ‬تتباين‭ ‬التوقعات‭ ‬وتفتح‭ ‬مساحة‭ ‬للخلاف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قصد‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يمنح‭ ‬التنظيم‭ ‬المسبق‭ ‬والمشترك‭ ‬الأسرة‭ ‬شعوراً‭ ‬أكبر‭ ‬بالثبات‭ ‬والطمأنينة‭.‬

وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬متعددة‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬كمهارة‭ ‬حياتية‭ ‬يترك‭ ‬أثرا‭ ‬مباشرا‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الأسر‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬الضغوط‭ ‬اليومية‭. ‬حين‭ ‬يقدم‭ ‬بلغة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية‭ ‬تنخفض‭ ‬القرارات‭ ‬الاندفاعية‭ ‬ويزداد‭ ‬الإحساس‭ ‬بالسيطرة‭. ‬ويتشكل‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬بسيط‭ ‬بأن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬دائماً‭ ‬فيما‭ ‬نملك‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الإنفاق‭ ‬اليومي‭ ‬هو‭ ‬الاختبار‭ ‬الأصدق‭.. ‬مصروف‭ ‬البيت‭ ‬والالتزامات‭ ‬الشهرية‭ ‬واحتياجات‭ ‬الأبناء‭ ‬والقرارات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفكير‭. ‬وعندما‭ ‬تترك‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إدارة‭ ‬واعية‭ ‬تتراكم‭ ‬بهدوء‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬متى‭ ‬بدأ‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تناول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الصراحة‭. ‬فالوعي‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬مثالية‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬البعض‭ ‬فجأة‭ ‬وإنما‭ ‬مهارة‭ ‬تكتسب‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭. ‬نخطئ‭ ‬في‭ ‬اختياراتنا‭ ‬ونتأثر‭ ‬بالعادات‭ ‬ونتعلم‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬النصائح‭. ‬الوعي‭ ‬هنا‭ ‬مسار‭ ‬مراجعة‭ ‬مستمرة‭ ‬للسلوك‭ ‬والقرار‭.‬

وتكشف‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬عن‭ ‬أمثلة‭ ‬واضحة‭ ‬لهذا‭ ‬الخلل‭. ‬أسرة‭ ‬واحدة‭ ‬يعمل‭ ‬أفرادها‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭ ‬ويغادرون‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬ذاته‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يتجهون‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬سيارتين‭ ‬منفصلتين‭. ‬بنزينان‭ ‬وموقفان‭ ‬وزحمتان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رحلة‭ ‬واحدة‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬إدارتها‭ ‬بخيار‭ ‬أهدأ‭. ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬قدرة‭ ‬مالية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬عادة‭ ‬لم‭ ‬تسأل‭ ‬ولم‭ ‬تراجع‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬المتكررة‭ ‬حين‭ ‬تستمر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقف‭ ‬للتأمل‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬إنفاق‭ ‬متزن‭ ‬وإنفاق‭ ‬مرهق‭. ‬التوازن‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬قرارات‭ ‬كبيرة‭ ‬وإنما‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬وعي‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬المناسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬لا‭ ‬يفهم‭ ‬البيت‭ ‬المتوازن‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬بيت‭ ‬اتفاق‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬بيت‭ ‬حرمان‭ ‬ولا‭ ‬بيت‭ ‬حسابات‭ ‬مرهقة‭. ‬هو‭ ‬بيت‭ ‬يعرف‭ ‬متى‭ ‬يشارك‭ ‬ومتى‭ ‬يختصر‭ ‬ومتى‭ ‬يختار‭ ‬الطريق‭ ‬الأذكى‭ ‬بدل‭ ‬الأسهل‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬ثمرة‭ ‬وعي‭ ‬يتشكل‭ ‬مع‭ ‬الممارسة‭ ‬لا‭ ‬بالفرض‭.‬

وهل‭ ‬يكفي‭ ‬الوعي‭ ‬الفردي‭ ‬وحده‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ترسيخه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬داعمة‭ ‬تشاركه‭ ‬الفهم؟‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬والقطاع‭ ‬الأهلي‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬مبادرات‭ ‬تشرح‭ ‬الخيارات‭ ‬اليومية‭ ‬وتعرض‭ ‬نماذج‭ ‬عملية‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭.‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬الوعي‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬ليس‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭.. ‬هو‭ ‬ممارسة‭ ‬يومية‭ ‬تتشكل‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬وحين‭ ‬نفهم‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالمال‭ ‬ونعيده‭ ‬إلى‭ ‬موقعه‭ ‬الطبيعي‭ ‬كوسيلة‭ ‬تخدم‭ ‬الحياة‭.‬

 

{ مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا