العالم اليوم يعيش حالة من التضخم الاقتصادي، حيث فقدت العملة قيمتها الشرائية كما كانت في الماضي نتيجة عوامل اقتصادية متعددة. انعكس هذا الواقع على المستوى المالي للأفراد، وخاصة مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بشكل مستمر، ما يزيد العبء على الأسر. تهدف هذه الافتتاحية إلى توضيح هذا الواقع المالي، وتسليط الضوء على ظاهرة البذخ الاجتماعي غير المبرر، وخاصة بين النساء في دول الخليج، وما يرافق ذلك من تقليد أعمى لكل ما يُعرض على وسائل التواصل الاجتماعي أو بين الصديقات.
في الماضي، كان الاهتمام منصبًا على المرأة بعد الولادة، نسأل عنها أولًا قبل الاهتمام بالمولود، ونتأكد من صحتها وراحتها بعد الولادة، قبل التفكير في مظاهر الاحتفال. أما اليوم، فقد أصبحت بعض النساء مضطرات إلى التحضير ليوم الولادة كما لو كانت مناسبة اجتماعية كبيرة؛ يرتدين أجمل وأغلى ما لديهن من حلي وساعات فاخرة، ويجهزن لحفلة استقبال داخل المستشفى، مع باقات الورود وتوزيعات الطعام والمقبلات، وكأن الغرفة صارت قاعة أفراح. يحدث ذلك أحيانًا بينما تكون الأم متعبة بعد عملية قيصرية وتحتاج إلى الراحة والاهتمام بطفلها، لكن مظاهر البذخ الاجتماعي تجعل هذه الأولوية تختفي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدت الظواهر لتشمل حفلات إعلان نوع المولود، التي أصبحت رمزًا للإنفاق المفرط على الفرح، رغم أن الهدف الحقيقي للمناسبة يجب أن يكون البساطة والاهتمام بصحة الأم والطفل. قد يرى البعض أن هذا النقد يُظهر تخلفًا عن مواكبة الصرعات الاجتماعية، والحقيقة أن الأسر المقتدرة قد تتفهم هذا السلوك، إلا أن الأسر محدودة الدخل تجد في هذه العادات عبئًا ثقيلًا على ميزانيتها، ما يزيد الضغوط المالية والاجتماعية عليها.
من هنا، يصبح الوعي والإدراك أمرًا ضروريًا عند تبني مثل هذه الصيحات في المجتمع الخليجي. ينبغي أن يكون للسوشيال ميديا دور فاعل في نشر الوعي، وليس تعزيز الانحطاط الاجتماعي والتقليد الأعمى لعادات دخيلة على ثقافتنا. الأموال التي تُنفق على مظاهر البذخ يمكن توجيهها لمساعدة الفقراء والمحتاجين، لتحصل المرأة على أجر وثواب عند الله، بدلاً من هدرها على عادات غير ضرورية.
إن العودة إلى عاداتنا التقليدية في التعبير عن الفرح ببساطة، بعيدًا عن التكاليف غير المبررة، هي السبيل الأمثل للحفاظ على المعنى الحقيقي للاحتفال والمناسبة، مع احترام الواقع المالي للأسر، وتعليم المجتمع أن الفرح لا يقاس بالمظاهر أو البذخ، بل بالنية الطيبة والمشاركة الحقيقية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك