كشفت الدكتورة فجر ناصر استشاري طب العائلة والرضاعة الطبيعية الدولية، عضو جمعية أصدقاء الصحة أنه في ظل التطور الصحي المتسارع وتوفر البدائل الغذائية المتعددة، مازال الحليب الصناعي يحتل مساحة واسعة في تغذية الأطفال الرضع، مشيرة الى أن هذا الانتشار المتزايد يثير تساؤلات جادة حول سلامته، لا سيما مع ما نشهده في الوقت الحالي من ممارسات غير آمنة في تخزينه وتحضيره، إلى جانب ما تكشفه الدراسات الحديثة من أضرار آنية ومستقبلية تطول الطفل والأم على حد سواء.
وأوضحت «كشفت تقارير صحية ودراسات مخبرية حديثة عن وجود أنواع متعددة من البكتيريا الضارة داخل بعض منتجات الحليب الصناعي، نتيجة سوء التخزين أو التحضير غير السليم، سواء في المنازل أو حتى في بعض المؤسسات الصحية. وتُعد هذه البكتيريا، مثل السالمونيلا والكرونوباكتر، خطرًا حقيقيًا على الأطفال حديثي الولادة، وخاصة في الأسابيع الأولى من حياتهم، حيث يكون جهازهم المناعي غير مكتمل النمو، مما يعرضهم لمضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى الالتهابات المعوية الحادة أو تسمم الدم.
ولا تقف مخاطر الحليب الصناعي عند حدود التلوث البكتيري فحسب، بل تمتد لتشمل آثارًا صحية بعيدة المدى. فقد أكدت دراسات حديثة أن الاعتماد على الحليب الصناعي قد يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بأمراض الحساسية، والسمنة، واضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف المناعة، إضافة إلى تأثيرات محتملة على النمو العصبي والمعرفي للطفل. وتشير بعض الأبحاث إلى أن هذه الآثار قد لا تتوقف عند جيل واحد، بل تمتد لتؤثر في صحة الأجيال القادمة نتيجة التغيرات البيولوجية المبكرة التي يتعرض لها الطفل».
وأكدت الدكتورة فجر أن جهود مملكة البحرين تحسب في تعزيز منظومة الرقابة الصحية على بدائل الحليب الصناعي، من خلال التشريعات المنظمة، والمتابعة الدورية لعمليات الاستيراد والتخزين، والتأكد من مطابقة المنتجات للمعايير الصحية المعتمدة، بما ينسجم مع التوصيات الدولية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية. ويأتي هذا الحرص تأكيدًا لالتزام المملكة بحماية الصحة العامة للأطفال، وصون سلامة الأجيال الحالية والمستقبلية، وتعزيز بيئة صحية آمنة منذ اللحظات الأولى للحياة.
غير أن المسؤولية لا تقتصر على الجهات الرسمية وحدها، بل تمتد لتشمل دور المجتمع والأفراد، لا سيما المهتمين والداعمين للرضاعة الطبيعية من مختصين صحيين ومؤسسات وأسر. فتعزيز ثقافة الرضاعة الطبيعية الحصرية يتطلب جهودًا توعوية متواصلة تبدأ قبل الولادة، عبر تثقيف الأمهات الحوامل وتمكينهن بالمعلومة الصحيحة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتوفير الدعم النفسي والعملي خلال مرحلة ما بعد الولادة، بما يسهم في رفع معدلات الرضاعة الطبيعية واستمرارها.
وقد أثبتت الأبحاث أن الاعتماد على الرضاعة الصناعية يرتبط بعدد من المخاطر الصحية قصيرة وطويلة المدى.
أولًا: ضعف المناعة وزيادة معدلات العدوى
أوضحت الدراسات أن الأطفال الذين يعتمدون على الحليب الصناعي يكونون أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات، مثل التهابات الجهاز الهضمي، والتهابات الجهاز التنفسي، والتهابات الأذن الوسطى. ويعود ذلك إلى افتقار الحليب الصناعي للأجسام المضادة والخلايا المناعية الحية التي يحتويها حليب الأم، والتي تلعب دورًا أساسيًا في بناء الجهاز المناعي للطفل وحمايته من مسببات الأمراض.
ثانيًا: مخاطر التلوث البكتيري وسوء التحضير
أظهرت أبحاث حديثة أن الحليب الصناعي ليس منتجًا معقمًا بطبيعته، وقد يحتوي على بكتيريا خطيرة مثل Cronobacter sakazakii وSalmonella، خاصة عند سوء التخزين أو التحضير بمياه غير آمنة أو أدوات غير معقمة. وتشكل هذه البكتيريا خطرًا بالغًا على حديثي الولادة، وقد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل التهاب السحايا أو تسمم الدم، لا سيما لدى الأطفال الخدّج أو ضعيفي المناعة.
ثالثًا: اضطرابات الجهاز الهضمي
أثبتت الدراسات أن الرضاعة الصناعية ترتبط بزيادة معدلات الإصابة بالمغص الشديد، والإمساك، والانتفاخ، والارتجاع المعدي المريئي. ويُعزى ذلك إلى صعوبة هضم مكونات الحليب الصناعي مقارنة بحليب الأم، الذي يتميز بتركيبة متغيرة تتكيف مع احتياجات الطفل الهضمية والعمرية.
رابعًا: زيادة خطر الحساسية والأمراض المزمنة
تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود علاقة بين الرضاعة الصناعية وارتفاع احتمالية الإصابة بالحساسية الغذائية، والأكزيما، والربو، خصوصًا عند إدخال الحليب الصناعي في وقت مبكر. كما بينت دراسات طويلة الأمد أن الأطفال الذين لم يحصلوا على الرضاعة الطبيعية الحصرية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم في مراحل لاحقة من حياتهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك