قد يبدو اسم «الفجري» غريبا على كثيرين، وبخاصة لِـمن لم يعايشه، لكنه في حقيقته أحد أعمق الفنون التي حملت وجدان البحرين عبر أجيال. في هذا الفن تختلط الطبول بالنداءات، وتبقى الأصوات الجماعية عالقة في الذاكرة.
في طفولتي كنت أسمع تلك الأهازيج على التلفزيون، أتابع الطبول والأصوات بشيء من الدهشة، دون أن أفهم ما يقولون. كنت أكتفي بالإيقاع وأحيانا أدندن معهم بلا وعي، لكن دائما كنت أتساءل: هؤلاء الرجال، ماذا يغنّون؟ لو كنت أعرف القصة وقتها، وما تحمله من حياة، لكان وقعها بالتأكيد سيكون مختلفا في قلبي.
«الفجري»، أو كما يسميه البعض الفجيري، فن وُلد من قلب البحر. رافق الغواصين في رحلاتهم الطويلة بحثا عن اللؤلؤ، وكان لهم متنفسا بعد يوم شاق في الأعماق. على الشاطئ، بعد رحلات الغوص المرهقة، كانوا يجتمعون ليلا حول النهّام، يرددون الأهازيج بالطبول والتصفيق، يغنون معا ليتخلصوا من تعب البحر وخوفه.
ومع مرور الزمن وتطور وسائل التوثيق، أصبحت التسجيلات القديمة للنهّامين كنزاً لا يُقدّر بثمن. حين نستمع إليها اليوم، لا نسمع نغمات فحسب، إنما نسمع صوت البحر كما عاشه الغواصون يتكلم بلسان أهله.
تلك الأصوات المسجّلة تحفظ أكثر من أداء فني؛ وتحمل في طياتها تعب الرحلات الطويلة، وحناجر أرهقها البحر، وأنفاس الرجال الذين قاوموا الخوف بالصوت لا بالكلمة. ولعل هذا ما يمنح تلك التسجيلات القديمة قدرتها على لمس القلب، فهي لم تخرج من استوديو أو مسرح مُعدّ، لكنها وُلدت من قلب الحياة ذاتها.
تخرج الأهازيج محملة بالحنين والدعاء بالرزق والشوق للأهل. تختلط الأصوات حتى لا تعرف من يغني، كأنهم نَفَس واحد يصعد من البحر.
سرّ هذا اللون الغنائي الفريد، أنه يجمع الأصوات المتفرقة في نغمة واحدة، فتغدو الوحدة قوة، والبحر أهون في حضرة الجماعة.
لم يعرفوا الغناء تسلية، بل عرفوه سندا في لحظة الوجل وصبرا في وحشة البحر. واليوم، ونحن نعيش زمنا يجرّ الناس إلى العزلة، تبقى قيمة المشاركة حاضرة كرسالة إنسانية لا غنى عنها.
بسبب أهميته الكبيرة، أدرجت اليونسكو «الفجري» ضمن التراث العالمي غير المادي عام 2021. هذا الاعتراف لم يكن تكريما فقط، بل تأكيدا لجهود البحرين في حفظ تراثها. واليوم، تستمر الفعاليات والمبادرات الثقافية في إحياء هذا الفن وتقريبه من الأجيال الجديدة.
لا يزال هذا الإرث البحري حيا في بعض الفرجان، وتقدمه دار المحرق بشكل منتظم حرصا على بقائه.
قبل عام وفي إحدى أمسيات الأداء هناك، التقيت أحد النهّامين بعد انتهائه، فابتسم وقال لي: ‘هذا الغناء مصدر سعادة لي، لأنه يربطني بأجدادي الذين ورّثوني هذا الصوت. كانت كلماته بعفوية صادقة، شعرت وقتها أنها تختصر معنى التراث كله؛ صوت يمر من جيل إلى جيل، يحمل تعب البحر ودفء الناس.
ومن الفرق التي تواصل حمل هذا الفن بصدق ووفاء، تبرز فرقة قلالي للفنون الشعبية وفرقة دار بن حربان الشعبية كنموذجين حيين لاستمرارية «الفجري» في الميدان. وتزداد قيمة هذه العروض حين تُقدَّم في المهرجانات الوطنية والفعاليات الثقافية، حيث يشعر الناس أن هذا الفن لم يغادرهم، فهو يظل قريبًا من وجدانهم، نابضًا في ذاكرتهم، ومتماسكًا في حضوره.
ما يميّز هذا الفن أنه لا ينتمي إلى زمن محدد. فحين يُسمع في بيت أو مقهى أو فعالية بسيطة، يعيد إلى الناس إحساسهم بالجماعة، ويُشعرهم بأن الأصوات حين تتحد تُخفف التعب وتزرع الطمأنينة. هو فنّ لا يعيش في إطار المناسبات، إنما في القلوب التي تسمعه كنداء قديم للحياة.
أحيانا أتخيل نفسي جالسة في مسرح كبير، والفرقة تؤدي هذا الأداء أمام جمهور متنوع الجنسيات، وفي يدي ورقة بكلمات الإنشاد مترجمة بلغة بسيطة، أقرأها وأرددها مع النهّام. لحظة كهذه لا تعيدني فقط إلى البحر وأهله، لكنها تمنحني شعورًا بالهوية، إنني جزء من صوت جماعي يتجاوز الزمان والمكان.
ربما لا نملك أن نعيش البحر كما عاشه الأجداد، لكن يمكننا أن نحفظ صوته في وعينا، ونمنحه مكانه بيننا. فكل إيقاع من تلك الأهازيج هو حكاية عن صبر الناس، وعن وطن لا يزال البحر يجري في دمه.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك