العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أهازيج البحر وصوت الجماعة .. «الفجِري» هوية لا تغيب

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

قد‭ ‬يبدو‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الفجري‮»‬‭ ‬غريبا‭ ‬على‭ ‬كثيرين،‭ ‬وبخاصة‭ ‬لِـمن‭ ‬لم‭ ‬يعايشه،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬أحد‭ ‬أعمق‭ ‬الفنون‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬وجدان‭ ‬البحرين‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬تختلط‭ ‬الطبول‭ ‬بالنداءات،‭ ‬وتبقى‭ ‬الأصوات‭ ‬الجماعية‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭.‬

في‭ ‬طفولتي‭ ‬كنت‭ ‬أسمع‭ ‬تلك‭ ‬الأهازيج‭ ‬على‭ ‬التلفزيون،‭ ‬أتابع‭ ‬الطبول‭ ‬والأصوات‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الدهشة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أفهم‭ ‬ما‭ ‬يقولون‭. ‬كنت‭ ‬أكتفي‭ ‬بالإيقاع‭ ‬وأحيانا‭ ‬أدندن‭ ‬معهم‭ ‬بلا‭ ‬وعي،‭ ‬لكن‭ ‬دائما‭ ‬كنت‭ ‬أتساءل‭: ‬هؤلاء‭ ‬الرجال،‭ ‬ماذا‭ ‬يغنّون؟‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬القصة‭ ‬وقتها،‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬حياة،‭ ‬لكان‭ ‬وقعها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬سيكون‭ ‬مختلفا‭ ‬في‭ ‬قلبي‭.‬

‮«‬الفجري‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يسميه‭ ‬البعض‭ ‬الفجيري،‭ ‬فن‭ ‬وُلد‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬البحر‭. ‬رافق‭ ‬الغواصين‭ ‬في‭ ‬رحلاتهم‭ ‬الطويلة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬وكان‭ ‬لهم‭ ‬متنفسا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬شاق‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭. ‬على‭ ‬الشاطئ،‭ ‬بعد‭ ‬رحلات‭ ‬الغوص‭ ‬المرهقة،‭ ‬كانوا‭ ‬يجتمعون‭ ‬ليلا‭ ‬حول‭ ‬النهّام،‭ ‬يرددون‭ ‬الأهازيج‭ ‬بالطبول‭ ‬والتصفيق،‭ ‬يغنون‭ ‬معا‭ ‬ليتخلصوا‭ ‬من‭ ‬تعب‭ ‬البحر‭ ‬وخوفه‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬وتطور‭ ‬وسائل‭ ‬التوثيق،‭ ‬أصبحت‭ ‬التسجيلات‭ ‬القديمة‭ ‬للنهّامين‭ ‬كنزاً‭ ‬لا‭ ‬يُقدّر‭ ‬بثمن‭. ‬حين‭ ‬نستمع‭ ‬إليها‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬نسمع‭ ‬نغمات‭ ‬فحسب،‭ ‬إنما‭ ‬نسمع‭ ‬صوت‭ ‬البحر‭ ‬كما‭ ‬عاشه‭ ‬الغواصون‭ ‬يتكلم‭ ‬بلسان‭ ‬أهله‭.‬

تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬المسجّلة‭ ‬تحفظ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬فني؛‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬تعب‭ ‬الرحلات‭ ‬الطويلة،‭ ‬وحناجر‭ ‬أرهقها‭ ‬البحر،‭ ‬وأنفاس‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬قاوموا‭ ‬الخوف‭ ‬بالصوت‭ ‬لا‭ ‬بالكلمة‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬تلك‭ ‬التسجيلات‭ ‬القديمة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬لمس‭ ‬القلب،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬استوديو‭ ‬أو‭ ‬مسرح‭ ‬مُعدّ،‭ ‬لكنها‭ ‬وُلدت‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الحياة‭ ‬ذاتها‭.‬

تخرج‭ ‬الأهازيج‭ ‬محملة‭ ‬بالحنين‭ ‬والدعاء‭ ‬بالرزق‭ ‬والشوق‭ ‬للأهل‭. ‬تختلط‭ ‬الأصوات‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬يغني،‭ ‬كأنهم‭ ‬نَفَس‭ ‬واحد‭ ‬يصعد‭ ‬من‭ ‬البحر‭.‬

سرّ‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬الغنائي‭ ‬الفريد،‭ ‬أنه‭ ‬يجمع‭ ‬الأصوات‭ ‬المتفرقة‭ ‬في‭ ‬نغمة‭ ‬واحدة،‭ ‬فتغدو‭ ‬الوحدة‭ ‬قوة،‭ ‬والبحر‭ ‬أهون‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الجماعة‭.‬

لم‭ ‬يعرفوا‭ ‬الغناء‭ ‬تسلية،‭ ‬بل‭ ‬عرفوه‭ ‬سندا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الوجل‭ ‬وصبرا‭ ‬في‭ ‬وحشة‭ ‬البحر‭. ‬واليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬نعيش‭ ‬زمنا‭ ‬يجرّ‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬العزلة،‭ ‬تبقى‭ ‬قيمة‭ ‬المشاركة‭ ‬حاضرة‭ ‬كرسالة‭ ‬إنسانية‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭.‬

بسبب‭ ‬أهميته‭ ‬الكبيرة،‭ ‬أدرجت‭ ‬اليونسكو‭ ‬‮«‬الفجري‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬غير‭ ‬المادي‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تكريما‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تأكيدا‭ ‬لجهود‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬تراثها‭. ‬واليوم،‭ ‬تستمر‭ ‬الفعاليات‭ ‬والمبادرات‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬وتقريبه‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭.‬

لا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬البحري‭ ‬حيا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفرجان،‭ ‬وتقدمه‭ ‬دار‭ ‬المحرق‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬حرصا‭ ‬على‭ ‬بقائه‭.‬

قبل‭ ‬عام‭ ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬أمسيات‭ ‬الأداء‭ ‬هناك،‭ ‬التقيت‭ ‬أحد‭ ‬النهّامين‭ ‬بعد‭ ‬انتهائه،‭ ‬فابتسم‭ ‬وقال‭ ‬لي‭: ‬‘هذا‭ ‬الغناء‭ ‬مصدر‭ ‬سعادة‭ ‬لي،‭ ‬لأنه‭ ‬يربطني‭ ‬بأجدادي‭ ‬الذين‭ ‬ورّثوني‭ ‬هذا‭ ‬الصوت‭. ‬كانت‭ ‬كلماته‭ ‬بعفوية‭ ‬صادقة،‭ ‬شعرت‭ ‬وقتها‭ ‬أنها‭ ‬تختصر‭ ‬معنى‭ ‬التراث‭ ‬كله؛‭ ‬صوت‭ ‬يمر‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل،‭ ‬يحمل‭ ‬تعب‭ ‬البحر‭ ‬ودفء‭ ‬الناس‭.‬

ومن‭ ‬الفرق‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬حمل‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬بصدق‭ ‬ووفاء،‭ ‬تبرز‭ ‬فرقة‭ ‬قلالي‭ ‬للفنون‭ ‬الشعبية‭ ‬وفرقة‭ ‬دار‭ ‬بن‭ ‬حربان‭ ‬الشعبية‭ ‬كنموذجين‭ ‬حيين‭ ‬لاستمرارية‭ ‬‮«‬الفجري‮»‬‭ ‬في‭ ‬الميدان‭. ‬وتزداد‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬حين‭ ‬تُقدَّم‭ ‬في‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والفعاليات‭ ‬الثقافية،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬لم‭ ‬يغادرهم،‭ ‬فهو‭ ‬يظل‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬وجدانهم،‭ ‬نابضًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬ومتماسكًا‭ ‬في‭ ‬حضوره‭.‬

ما‭ ‬يميّز‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬محدد‭. ‬فحين‭ ‬يُسمع‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أو‭ ‬مقهى‭ ‬أو‭ ‬فعالية‭ ‬بسيطة،‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬إحساسهم‭ ‬بالجماعة،‭ ‬ويُشعرهم‭ ‬بأن‭ ‬الأصوات‭ ‬حين‭ ‬تتحد‭ ‬تُخفف‭ ‬التعب‭ ‬وتزرع‭ ‬الطمأنينة‭. ‬هو‭ ‬فنّ‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬المناسبات،‭ ‬إنما‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬تسمعه‭ ‬كنداء‭ ‬قديم‭ ‬للحياة‭.‬

أحيانا‭ ‬أتخيل‭ ‬نفسي‭ ‬جالسة‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬كبير،‭ ‬والفرقة‭ ‬تؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬متنوع‭ ‬الجنسيات،‭ ‬وفي‭ ‬يدي‭ ‬ورقة‭ ‬بكلمات‭ ‬الإنشاد‭ ‬مترجمة‭ ‬بلغة‭ ‬بسيطة،‭ ‬أقرأها‭ ‬وأرددها‭ ‬مع‭ ‬النهّام‭. ‬لحظة‭ ‬كهذه‭ ‬لا‭ ‬تعيدني‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬وأهله،‭ ‬لكنها‭ ‬تمنحني‭ ‬شعورًا‭ ‬بالهوية،‭ ‬إنني‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬صوت‭ ‬جماعي‭ ‬يتجاوز‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭.‬

ربما‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬البحر‭ ‬كما‭ ‬عاشه‭ ‬الأجداد،‭ ‬لكن‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نحفظ‭ ‬صوته‭ ‬في‭ ‬وعينا،‭ ‬ونمنحه‭ ‬مكانه‭ ‬بيننا‭. ‬فكل‭ ‬إيقاع‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأهازيج‭ ‬هو‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬صبر‭ ‬الناس،‭ ‬وعن‭ ‬وطن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬البحر‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬دمه‭.‬

rajabnabeela@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا