العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٢ - الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

منطق القوة أم الإدارة المؤسسية.. قراءة في عقلية وأسلوب دونالد ترامب

بقلم: د. زكريا خنجي

الثلاثاء ١٣ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬عقلية‭ ‬وأسلوب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ (‬دونالد‭ ‬ترامب‭) ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬أن‭ ‬إنجازاته‭ ‬التي‭ ‬يدعي‭ ‬أنه‭ ‬أنجزها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نتاج‭ ‬إدارة‭ ‬مؤسسية‭ ‬منظمة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لنهج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة‭. ‬ففي‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬–مثلاً–‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬المباشر‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافه،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التجارية‭ ‬وفرض‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬الصين‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬نفوذ‭ ‬قوي‭ ‬على‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬لدفع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬مساهماتها‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الرئاسية‭ ‬السابقة‭. ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬آليات‭ ‬إدارية‭ ‬دبلوماسية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مواقف‭ ‬حادة‭ ‬وسريعة‭ ‬تعكس‭ ‬عقلية‭ ‬المغامر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الإداري‭ ‬المؤسسي‭.‬

اقتصاديًا،‭ ‬جاءت‭ ‬إصلاحاته‭ ‬الضريبية‭ ‬الكبرى‭ ‬وخفض‭ ‬الضرائب‭ ‬بقرارات‭ ‬جريئة،‭ ‬أحيانًا‭ ‬دون‭ ‬توافق‭ ‬واسع،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬ثقافة‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أظهرت‭ ‬إدارة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬غيابًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للتخطيط‭ ‬المؤسسي،‭ ‬حيث‭ ‬اتسمت‭ ‬الاستجابة‭ ‬بالتأخر‭ ‬والتناقض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬كارثية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الصحي‭. ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬خطابه‭ ‬الشعبوي‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الانقسام‭ ‬الداخلي،‭ ‬وبلغت‭ ‬الأزمة‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬اقتحام‭ ‬الكونغرس‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬سياساته‭ ‬الحمائية‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفع‭ ‬الدين‭ ‬القومي‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أثار‭ ‬انسحابه‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬باريس‭ ‬للمناخ‭ ‬انتقادات‭ ‬دولية،‭ ‬وتوترت‭ ‬علاقات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مع‭ ‬حلفاء‭ ‬تقليديين‭ ‬بسبب‭ ‬سياساته‭ ‬التجارية‭. ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يعتمد‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬الكاريزما‭ ‬والقرارات‭ ‬الفردية‭ ‬السريعة‭ ‬لتحقيق‭ ‬إنجازات،‭ ‬لكنه‭ ‬افتقر‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الإدارية‭ ‬المنهجية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬استدامة‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬إرثه‭ ‬السياسي‭ ‬مثيرًا‭ ‬للجدل‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬رمزًا‭ ‬للقوة‭ ‬ومن‭ ‬يعتبره‭ ‬نموذجًا‭ ‬لغياب‭ ‬الإدارة‭ ‬الرشيدة‭.‬

وحتى‭ ‬نكون‭ ‬موضوعيين‭ ‬نقول‭ ‬إنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬النجاحات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أسلوب‭ ‬ترامب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قائمًا‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬المؤسسي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬المستدام،‭ ‬بل‭ ‬كما‭ ‬وجدنا‭ ‬أنه‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬الفردية‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬ثقافة‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة،‭ ‬وتفكير‭ ‬رعاة‭ ‬البقر‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭.‬

 

ترامب‭ ‬وعقلية‭ ‬

المستوطنين‭ ‬الأوائل‭ ‬

عند‭ ‬تحليل‭ ‬شخصية‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي،‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظة‭ ‬تشابه‭ ‬رمزي‭ ‬بين‭ ‬نهجه‭ ‬السياسي‭ ‬وعقلية‭ ‬المستوطنين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬توسعوا‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭. ‬فالمستوطنون‭ ‬تبنوا‭ ‬منطقًا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والحق‭ ‬المطلق،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬لهم‭ (‬حقًا‭ ‬إلهيًا‭) ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬برر‭ ‬أفعالهم‭ ‬التوسعية‭. ‬والرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يستخدم‭ ‬العنف‭ ‬المباشر،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أظهر‭ ‬نزعة‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬القومي‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬مصالح‭ ‬أمريكا‭ ‬فوق‭ ‬أي‭ ‬اعتبار،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬شعاره‭ (‬أمريكا‭ ‬أولاً‭). ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يعكس‭ ‬فكرة‭ ‬التفوق‭ ‬والهيمنة،‭ ‬حيث‭ ‬تُستخدم‭ ‬القوة‭ ‬الرمزية‭ ‬والسياسية‭ ‬لفرض‭ ‬الإرادة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر،‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬سياساته‭ ‬تجاه‭ ‬المهاجرين‭ ‬وبعض‭ ‬الأقليات‭. ‬فهو‭ ‬مثل‭ ‬المستوطنين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يترددوا‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬الأعراف‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافهم،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬ترامب‭ ‬اتسمت‭ ‬بالجرأة‭ ‬والمخاطرة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬سردية‭ ‬ثقافية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬والحق‭ ‬المطلق‭ ‬أساسًا‭ ‬للقيادة‭ ‬والنجاح‭. ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتجلى‭ ‬أنماط‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬الحديث،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬السياقات‭ ‬الزمنية‭.‬

 

ترامب‭ ‬وعقلية‭ ‬رعاة‭ ‬البقر‭ ‬

يمثل‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬شخصيته‭ ‬السياسية‭ ‬صورة‭ ‬حديثة‭ ‬لرعاة‭ ‬البقر‭ ‬التقليديين‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬مترسخة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬كرمز‭ ‬للفردية‭ ‬المطلقة‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬مثل‭ ‬رعاة‭ ‬البقر‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يتصرفون‭ ‬بحرية‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬القيود،‭ ‬أظهر‭ ‬ترامب‭ ‬نزعة‭ ‬قوية‭ ‬لتجاوز‭ ‬الأعراف‭ ‬السياسية‭ ‬والمؤسسية،‭ ‬مفضلًا‭ ‬قراراته‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬التوافق‭ ‬المؤسسي‭. ‬واعتمد‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬مباشر‭ ‬وصدامي،‭ ‬مستخدمًا‭ ‬لغة‭ ‬بسيطة‭ ‬وشعارات‭ ‬قوية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬روح‭ ‬التحدي‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬برعاة‭ ‬البقر‭. ‬كذلك،‭ ‬اتسمت‭ ‬سياساته‭ ‬بالجرأة‭ ‬والمخاطرة،‭ ‬مثل‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬دولية‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬عقلية‭ ‬المغامر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخشى‭ ‬العواقب‭. ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬صدفة،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬استثمار‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬سردية‭ ‬ثقافية‭ ‬عميقة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالحرية‭ ‬والقوة‭ ‬الفردية،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬جمهور‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬تجسيدًا‭ ‬للهوية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الأصيلة‭.‬

فرعاة‭ ‬البقر‭ ‬والمستوطنون‭ ‬الأوائل‭ ‬كانوا‭ ‬يتميزون‭ ‬ببعض‭ ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬العقول؛‭ ‬مثل‭: ‬النزعة‭ ‬التوسعية‭ ‬والسيطرة،‭ ‬فكرة‭ ‬التفوق‭ ‬والحق‭ ‬المطلق،‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف،‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬هذا‭ ‬التشابه‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬الرموز‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العقلية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬يُحتفى‭ ‬بالنموذج‭ ‬القوي‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬إرادته‭ ‬وقوته،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخر‭. ‬ترامب‭ ‬استثمر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرمزية،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬جمهور‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬امتدادًا‭ ‬للتاريخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة‭.‬

 

تحليل‭ ‬العقلية‭ ‬والسلوكيات‭ ‬الإدارية‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬العقلية‭ ‬والسلوكيات‭ ‬الإدارية‭ ‬للشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬البارزة‭ ‬أمر‭ ‬أساسي‭ ‬لتحليل‭ ‬القرارات‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ويمثل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ (‬دونالد‭ ‬ترامب‭) ‬نموذجًا‭ ‬مثيرًا‭ ‬للاهتمام‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬السياسي‭ ‬نظرًا‭ ‬لأسلوبه‭ ‬الفريد‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬والتواصل‭. ‬لنحاول‭ ‬أن‭ ‬نقوم‭ ‬بتحليل‭ ‬موضوعي‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬النظريات‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لفهم‭ ‬سماته‭ ‬الشخصية‭ ‬وسلوكياته‭ ‬السياسية،‭ ‬مع‭ ‬الاستعانة‭ ‬بأمثلة‭ ‬واقتباسات‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬أكاديمية‭.‬

 

أولاً‭: ‬السمات‭ ‬الشخصية‭ ‬والنفسية؛‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭:‬

{‭ ‬النرجسية‭ ‬وحب‭ ‬الظهور،‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يتمتع‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬النرجسية،‭ ‬حيث‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬ذاته‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬الإعجاب‭ ‬المستمر‭. ‬في‭ ‬كتاب‭ (‬The‭ ‬Dangerous‭ ‬Case‭ ‬of‭ ‬Donald‭ ‬Trump‭)‬،‭ ‬يصف‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬ترامب‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يعرض‭ ‬سمات‭ ‬نرجسية‭ ‬مرضية،‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬الحاجة‭ ‬المستمرة‭ ‬إلى‭ ‬الإطراء‭ ‬وتضخيم‭ ‬الإنجازات‮»‬،‭ ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬خطاباته‭ ‬التي‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تبدأ‭ ‬بعبارات‭ ‬مثل‭: ‬‮«‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬أحد‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬أنا‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬مركزية‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬تفكيره‭.‬

{‭ ‬الميل‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬السريعة،‭ ‬وفقًا‭ ‬لتحليل‭ ‬نشر‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ (‬Political‭ ‬Psychology‭)‬،‭ ‬يميل‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الحدس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬المؤسسي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬قراراته‭ ‬المفاجئة‭ ‬مثل‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬باريس‭ ‬للمناخ،‭ ‬وبعض‭ ‬القرارات‭ ‬الأخيرة‭. ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يعكس‭ ‬شخصية‭ ‬ذات‭ ‬ثقة‭ ‬عالية‭ ‬بالنفس،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطرة‭.‬

{‭ ‬آليات‭ ‬الدفاع‭ ‬النفسي،‭ ‬يستخدم‭ ‬ترامب‭ ‬الإنكار‭ ‬لتجنب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأخطاء،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬رفضه‭ ‬المستمر‭ ‬لنتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬والإسقاط‭ ‬لتحميل‭ ‬الآخرين‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬مثل‭ ‬اتهام‭ ‬الإعلام‭ ‬بالأخبار‭ ‬الكاذبة،‭ ‬هذه‭ ‬الآليات‭ ‬الدفاعية‭ ‬تبرز‭ ‬في‭ ‬مواقفه‭ ‬العلنية‭ ‬وتصريحاته‭.‬

 

ثانيًا‭: ‬أسلوب‭ ‬الإدارة‭ ‬والتواصل؛‭ ‬ويتضمن‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

{‭ ‬الخطاب‭ ‬الشعبوي،‭ ‬اعتمد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬شعارات‭ ‬قوية‭ ‬مثل‭ (‬Make‭ ‬America‭ ‬Great‭ ‬Again‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬شحنة‭ ‬عاطفية‭ ‬قوية‭. ‬وفقًا‭ ‬لتحليل‭ ‬مركز‭ (‬Brookings‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الشعارات‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬هوية‭ ‬جماعية‭ ‬لدى‭ ‬مؤيديه،‭ ‬مما‭ ‬عزز‭ ‬الانتماء‭ ‬السياسي‭.‬

{‭ ‬التأثير‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬استخدامه‭ ‬المكثف‭ ‬لتويتر‭ ‬وبعض‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الحديثة‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭. ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬أجرتها‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد،‭ ‬وُصف‭ ‬أسلوبه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬تواصل‭ ‬مباشر‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التقليدية،‭ ‬مما‭ ‬يمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬بسرعة‮»‬‭.‬

{‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬الشخصي،‭ ‬أظهرت‭ ‬تقارير‭ ‬من‭ (‬The‭ ‬Washington‭ ‬Post‭) ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬كان‭ ‬يفضل‭ ‬تعيين‭ ‬المسؤولين‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬الشخصي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬إدارته‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬متكررة‭ ‬في‭ ‬المناصب‭ ‬العليا‭.‬

ثالثًا‭: ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية؛‭ ‬وتشمل‭:‬

{‭ ‬استغلال‭ ‬الانقسامات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬الملاحظ‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ (‬الشعب‭ ‬الحقيقي‭) ‬و‭(‬النخب‭) ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته‭ ‬الأولى،‭ ‬مما‭ ‬عزز‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬وفقًا‭ ‬لتحليل‭ ‬في‭ (‬RAND‭ ‬Corporation‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الشعبوي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الأمريكي‭.‬

{‭ ‬القومية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الوظائف‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإعادة‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬التجارية،‭ ‬مثل‭ ‬اتفاقية‭ ‬نافتا‭ ‬وغيرها،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬توجهًا‭ ‬قوميًا‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬كان‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجيته‭ ‬لتعزيز‭ ‬شعبيته‭ ‬بين‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭.‬

 

ترامب‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ميكافيلي

وعند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عدسة‭ ‬ميكافيلي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الأمير،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬ممارساته‭ ‬السياسية‭ ‬تجسد‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬المفكر‭ ‬الإيطالي‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬قرون‭. ‬ميكافيلي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الأسمى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬استخدام‭ ‬الخداع‭ ‬أو‭ ‬القوة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬ترامب‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬رئاسته،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تمسكه‭ ‬بالسلطة‭ ‬ورفضه‭ ‬الاعتراف‭ ‬بنتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬عام‭ ‬2020‭. ‬كذلك،‭ ‬اعتمد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬شعبوي‭ ‬قوي،‭ ‬مستغلًا‭ ‬الانقسامات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لتعزيز‭ ‬قاعدة‭ ‬جماهيرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬نصيحة‭ ‬ميكافيلي‭ ‬بضرورة‭ ‬كسب‭ ‬رضا‭ ‬الشعب‭ ‬لضمان‭ ‬الاستقرار‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ركز‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬صورة‭ ‬الإداري‭ ‬القوي‭ ‬عبر‭ ‬الإعلام‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مستخدمًا‭ ‬لغة‭ ‬بسيطة‭ ‬وشعارات‭ ‬مؤثرة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬تطبيقًا‭ ‬عمليًا‭ ‬لفكرة‭ ‬ميكافيلي‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬المظهر‭ ‬القوي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الواقع‭ ‬مطابقًا‭. ‬وأخيرًا،‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬نهج‭ ‬ترامب‭ ‬فصل‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الأخلاق‭ ‬والسياسة،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تخدم‭ ‬أهدافه،‭ ‬وهو‭ ‬جوهر‭ ‬الفكر‭ ‬الميكافيلي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية‭.‬

 

وختامًا،‭ ‬يُظهر‭ ‬تحليل‭ ‬شخصية‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬نفسي‭ ‬وسياسي‭ ‬أن‭ ‬السمات‭ ‬النرجسية‭ ‬وحب‭ ‬السيطرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أسلوبه‭ ‬الشعبوي‭ ‬في‭ ‬التواصل،‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬قراراته‭ ‬وخطابه‭ ‬السياسي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭. ‬هذه‭ ‬السمات‭ ‬النفسية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬خصائص‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬سياسية‭ ‬فعّالة،‭ ‬سمحت‭ ‬له‭ ‬ببناء‭ ‬قاعدة‭ ‬جماهيرية‭ ‬قوية‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإيجابية‭ ‬أو‭ ‬السلبية‭. ‬

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا