يكشف تحليل عقلية وأسلوب الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في الإدارة أن إنجازاته التي يدعي أنه أنجزها لم تكن نتاج إدارة مؤسسية منظمة، بقدر ما كانت انعكاسًا لنهج يقوم على فرض منطق القوة والهيمنة. ففي السياسة الخارجية –مثلاً– نجد أن ترامب اعتمد على الضغط المباشر لتحقيق أهدافه، كما ظهر في إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية وفرض الرسوم الجمركية على الصين وبعض الدول الأخرى، إضافة إلى ممارسة نفوذ قوي على حلف الناتو لدفع الدول الأعضاء إلى زيادة مساهماتها كما حدث في الفترة الرئاسية السابقة. هذه القرارات لم تأتِ من خلال آليات إدارية دبلوماسية طويلة الأمد، بل من خلال مواقف حادة وسريعة تعكس عقلية المغامر أكثر من الإداري المؤسسي.
اقتصاديًا، جاءت إصلاحاته الضريبية الكبرى وخفض الضرائب بقرارات جريئة، أحيانًا دون توافق واسع، مما يعكس ثقافة القوة في صنع القرار. في المقابل، أظهرت إدارة جائحة كورونا غيابًا واضحًا للتخطيط المؤسسي، حيث اتسمت الاستجابة بالتأخر والتناقض، وهو ما أدى إلى نتائج كارثية على المستوى الصحي. كما ساهم خطابه الشعبوي في تعميق الانقسام الداخلي، وبلغت الأزمة ذروتها في أحداث اقتحام الكونغرس عام 2021. لم تنجح سياساته الحمائية في تقليص العجز التجاري بشكل ملموس، بينما ارتفع الدين القومي إلى مستويات قياسية. إضافة إلى ذلك، أثار انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ انتقادات دولية، وتوترت علاقات الولايات المتحدة مع حلفاء تقليديين بسبب سياساته التجارية. هذا التباين يوضح أن ترامب يعتمد عادة على الكاريزما والقرارات الفردية السريعة لتحقيق إنجازات، لكنه افتقر إلى البنية الإدارية المنهجية التي تضمن استدامة هذه النجاحات، مما جعل إرثه السياسي مثيرًا للجدل بين من يراه رمزًا للقوة ومن يعتبره نموذجًا لغياب الإدارة الرشيدة.
وحتى نكون موضوعيين نقول إنه على الرغم من بعض النجاحات، إلا أن أسلوب ترامب لم يكن قائمًا على التخطيط المؤسسي طويل الأمد المستدام، بل كما وجدنا أنه قائم على القرارات الفردية السريعة التي تعكس ثقافة القوة والهيمنة، وتفكير رعاة البقر وما إلى ذلك.
ترامب وعقلية
المستوطنين الأوائل
عند تحليل شخصية دونالد ترامب في ضوء التاريخ الأمريكي، يمكن ملاحظة تشابه رمزي بين نهجه السياسي وعقلية المستوطنين الأوروبيين الأوائل الذين توسعوا في الأراضي الأمريكية على حساب السكان الأصليين. فالمستوطنون تبنوا منطقًا يقوم على القوة والحق المطلق، معتبرين أن لهم (حقًا إلهيًا) في الأرض، وهو ما برر أفعالهم التوسعية. والرئيس الأمريكي ترامب، وإن لم يستخدم العنف المباشر، إلا أنه أظهر نزعة مشابهة في خطابه القومي الذي يضع مصالح أمريكا فوق أي اعتبار، كما في شعاره (أمريكا أولاً). هذا النهج يعكس فكرة التفوق والهيمنة، حيث تُستخدم القوة الرمزية والسياسية لفرض الإرادة، حتى لو أدى ذلك إلى إقصاء الآخر، كما ظهر في سياساته تجاه المهاجرين وبعض الأقليات. فهو مثل المستوطنين الذين لم يترددوا في تجاوز الأعراف لتحقيق أهدافهم، وهذا يعني أن سياسات ترامب اتسمت بالجرأة والمخاطرة، مما يعكس استمرار سردية ثقافية ترى في القوة والحق المطلق أساسًا للقيادة والنجاح. هذا التشابه يوضح كيف يمكن أن تتجلى أنماط تاريخية في السلوك السياسي الحديث، على الرغم من اختلاف السياقات الزمنية.
ترامب وعقلية رعاة البقر
يمثل دونالد ترامب في كثير من جوانب شخصيته السياسية صورة حديثة لرعاة البقر التقليديين في الثقافة الأمريكية، وهي صورة مترسخة في الوعي الجمعي كرمز للفردية المطلقة والجرأة في مواجهة التحديات. مثل رعاة البقر الذين كانوا يتصرفون بحرية بعيدًا عن القيود، أظهر ترامب نزعة قوية لتجاوز الأعراف السياسية والمؤسسية، مفضلًا قراراته الشخصية على التوافق المؤسسي. واعتمد على خطاب مباشر وصدامي، مستخدمًا لغة بسيطة وشعارات قوية، وهو ما يعكس روح التحدي التي ارتبطت تاريخيًا برعاة البقر. كذلك، اتسمت سياساته بالجرأة والمخاطرة، مثل الانسحاب من اتفاقيات دولية وإعادة تشكيل العلاقات التجارية، مما يعكس عقلية المغامر الذي لا يخشى العواقب. هذا التشابه ليس مجرد صدفة، بل يعكس استثمار ترامب في سردية ثقافية عميقة ترتبط بالحرية والقوة الفردية، مما جعله قريبًا من جمهور يرى في هذه العقلية تجسيدًا للهوية الأمريكية الأصيلة.
فرعاة البقر والمستوطنون الأوائل كانوا يتميزون ببعض السمات التي ما زالت راسخة في العقول؛ مثل: النزعة التوسعية والسيطرة، فكرة التفوق والحق المطلق، استخدام القوة لتحقيق الأهداف، إقصاء الآخر، وما إلى ذلك، هذا التشابه يعكس استمرار بعض الرموز الثقافية في العقلية الأمريكية، حيث يُحتفى بالنموذج القوي الذي يفرض إرادته وقوته، حتى لو كان ذلك على حساب الآخر. ترامب استثمر في هذه الرمزية، مما جعله قريبًا من جمهور يرى في هذه العقلية امتدادًا للتاريخ الأمريكي القائم على القوة والهيمنة.
تحليل العقلية والسلوكيات الإدارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب
ومن ناحية أخرى فإن فهم العقلية والسلوكيات الإدارية للشخصيات السياسية البارزة أمر أساسي لتحليل القرارات والسياسات التي تؤثر في العالم. ويمثل الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) نموذجًا مثيرًا للاهتمام في علم النفس السياسي نظرًا لأسلوبه الفريد في الإدارة والتواصل. لنحاول أن نقوم بتحليل موضوعي يستند إلى بعض النظريات النفسية والاجتماعية لفهم سماته الشخصية وسلوكياته السياسية، مع الاستعانة بأمثلة واقتباسات من دراسات أكاديمية.
أولاً: السمات الشخصية والنفسية؛ ويمكن أن تشمل:
{ النرجسية وحب الظهور، تشير الدراسات إلى أن ترامب يتمتع بدرجة عالية من النرجسية، حيث يركز على ذاته ويبحث عن الإعجاب المستمر. في كتاب (The Dangerous Case of Donald Trump)، يصف علماء النفس ترامب بأنه «يعرض سمات نرجسية مرضية، تتجلى في الحاجة المستمرة إلى الإطراء وتضخيم الإنجازات»، ويظهر ذلك في خطاباته التي غالبًا ما تبدأ بعبارات مثل: «لم يحقق أحد ما حققته أنا»، مما يعكس مركزية الذات في تفكيره.
{ الميل إلى السيطرة واتخاذ القرارات السريعة، وفقًا لتحليل نشر في مجلة (Political Psychology)، يميل ترامب إلى اتخاذ قرارات مبنية على الحدس أكثر من التحليل المؤسسي، وهو ما ظهر في قراراته المفاجئة مثل الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، وبعض القرارات الأخيرة. هذا السلوك يعكس شخصية ذات ثقة عالية بالنفس، لكنها قد تكون عرضة للمخاطرة.
{ آليات الدفاع النفسي، يستخدم ترامب الإنكار لتجنب الاعتراف بالأخطاء، كما في رفضه المستمر لنتائج الانتخابات عام 2020، والإسقاط لتحميل الآخرين مسؤولية الإخفاقات، مثل اتهام الإعلام بالأخبار الكاذبة، هذه الآليات الدفاعية تبرز في مواقفه العلنية وتصريحاته.
ثانيًا: أسلوب الإدارة والتواصل؛ ويتضمن ما يلي:
{ الخطاب الشعبوي، اعتمد ترامب على شعارات قوية مثل (Make America Great Again)، وهي عبارة بسيطة لكنها تحمل شحنة عاطفية قوية. وفقًا لتحليل مركز (Brookings)، فإن هذه الشعارات أسهمت في خلق هوية جماعية لدى مؤيديه، مما عزز الانتماء السياسي.
{ التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استخدامه المكثف لتويتر وبعض وسائل التواصل الحديثة غير مسبوق في تاريخ الرئاسة الأمريكية. في دراسة أجرتها جامعة هارفارد، وُصف أسلوبه بأنه «تواصل مباشر يهدف إلى تجاوز المؤسسات الإعلامية التقليدية، مما يمنحه قدرة على تشكيل الرأي العام بسرعة».
{ التركيز على الولاء الشخصي، أظهرت تقارير من (The Washington Post) أن ترامب كان يفضل تعيين المسؤولين بناءً على الولاء الشخصي أكثر من الكفاءة، وهو ما أثر في استقرار إدارته وأدى إلى تغييرات متكررة في المناصب العليا.
ثالثًا: العوامل الاجتماعية والثقافية؛ وتشمل:
{ استغلال الانقسامات الاجتماعية، من الملاحظ أن ترامب اعتمد على خطاب يميز بين (الشعب الحقيقي) و(النخب) وخاصة في فترة رئاسته الأولى، مما عزز الانقسام السياسي والاجتماعي. وفقًا لتحليل في (RAND Corporation)، فإن هذا النهج الشعبوي ساهم في زيادة الاستقطاب داخل المجتمع الأمريكي.
{ القومية الاقتصادية والسياسية، ركز على حماية الوظائف الأمريكية وإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، مثل اتفاقية نافتا وغيرها، مما يعكس توجهًا قوميًا في السياسات الاقتصادية. هذا النهج كان جزءًا من استراتيجيته لتعزيز شعبيته بين الطبقة العاملة.
ترامب في ضوء ميكافيلي
وعند النظر إلى شخصية دونالد ترامب من خلال عدسة ميكافيلي في كتابه الأمير، نجد أن العديد من ممارساته السياسية تجسد المبادئ التي طرحها المفكر الإيطالي قبل خمسة قرون. ميكافيلي يرى أن الحفاظ على السلطة هو الهدف الأسمى، حتى لو تطلب الأمر استخدام الخداع أو القوة، وهو ما انعكس في سلوك ترامب خلال فترة رئاسته، خاصة في تمسكه بالسلطة ورفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات عام 2020. كذلك، اعتمد ترامب على خطاب شعبوي قوي، مستغلًا الانقسامات الاجتماعية لتعزيز قاعدة جماهيرية، وهو ما يتماشى مع نصيحة ميكافيلي بضرورة كسب رضا الشعب لضمان الاستقرار. إضافة إلى ذلك، ركز ترامب على بناء صورة الإداري القوي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مستخدمًا لغة بسيطة وشعارات مؤثرة، مما يعكس تطبيقًا عمليًا لفكرة ميكافيلي عن أهمية المظهر القوي، حتى لو لم يكن الواقع مطابقًا. وأخيرًا، يظهر في نهج ترامب فصل واضح بين الأخلاق والسياسة، حيث لم يتردد في اتخاذ قرارات مثيرة للجدل إذا كانت تخدم أهدافه، وهو جوهر الفكر الميكافيلي القائم على الواقعية السياسية.
وختامًا، يُظهر تحليل شخصية دونالد ترامب من منظور نفسي وسياسي أن السمات النرجسية وحب السيطرة، إلى جانب أسلوبه الشعبوي في التواصل، لعبت دورًا محوريًا في تشكيل قراراته وخطابه السياسي وخاصة في الفترة الأخيرة. هذه السمات النفسية لم تكن مجرد خصائص شخصية، بل تحولت إلى أدوات سياسية فعّالة، سمحت له ببناء قاعدة جماهيرية قوية والتأثير في الرأي العام، سواء من الناحية الإيجابية أو السلبية.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك